الخميس 26/مارس/2026 - 03:16 م 3/26/2026 3:16:12 PM
كشف نوع الصراع الفكري أو العقائدي، الذي ثار وأشتعل حول دعاء خطيب صلاة العيد، بالسيدة الطاهرة فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها، عن شكل من أشكال التغييب للعقل الجمعي، تغييب وقف بالزمن عند أفق وبيئة ومسار أحادي الوجهة والتوجه، حتى صرنا نتنازع الحق في إمتلاك الدعاء وصيغته وأسلوبه، كوننا سنة أم شيعة وليس كوننا مؤمنين بالله، متبعين للرسول، بل أمتد الأمر إلى التنازع حول إمتلاك أهل بيت النبي، هل هم هداة للسنة !؟ أم قادة للشيعة، وهل السنة أحق بسيرتهم أم أنهم تاريخ الشيعة وحاضرهم..!؟ رغم أن كامل الأمر، ليس فيه أي نوع من أنواع الملكية أو الإمتلاك، وقد قال صلى الله عليه وسلم " إنها النبوة لا الملك"، النبوة التي تقوم على الهداية للناس أجمعين، والرحمة التي تشمل كافة الخلق، لا الملك الذي يكتنفه الظلم والتعسف والانقسام. فهل قيام إنسان، أيا كانت صفته، بدعاء يتوجه به إلى الله، يستحق كل هذا التناحر والتراشق والدفاع والهجوم..!؟ وهل لهذا الحيز من المناجاة، القدرة على إثارة هذا الزخم من التباري والانقسام، لدرجة نزوع البعض إلى التكفير والتكفير المضاد، ليس للأفراد وحسب ولكن لمجتمعات بكاملها..!؟ إن هذا النمط من القضايا وطريقة التفاعل العام معها، يعد موشرا حقيقيا وواقعيا، يشير بكل دقة إلى نمط تفكيرنا السائد، ويكشف بدون مواربة أن العقل الجمعي ما زال موروثا، وما زال مطيعا، لفكر، ثابت غير قادرعلى تجاوز الماضي إلى الحاضر أو المستقبل، ولا بد لهذا النمط من التفكير أن يدفع المجتمع إلى التساؤل حول موقعه ومكانته العالمية والإنسانية في إنتاج الحضارة أو قدرته على المساهمة فيها، حتى تكون له ولو بعض القدرة على استشراف مستقبله، لأن القدرة على الوجود هي وسيلة المجتمعات للصمود في مواجهة تحديات الوجود ذاته، أم سيظل المجتمع رهينة، يعاني من أزمة الركون والركود إلى التفاعل المستمر والمستعر مع الماضي في قضاياه المنتهية، التي نحيل إليها كل أسباب الفشل والتراجع والتخلف عن متطلبات العصر والوجود، متكئين في كل مسارنا على تنمية تسير في إتجاه أفقي ليس لها أثر مستمر أو مستديم، ودون حداثة وتطور متنوع الآليات والوسائل من خلال عمل،ذاتي، قائم على الابتكار والصناعة والتجديد في ثقافة تقوم على التغير والتطور والتكيف مع احتياجات الزمان والمكان، تظلها حالة عامة من تناسق الأفكار والعقائد والقيم، التي تنمي وتشكل وعي العقل الجمعي نحو سلوكيات ومهارات العصر. إن الأمم وهي في سعيها نحو النهوض - إذا توافرت لديها الإرادة الصادقة – من عثراتها المستمرة، لا بد لها أن تختار بين سؤالين وتحدد موقفها بقبول أحد الإجابتين عليهما، لأن اختيارها سيحدد بشكل مباشر مسار هذه الأمم لاحقا، وما ستتبناه وسيكون عليه مستقبلها، والسؤلان كما طرحهما المفكر البريطاني برنارد لويس، هما: " ما الخطأ الذي ارتكباه..؟" أو " من فعل بنا هذا..؟". كثير من الأمم التي تعاني الجمود والفشل، اختارت السوال الثاني منهجا لها في تعاطيها مع واقعها وتبنت إجابته ومكنت بها عقلها الجمعي، حيث اختارت أن تركن إلى أسباب الفعل الخارجي في التراجع والتأخر، فتبنت عن كثب، نظرية المؤامرة ! وألقت بكل عوامل تراجعها عليه، وإرتكنت إلى تاريخ طويل من الاعتقاد بأن مصيرها وقدرها لن تستطيع تغييره مهما حاولت، لأن فعل المؤامرة لا ينتهي أبدا..! غير أن هناك أمم اختارت أن تواجه نفسها بكل جدية، فاختارت السؤال الأول: ما الخطأ الذي ارتكبناه..؟ هذه الأمم اختارت المواجهة مع نفسها، واختارت أن تتحمل المسئولية، فقامت بفعل التصويب وتصحيح الأوضاع، فوضعت وكرست سلوك عام – أصبح ثقافة متوارثة - قائم على الحرية والمسئولية، كما هو قائم على المنافسة الحرة التي يحميها القانون في إطار عام من التعليم القائم على الإبداع والابتكار ورعاية العلم وتشجيع التصنيع. وهو ما قامت به بالفعل أمم عانت من انتكاسات كبرى مثل اليابان وألمانيا والنمور الأسيوية وبعض بلدان أمريكا الجنوبية.... فكان أن قامت بتعديل أوضاعها داخليا وقامت بالتطوير والتغيير الهادىء، حيث أقرت سلوكيا وأخلاقيا واجتماعيا وقانونيا، مسارا حقيقيا للسلوك الشخصي، دفع المجتمع دفعا نحو النمو الاقتصادي الذاتي. تلك الأمم وهي في طريقها للنهوض كانت مدركة تماما أن القضاء على الفقر بأشكاله المتعددة، لا يأتي إلا من الداخل وبالاعتماد على النفس من خلال بذل الجهد، ورفع الشعور بالعجز عن كاهل المجتمع، لأن تمكن هذا الشعور من النفس الإنسانية، لا يصل بالمجتمع إلا لطريق كامن وقاطن من الفساد وإثار الذات والصراع الدائم على الفتات الذي لا يٌشبع ولا يٌغني من جوع. وبذلك تكون مواجهة المجتمع لنفسه، وإدراكه الخطأ الذي شاب مساره في مرحلة من مراحله، هي أولى خطواته نحو النهوض والتطور، فيؤمن إيمانا صادقا أن قيمة التعليم لا تدوم إلا بدوام نوع ومحتوى تعليم عصري مستمر، وأن قيمة العمل لا تدوم إلا بدوام العامل الجيد المتطور، وأن قيمة الإدخار لا تنفع إلا بدوام الاستثمار النوعي في العلم والصناعة ووفرة الإنتاج الوطني، وكل ذلك يحميه قانون عام قوي ووعي فردي قادر على استيعاب احترام القانون وسيادته. ولا شك من أن سيادة هذا النمط من الوعي العام وترسيخه في الوجدان الجمعي كثقافة عامة ومتوارثة، سيؤثر بشكل إيجابي في شكل وعمل وتطور المؤسسات كافة مع تقدم الزمن، حيث تصبح المنافسة على تقديم منتج عالي القيمة وجدير بالمنافسة وقادر على جذب استثمارات حقيقية، هي سبيل للرفاهية الاجتماعية والاقتصادية، وطريق واضح المعالم لقيام حياة مؤسساتية لمجتمع قائم على سيادة القانون والتنافس الحر،وحينها، سيتوفر بلا أدنى تحفظات، ما يمكن أن نطلق عليه،فكرا اجتماعيا عاما، وليس مجرد خطاب متداول ينقضي بانقضاء المناسبة، حيث لا نكون مجرد صدى لماضي لا يفضي إلا لغربة في الزمان والمكان، تجعلنا نبدد طاقتنا في مبارزة الشيطان والخطيئة ولا نوجهها إلى التخلص من التبعية والتخلف والاستعباد.ولا نكون أسرى للأسلاف في تكرار أنماط الأخذ عنهم، ولا نكون أسرى للغرب في استهلاك ما ينتجون، فيكون لنا مشروع هو، مشروع وجود، سواء في الفكر أو الإنتاج أو الابتكار، وحيث يكون تغيير نمط الملكية هو القاطرة التي نتجاوز بها واقعنا، وتعبر بنا إلى مستقبل أكثر رفاهية وتصالح مع الذات.
- مذكرة تفاهم بين الشباب والرياضة و"الرقابة المالية" لدعم ريادة الأعمال
- شراكة بين جامعة IE ومجموعة "إي إف چي" القابضة لتعزيز تنمية المواهب والابتكار في مصر
- رئيس جامعة الدلتا التكنولوجية لـ«الفجر»: نصنع خريجًا تكنولوجيًا ينافس عالميًا
- حين صار الصليب آخر ما تركته لتلميذها، حكاية القديسة ثاؤبستي التي اختارت طريق الرهبنة
- المتحدث الرسمي للأمم المتحدة لـ”القدس العربي”: قلقون على أرواح الصحافيين الفلسطينيين الذين ينقلون الحقائق






