تحدثت في مقالاتٍ سابقةٍ عن دور الفن والقوى الناعمة في صياغة وعي المجتمعات، واليوم أتحدث عن الفكروالثقافة والفلسفة التي يمكنها أن تكون أداةً حضاريةً للحفاظ على استقرار الأمة وتوجيه أفرادها نحو فهم أعمق لذواتهم وللعالم من حولهم. لذا أجد من الضروري أن نتوقف عند شخصية فكرية غادرت عالمنا منذ أيام وأثرت بعمق في المشهد الثقافي والفلسفي المصري الحديث، وهو الدكتور مراد وهبة، رجل الفكر الرصين الذي جمع بين العمق الفلسفي والتحليل الاجتماعي الدقيق، ليقدم أدواتٍ تساعدعلى قراءة الواقع وفهم التحولات التي تمر بها مجتمعاتنا.

مراد وهبة جبران (( 1926-2026 فيلسوف وكاتب مصري، وأستاذ جامعي. وهو عضو في مجموعة من المنظمات الدَّولية والمؤسس والرئيس للجمعية الدَّولية لابن رشد والتنوير عام 1994، يعد من الشخصيات الخمسمائة الأكثر شُهرة في العالم كما ذكرت موسوعة الشخصيات العالمية .
عمل أستاذًا للفلسفة في جامعة عين شمس. وهو عضو في عدَّة منظمات دَولية منها الأكاديمية الإنسانية، والاتحاد الدَّولي للجمعيات الفلسفية، والمجلس الأعلى للثقافة المصري.
شاءت الظروف الطيبة أن أقابله وأتحدث إليه في حضور الكاتب لطفي الخولي في مقر اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا سنة 1999 حيث كنت مدعوًا كمعماري لتصميم قرية الكتاب والمفكرين في طريق القاهرة -الأسكندرية مستخدمًا أسلوب العمارة البيئية في البناء مستلهمًا فلسفة الرائد حسن فتحي مما فتح مجالًا للمناقشة الثرية معه، حيث شرح لي ببساطة فكرة أن يتحول المبنى لفكرٍ وفلسفةٍ واتجاهٍ عقليٍ وليس بناءً أصم فقط يعكس مجموعة من الوظائف والأنشطة بلا روح أو معنى مما أثر لاحقًا في توجيهي فكريًا ومنهجيًا في رسالتي للدكتوراه وفي مجمل توجهاتي الفكرية معماريًا وعمرانيًا.

عرفت منه حماسه ودعوته إلى ضرورة إحياء فلسفة ابن رشد بوصفها «أداةً لتقليل الهُوَّة بين الغرب والمجتمع الإسلامي، ونجاح ابن رشد في البيئة الأوربية من خلال فلسفة الرشدية اللاتينية التي أسهمت كثيرًا في تأسيس العقلانية الأوربية، وما تولد عنها من إصلاح ديني في القرن السادس عشر، وتنوير في القرن الثامن عشر، حيث وظفت بشكل واسع آراء ابن رشد الداعية إلي إعمال العقل في فهم النص وفي الحوار الإيجابي بين الناس، وإن هذه الروح هي ما يجب أن يسود حوار الغرب والشرق لأنها أساس السلام في أي منطقة من مناطق الأرض. ووجهني لقراءة كتابه المؤثر ( ملاك الحقيقة المطلقة) وكان قد صدر في نفس العام عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة مكتبة الأسرة.
أثر هذا الكتاب في فهمي لأهمية توظيف الفلسفة فى هذا الزمن لتوليد الوعى لدى رجل الشارع حتى يمتنع عن السقوط فى قبضة مُلاك الحقيقة المطلقة الذين يتوهمون أن العقل الانسانى قادر على قنص الحقيقة المطلقة وإجبار البشر على اعتناقها فى حين أن هذا العقل بحكم نسبيته غير قادرٍ على ذلك. والخطورة فى هؤلاء المُلاك أنهم يتهمون أعداءهم بأنهم كفرة فى الحد الأدنى ويستحقون القتل فى الحد الأقصى.
مراد وهبة ليس مجرد مفكر يُحلل الأفكار، بل هو مرشد للوعي، يعيد ترتيب الأولويات الثقافية والفكرية في مجتمعاتنا، مؤكدًا أن الفلسفة ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة حياتية. في مجتمعٍ كثير الانشغال بالمظاهر والتسابق على الأحداث العابرة، يأتي وهبة ليذكّرنا أن القيم الأساسية والمعرفة الفلسفية هي حجر الأساس لأي تقدم حقيقي. فالفلسفة، كما يرى، ليست مجرد تأملات شخصية، بل هي منظومة معرفية تؤسس للمسار الأخلاقي والاجتماعي والسياسي للمجتمع.
