قال الكاتب الصحفي مصطفى طاهر في تصريحات خاصة لـ «الدستور»: «برحيل سمير غريب، فقدت مصر أحد هؤلاء الرجال الذين لا يُختصرون في منصب، ولا تُلخَّص مسيرتهم في سطور.
بالنسبة لي، لم تكن تجربة سمير غريب مجرد مسيرة ناقد تشكيلي بارز أو مسؤول ثقافي رفيع، بل كانت نموذجًا حيًّا لرحلة المثقف الاستثنائي الذي أدرك أن دوره لا يقتصر على التأمل والكتابة، وإنما يمتد إلى الفعل والتأسيس».
تجاوز سمير غريب موقع «الناقد» أو الكاتب إلى موقع «صانع الثقافة»؛ فاشتغل على بناء المؤسسات بقدر ما عمل على تحليل النصوص.
وأشار طاهر إلى أن ما كان ملهمًا دائمًا في مسيرته هو قدرته النادرة على الجمع بين الرؤية الفكرية والقدرة التنفيذية؛ فلم تكن أفكاره حبيسة الكتب، بل تحولت إلى مشروعات ملموسة تركت أثرًا واضحًا في الحياة الثقافية المصرية، بدءًا من تأسيس صندوق التنمية الثقافية، مرورًا بدار الكتب، وصولًا إلى عمله على رأس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، الذي مثّل محاولة جادة لصون هوية المدينة المصرية وحماية ذاكرتها البصرية.
وأكد طاهر أن إيمانه العميق بقيمة الجمال كان أحد أبرز ملامح تجربته؛ فقد تعامل مع الجمال لا بوصفه ترفًا، بل باعتباره ضرورة من ضرورات الوعي والحياة، وعنصرًا أصيلًا في تشكيل هوية المجتمع، وهو ما انعكس بوضوح في مشروعاته وكتاباته على السواء.
ولفت طاهر إلى أنه أثناء عمله مديرًا لتحرير مجلة «فنون» بهيئة الكتاب، كان الراحل داعمًا حقيقيًا نجح في صنع الفارق، وعندما واجهتُ التحديات الصعبة، كان وجوده دافعًا كبيرًا إلى الأمام.
ويرى طاهر أنه على مستوى النقد، لم يكن غريب مجرد مؤرخ للفن، بل كان ساعيًا إلى إعادة قراءة التجربة التشكيلية المصرية في سياقها الأوسع، وربطها بحركتها العالمية، كما يتجلى في أعماله التي تمثل جهدًا تأسيسيًا في هذا المجال.
واللافت كذلك أنه ظل يعمل في هدوء، بعيدًا عن صخب المشهد، لكنه كان حاضرًا في كل مفصل حقيقي ومؤثر، وهو ما يمنح تجربته عمقًا وصدقًا نادرين.
في تقديري، لم يكن سمير غريب شاهدًا على الثقافة المصرية فحسب، بل كان أحد الذين أسهموا في تشكيل ملامحها الحديثة. على المستوى العام خسرت مصر رجلًا استثنائيًا، وعلى المستوى الشخصي خسرتُ أقرب أساتذتي، بكل ما حملته تركيبته من نبل وكرم وعطاء كبير.
رحمه الله… صمد في مواجهة متاعب المرض، متسلحًا بمحبته للفن والقراءة والكتابة، وفعل كما علّمنا التاريخ؛ رحل كالأشجار التي تموت واقفة.. لن تنسى الثقافة المصرية سمير غريب.




