الثلاثاء 20/يناير/2026 - 05:05 م 1/20/2026 5:05:10 PM
قد لا تكون لدينا مثل هذه الثنائية بالحدة المعروفة في أوطان أخرى؛ فلقد وحد الملك نعرمر (مينا) قطرينا المصريين منذ قديم الأزل؛ فصرنا بلادا واحدة لها عاصمتها المستقرة (كانت طيبة في الجنوب ثم صارت القاهرة في الشمال)، غير أن المعنى- معنى أننا كنا قطرين بقي في الذاكرة فيما يبدو على مر السنين.
يشعر الشماليون الآن أنهم حلم ضائع، هكذا يوحي إليهم الجنوبيون بالذات، فلا أحد يحقق أحلامه هناك ولا حتى أهل البلاد وسكانها، الذين يذهبون بأحلامهم من الجنوب كثرة كاثرة، أقلهم من يلمع وينال منزلة رفيعة يستحقها، وأما أصحاب القاهرة فتاهت أحلام معظمهم في زحامها الفارغ وصخبها الأخرس!
يشعر الجنوبيون أنهم نكتة معيبة، هكذا يوحي إليهم الشماليون، فكلما مروا بمكان وتكلموا بلهجاتهم وتعاملوا بطباعهم فسمعوا الناس تضحك؛ تأكدوا أن نكتة من النكات الوافرة التي تعود الناس في الشمال جعلهم أبطالها حضرت في الأذهان، وعليه سكتوا أو انصرفوا، والمهم أنهم توتروا بعد أن كانوا هادئين وطبيعيين!
في الحقيقة لا الشمال حلم ضائع ولا الجنوب نكتة معيبة؛ هما، بشرقهما وغربهما، ساحتان كبريان تشكلان وطنا عظيم الحضارة، النيل شاهد على ترابطه والأهرامات شاهدة، غير أن الفتن المنتشرة تورث الناس ضغائن صغيرة، من بينها الشعوران المذكوران، وصحيح أن الناس يخسرون أحلامهم بالجملة في العاصمة، غير أن الأمر لا يوجب أن توصف الجهة نفسها بالحلم الضائع؛ فله أسبابه القديمة التي وراءها فساد كبير لا ذنب للجهة فيه، وصحيح أن النكتة المعيبة تقال يوميا عن الجنوبيين، لا سيما الصعايدة، في الأندية والمقاهي والمواصلات، وتضحك هؤلاء أنفسهم قبل سواهم، إلا أنها لا تقصد الإهانة والحط من القدر، إنما تستثمر سذاجة الريفيين هناك في الإضحاك الذي تعوده المصريون عموما للتخفف من الأعباء، والدليل أن الشمال يعترف، في العمق، بالفطر الذكية لهؤلاء الصعايدة الريفيين أنفسهم وبنجاحهم في عوالم المال والاستثمار؛ فهم ذوو الشركات والملاك الكبار لأعداد هائلة من المشروعات الشمالية العملاقة والمباني الشاهقة، وأما لماذا كانت النكتة بالذات هي الشكل المختار للخوض في الحديث عن الجنوب وناسه؛ فالأكيد أن وراء الأمر فسادا كبيرا موروثا لا علاقة للجهة الجنوبية به.
إنني أدعو أحبتي الشماليين إلى التفكير في مقولات إخوتهم الجنوبيين عن الجغرافيا الشمالية التي تنكسر على أبوابها أحلام الحالمين، ألا ليتهم ينقدون أوضاعهم ذاتيا، ويحاولون العثور على الشيء الذي يمنع ولا يمنح، ويضربونه في مقتل، ويفتحون الآفاق للطامحين بصورة نقية وعادلة، وأحث أهلي الجنوبيين على تغيير بعض عاداتهم التي لم تعد تناسب الوقت، كالرجل الذي عارض فتاة المترو القاهرية التي وضعت ساقا على ساق أمامه، وأحثهم على الثقة بنفوسهم؛ بحيث لا تهتز دواخلهم من نكتة عابرة ولا حتى رأي مقيم، وعلى التركيز في مفهوم البناء الذي أحبوا جوه وأحسنوه، وليكن ماديا ومعنويا، وأذكر الشماليين والجنوبيين بأن ينتبهوا إلى الفساد الكبير الذي يجاهد دوما للتفريق بينهم، وبأنهم صاروا وطنا واحدا سامقا، منذ قرون، وانتهت فوضاهم إلى الأبد!



