الجمعة 23/يناير/2026 - 11:22 م 1/23/2026 11:22:09 PM
من يريد أن يعرف حجم مصر الحقيقى وما وصلت إليه مكانتها الآن عليه فقط أن يطالع حجم الصدمة والخرس اللذين أصابا تلك الجيوش المجيشة من الصفحات الموجهة من كل طيف وجماعة ودولة كانت تقتات فى الفترة الأخيرة على محاولة النيل من مصر ومكانتها وقيادتها.
(١)
محاولة تفسير وقراءة مشهد اللقاء الكبير بين رئيس مصر ونظيره الأمريكى وما أظهره ترامب من احترام لرئيس مصر بأن ذلك مجرد إيفاء للقاءٍ قديم بين الزعيمين وقت انتخابات الولايات المتحدة وفوز ترامب بولايته الأولى، هذه المحاولة تقزيمٌ مخل بطبيعة وتفاصيل ما حدث فى منتدى دافوس. ما شاهدناه كان لقاء دولة بدولة، رئيس مع فريقه السياسى المحترف فى مواجهة رئيس مع فريقه المناظر. سلوك ترامب السياسى على مدار عامٍ كامل يؤكد بشكل قطعى أنه لا يحترم إلا الأقوياء. لم يكن ذلك اللقاء القديم وحده كافيا لأن يغير ترامب هذا السلوك الذى لم ينج منه حليف أو صديق أو منافس. لكنه يدرك ما هى مصر الآن. مصر دولة مركزية فى استقرار الإقليم وما يعنيه ذلك من استقرار العالم. من لا يدرك ذلك من المصريين فعليه إعادة تأهيل نفسه معلوماتيا وسياسيا ووطنيا. حلفاء ترامب الأوربيون لم يستطيعوا إثنائه عن طموحاته فى جرينلاند واضطروا أو سيضطرون لتوقيع اتفاقٍ قريب يحفظ ماء الوجه لهم ويحقق له ما أراد. مصر وحدها من أعلنت لاءاتها عبر العام الماضى بكل ثقة ووضوح فى وجه ترامب واحترمها ترامب. وفى السياسة منذ فجر التاريخ لا تحترم القوى العظمى إلا الأقوياء القادرين على حماية بلادهم وشعوبهم ومقدراتها. مصر أثبتت فى السنوات العشر الماضية أنها تدرك هذه الحقيقة وحققتها على الأرض دون صخب أو مزايدات. تم اختبار هذه الدولة عدة مرات فى قدرتها على الصمود ونجحت فى ذلك نجاحا ساطعا.
(٢)
لا يمكن فصل مشاهد لقاء السيسى ترامب عن كلمة السيسى فى منتدى دافوس. لقد قرأ ترامب كلمة السيسى جيدا قبل أن يعقد هذا اللقاء معه. تحدثت مصر على لسان رئيسها عن حقوق الشعوب العربية وعن قطاع غزة ورحبت بزعم ترامب الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ. كما كررت مصر تمسكها بمواقفها المبدأية فى ضرورة حل النزاعات بالحوار والتمسك بالقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة. كانت كلمة السيسى رسالة واضحة تؤكد تمسك مصر بسابق مواقفها. وهذا التأكيد ينفى تماما فكرة قبول الضغط عليها من أجل التراجع أو تغيير تلك المواقف. تحدثت مصر عما حققته من نجاح فى تهيئة بنية أساسية استثمارية وانفتاحها على فكرة الاستثمار، وهى اللغة التى شكلت حجر زاوية فى إدارة ترامب لكثير من قضايا الصراع. إذن تتفق رؤية مصر مع رؤية ترامب فى وجوب تحجيم الصراعات المسلحة. فالسيسى قائد بناء وتنمية وشراكة مع الجميع شريطة عدم التفريط فى حقوق ومواقف مصر. وهذه اللغة هى المحببة والمفهومة لدى ترامب. لقد مرر لقاء السيسى ترامب كثيرا من الرسائل. أهمها إدراك إدارة ترامب لصواب القراءة المصرية للمشاهد الدولية، وهذا ما كانت تعنيه كلماته عن فهم السيسى للغة الإنجليزية! المقصود هنا فهم غايات العبارات فى دهاليز السياسة. جزء من تعلم السيسى كان فى الولايات المتحدة وترامب يدرك ذلك قطعا. السيسى لا يمثل نموذج قادة الشرق العربى بالشكل التقليدى المنغلق على شعارات شعبوية تداعب مشاعر الغوغاء، لكنه يمثل نموذج للقائد العصرى الملم بمفردات السياسة الدولية ويجيد العمل بها على الأرض. السيسى يقرأهم جيدا وترامب يعلم ذلك.