وفي ظل النقاشات اليومية حول التعليم والثقافة والهوية الوطنية، نجد أن الفلسفة، عبر تحليلاته، تساعدنا على فهم لماذا تتكرر الأزمات الاجتماعية والسياسية وكيف يمكن مواجهة الموروثات الثقافية السلبية التي قد تعيق التقدم. يؤكد مراد وهبه دائمًا على أن الوعي الفلسفي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالوعي الحضاري، وأن أي مجتمع يرفض التفكير النقدي والتحليلي سيظل عرضة للسطحية والانزلاق نحو التقلّيد الأعمى أو الاستسلام للتأثيرات الخارجية.
عندما نستعرض مؤلفاته ومقالاته، نلاحظ اهتمامه بالربط بين الفلسفة والحياة اليومية، بين القيم النظرية والممارسات العملية، وهو بذلك يجعل الفلسفة أداة يمكن للجميع التعامل معها، لا مجرد تخصص أكاديمي بعيد عن الواقع. وهنا يكمن جوهر رسالته: أن نعيد اكتشاف الفلسفة كعنصر حيوي في بناء مجتمع متوازن، واعٍ، قادر على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية
وفي مجتمعنا المصري، حيث تتصارع الأصوات حول السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا، تأتي الفلسفة كمنارة، تعيد ترتيب الأولويات وتكشف المسارات الصحيحة للتفكير والعمل. إنها تزرع في النفوس إدراكًا بأن الحياة لا تقتصر على الكسب المادي أو النجاح الظاهر، بل على تحقيق الوعي، ومساءلة الذات، وفهم الآخر، واحترام القيم التي تشكل هوية الأمة..
رحل مراد وهبه بعدما خاض معاركه شبه وحيد، محاصرًا بالسخرية والتخوين، كمن يقاتل طواحين الهواء باسم العقل. لكنه في لحظته الأخيرة كان شاهدًا على انتصار لم تصنعها أفكاره ولا كتبه وحدها، بل جاء جيل جديد يستمد قوته وشرعيته ونجاحه وتحققه من العلم، والتقدّم التكنولوجي، والذكاء الاصطناعي، ليقلب معادلات كانت تبدو راسخة إلى الأبد. مدن الشرق العربي الصحراوية لم تعد كما كانت، ومعها تهاوت حصون التطرّف الديني، وسقط أيضًا يسارٌ راديكالي عاش طويلًا على هامش هذا التطرّف وتغذّى عليه.
بدأت قلاع الوهابية في التحول في موطنها نفسها من معاقل للمنع والتحريم إلى منصّات للحداثة، والعلم، والفنون، وتعلن القطيعة مع رجعيات الماضي وضلالات الشريعة الداعشية التي لوّثت الدين والسياسة معًا، رحل مراد وهبة وهو يرى مشهدًا لم يكن ليحلم على التنبؤ به علنًا حيث يرفع قادة في المنطقة رايات الحداثة والتنوير، ويخوضون معارك التحديث لا بالشعارات، بل بالقرارات. مفارقة التاريخ هنا حادة ومتفائلة في آن واحد: الفيلسوف الذي وُصم يومًا بالاستفزاز، غادر الدنيا بعدما تحقّق جزء كبير من “استفزازه” على أرض الواقع. هكذا يفعل الزمن حين ينحاز إلى العقل متأخرًا لكنه حاسم وقاطع وقوي..
ولذا يمكن القول إن مراد وهبة قدم مثالًا حيًا على أهمية تبسيط الفلسفة في مجتمعاتنا، ليس كفن جدلي بارد أو نشاط أكاديمي صارم، بل كأداة عملية لبناء وعي شامل قادر على مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية والسياسية. وإذا كانت مصر قد حافظت عبر تاريخها على رموزها الفنية والثقافية، فإن علينا اليوم أن نحافظ على رموز الفكر والفلسفة، وأن نعيد الاعتبار لمكانة الفلسفة في قلب حياتنا اليومية خاصةً أن أساليب النشر والتعبير حاليًا أصبحت أسهل وأسرع باستخدام أدوات العلم وإمكانيات التكنولوجيا ، لأنها الوسيلة الأنجح والأبقى القادرة على جعل مجتمعًا أكثر تحضرًا وأرحب فكرًا وأقدرعلى صناعة مستقبله بوعي وإدراك.




