شهدت صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر تحسنًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، في مؤشر يعكس استعادة تدريجية لثقة المستثمرين الدوليين في الاقتصاد المصري، وقدرته على التكيف مع المتغيرات العالمية والتحول إلى منصة إقليمية جاذبة للاستثمار، ولا تقتصر أهمية هذا التطور على تحسن ترتيب مصر في مؤشرات جذب الاستثمار، بل تمتد لتؤكد نجاح السياسات الإصلاحية في خلق بيئة أكثر استقرارًا وقدرة على استيعاب التدفقات الرأسمالية طويلة الأجل.
تدفقات الاستثمار الأجنبي
ووفقًا للسردية الوطنية للتنمية الشاملة، اتخذت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر اتجاهًا تصاعديًا واضحًا خلال الفترة من 2015/2016 وحتى 2024/2025، مدفوعة بتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي وما صاحبه من تحسينات في المؤشرات الكلية، وسعر الصرف، والإطار التنظيمي للاستثمار. ورغم تسجيل تراجع مؤقت في الفترة من 2018/2019 إلى 2020/2021، حيث انخفض صافي التدفقات من 8.24 مليارات دولار إلى 5.21 مليارات دولار – وهو أدنى مستوى خلال تلك المرحلة – فإن هذا التراجع جاء في سياق استثنائي مرتبط بتداعيات جائحة كورونا واضطرابات سلاسل الإمداد والأسواق العالمية.
ومع بدء التعافي العالمي، استعادت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مسارها الصاعد اعتبارًا من 2021/2022، لتسجل 11.06 مليار دولار في 2023/2024 بعد استبعاد الأثر الاستثنائي لصفقة رأس الحكمة البالغة 35 مليار دولار، ثم واصلت التحسن لتصل إلى 12.2 مليار دولار في 2024/2025، وهو أعلى مستوى للتدفقات خلال الفترة محل الرصد. ويبرز هذا الأداء قدرة الاقتصاد المصري على إعادة بناء ثقة المستثمرين في فترة زمنية وجيزة، مستندًا إلى قدر من الاستقرار الاقتصادي، وتنامي التوسعات الاستثمارية القائمة، وليس فقط الاستثمارات الجديدة.
وعلى صعيد هيكل الاستثمار، شهد عام 2024/2025 تحولًا لافتًا، حيث ارتفعت مساهمة الاستثمار الخاص لتصل إلى 57% من إجمالي الاستثمارات، وهو أعلى مستوى خلال خمس سنوات، بما يعكس انتقالًا تدريجيًا نحو نموذج نمو يقوده القطاع الخاص. ويتسق هذا التحول مع توجهات الحكومة لترشيد الإنفاق العام، وحوكمة الاستثمارات العامة، وتوجيهها إلى القطاعات ذات الأولوية، مقابل إتاحة مساحة أوسع للقطاع الخاص للقيام بدوره كمحرك رئيسي للنمو الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى البناء على الزخم الحالي وتحويله إلى مسار تنموي مستدام، من خلال تعميق النشاط الإنتاجي والتصنيعي، وتوجيه التدفقات الاستثمارية نحو القطاعات عالية القيمة المضافة، وتعزيز الربط بالأسواق الإقليمية والدولية. كما يمثل توسيع دور القطاع الخاص، وتحسين مناخ الأعمال، واستقرار السياسات الاقتصادية عناصر حاسمة لضمان استدامة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وتعظيم أثرها على النمو والتشغيل ونقل التكنولوجيا.
وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن مصر باتت تمتلك فرصة حقيقية لترسيخ مكانتها كوجهة استثمارية إقليمية، شريطة مواصلة الإصلاحات الهيكلية وتعزيز الثقة بين الدولة والمستثمرين، بما يدعم تحقيق نمو اقتصادي شامل ومستدام خلال السنوات المقبلة.
- من البنية التحتية إلى الحوافز.. كيف عززت مصر قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية؟
- خبراء: الطروحات الحكومية تعزز دور القطاع الخاص وتدعم النمو الاقتصادي
- رئيس مجلس الوزراء: الموازنة الجديدة تستهدف مواصلة تحسين جودة خدمات المواطنين
- 5 مسارات تنفيذية تنظم توجه سياسة ملكية الدولة للأصول 2026 - 2030
- مدبولي: مستهدفاتنا تتجاوز مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي بنسبة 65%