(٣)
ما ورد فى اللقاء فيما يخص قضية الأمن المائى هو نجاح مصرى وتتويج لعمل الإدارة المصرية عبر السنوات الماضية. مصر دولة لا تجنج لتفجير الصراعات بين دول حوض النيل، وتعمل على إرساء مبادىء وأسس القانون الدولى. اعترف ترامب بخطأ أو خطيئة إدراة سلفه من الديمقراطيين. وهذا الاعتراف من السذاجة التعامل معه على أنه منافسة حزبية. فالولايات المتحدة دولة ترسم سياساتها بشكل مؤسسى طويل المدى فيما يخص علاقاتها بمنطقة الشرق الأوسط وقارة إفريقيا. الولايات المتحدة ومنذ الستينات هى التى كانت صاحبة فكرة الضغط على مصر عن طريق ملف النيل. واعتراف ترامب مؤخرا لا معنى له سوى فشل خطة الديمقراطيين – فى إطار تنفيذ سياسة الدولة المؤسسية - بعد تورطهم فى تمويل السد. هذا الاعتراف معناه نجاح مصر فى إجهاض الهدف الأكبر بتغيير القانون الدولى ومنح دولة المصب حقوقا حصرية فى استغلال النهر المشترك. السد أصبح ورطة لمن موله ومن شيده، والحل الأمثل للجميع – بما فى ذلك مصر – هو الرجوع للقانون الدولى والإتفاقات الثنائية بحق مصر فى المشاركة فى تشغيل وضبط تشغيل السد بما يضمن لمصر أمنها المائى. وهذا هو موقف مصر الأول والأخير.. الإتفاق القانونى الملزم وإجهاض مخطط تدشين سابقة قانونية تغير كل الاتفاقات السابقة. حين يحدث هذا فسيكون تدشين انتصار مصر وليس العكس. عودة الطرف الآخر للطريق الصائب – حتى لو كان فى هذا إخراج لهذا الطرف من ورطته – هو ما تريده مصر. مصر تعمل فى طريق تحقيق مصالح الشعوب التنموية بما لا يضر أو يتعارض مع مصالح شعبها. أهلا بأى اتفاق أو تعاون مع دول حوض النيل لو كان فى هذا التعاون تحقيق رؤية مصر وحماية حقوق شعبها. التعاون والسلام والتنمية المشتركة هى مصطلحات من تمام شخصية مصر، وهى مصطلحات فى حال تحققها تمثل هزيمة فادحة لمن تآمر وخطط ومول وشيد. لقد تخطت مصر مرحلة التفاوض تحت الضغط بما أنجزته فى ملف المياه داخليا، وبما حققته مؤسساتها إقليميا على الأرض بما يشبه فكرة سيب وأنا أسيب! مصر دولة راسخة قوية عريقة وعميقة، وفكرة المرونة فى ملف المياه المصيرى هى فكرة غير موجودة فى مفردات تلك الدولة.
(٤)
حين شكر ترامب مصر فى شخص رئيسها على دورها فى إنهاء العدوان فقد كان يوثق ما عاصرناه وشاهدناه يوما بيوم. وهو بهذا يوجه صفعة قوية مستحقة لكل من زايد على مصر. فى منتدى دافوس، واصلت مصر بمفردها وكعادتها القيام بدورها الشريف فى حمل قضايا شعوب المنطقة. تحدث السيسى عن حق أهل فلسطين فى الحياة وعن لبنان. القادة الأقوياء يحترمون الشرفاء حتى لو تعارضت مصالحهم مع رؤية هؤلاء الشرفاء. الأقوياء لا يحترمون الضعفاء حتى لو كان هؤلاء الضعفاء خدما أوفياء! ومصر تصر على شرف القوة وقوة الشرف. لم يكن ممكنا لمصر أن تتحدث بهذه القوة لولا قيامها بما قامت به فى السنوات الماضية. كلنا يذكر عبارة السيسى الخالدة..احنا كمان بنسمعهم.. هذه العبارة هى إحدى أسرار قوة مصر. إصرار السيسى على بناء وتعظيم قدرات القوات المسلحة هو السر الآخر. أما أعظم أسرار قوة مصر الآن فهو نجاح هذا الرجل فى إعادة بعث الروح المصرية القومية.
(٥)
لقد شكر السيسى نظيره الأمريكى فى موضع الند للند وهو شكرٌ مستحق لمن يدرك قيمة مصر ويحترم مواقفها. لم يكن شكرا مداهنا أو مرتعدا، إنما ردٌ لمجاملات سابقة اكتظت بنشرها وسائل الإعلام الدولية حين وضعت مصر نهاية للعدوان. هو شكر الكبار لبعضهم البعض. الكبيران اللذان استطاعا بقوة دولتيهما إنهاء العدوان.
لقد شكر السيسى نظيره الأمريكى بعد أن أعلن مواقف مصر بوضوح أثناء كلمته للعالم. وهذا الشكر لا محل له حين يكون الحديث عن حقوق مصر المصيرية فى نهر النيل، أو حين يلمح بعض السفهاء إلى ذلك. القيادة التى صمدت فى ذروة الضغط الدولى وكبحت جماح ترامب فى أسابيع ولابته الأولى لا يمكن قبول التشكيك فى مواقفها المستقبلية.
نحن أيضا كمصريين نشكر ترامب الذى يدرك قيمة بلادنا ويحترم مواقفها، ويتفهم رؤية مصر فى نيلها.
(٦)
قال أحد السفهاء بالخارج أن قادة أوروبا المنتخبين من شعوبهم وقفوا فى وجه ترامب، أما قادة العرب – معرضا بموقف مصر لأنها الوحيدة الواقفة فى المواجهة – فقد قدموا غزة! يقول هذا وكأنه نسى أن المصريين هم من أتوا بالسيسى لحكم مصر وأن السيسى حصل على أكبر عدد من الأصوات وأكبر نسبة تصويت فى انتخابات رئاسية. لقد كذب الإخوان وصدقوا إفكهم ويريدون تسويق هذه الأكذوبة.
كان حديث هذا السفيه قبل لقاء الكبيرين السيسى ترامب. لم تمر ساعات حتى جاءت الصفعة من هؤلاء الأوربيين الذين تسربت الأخبار عن توقيعهم لاتفاق مع ترامب يمنحه ما يريد! ثم الصفعة الأكبر بتفاصيل هذا اللقاء والتهذب الترامبى الإستثنائى فى حضرة مصر. بعد هذه الصفعات، استمتعت بشكل شخصى بهذه الصدمة وذلك الخرس اللذين أصابا القائمين على صفحات الإخوان وصفحات المزايدين على بلادهم وصفحات الأحب...ش الذين كانوا فى الأشهر الأخيرة لا يتوقفون عن التطاول على مصر! صمتوا لوهلة، ثم انطلق صراخهم بهستيريا وظهر خوفهم مما سوف يفرضه ترامب عليهم. الذين قبلوا القيام بدور الخدم لا يحق لهم الاعتراض على ما يأمر به سادتهم. هذا ملخص الصراخ الأفروسنتيركى الحالى!
أما جماعات التأسلم السياسى فلقد أفلست تماما لأن مشهد اللقاء كان قاسيا جدا عليهم. فالذى أجلس قادة الدول الحليفة الأقوياء أمامه كتلاميذ المدارس والذى عنف رئيس دولة إفريقية وأمره بالإسراع فى ذكر اسمه واسم دولته، هذا الذى فعل ذلك على الهواء مباشرة مع معظم رؤساء الكرة الأرضية جلس مع فريقه السياسى رأسا برأس مع الرئيس المصرى مع فريقه السياسى. هذه هى الحقيقة. مصر دولة تمثل ركيزة من ركائز استقرار هذا العالم وقيادتها لا تقبل لنفسها ما يرفضه الشعب المصرى لها. شكرا لهذا الرجل الذى أدرك قيمة بلاده ولم يفرط فى تلك القيمة كما لم يخذل شعبه ونأى بنفسه عن الحضور فى أى مشاهد تكون سببا لهذا الخذلان. شكرا لمن حقق لنا بشكل حقيقى عبارة ارفع راسك فوق انت مصرى.
الآن لنا أن نفخر بدولتنا وقيادتها. أن ندرك أن الصعاب التى خضناها لم تذهب سدى ونحن الآن فى مرحلة جنى ثمار هذا السنوات. للمصريين أن يطمأنوا وأن يستعيدوا ثقتهم كاملة فى أنفسهم ودولتهم.






