زيارتي إلى أبو تشت: الجنوب الذي يدفع الثمن وحده

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الجمعة 06/فبراير/2026 - 11:18 م 2/6/2026 11:18:57 PM


لم تكن زيارتي إلى أبو تشت هذا الأسبوع زيارة عابرة، ولا مجرد أداء واجب اجتماعي ينتهي بانتهاء اللقاءات وتبادل المجاملات، كانت رحلة كاشفة، أقرب إلى مواجهة صامتة مع واقع يعرفه أهله جيدًا، ويتعايشون معه في صبر ثقيل، بينما يظل بعيدًا عن أعين كثيرين.
في مركز ومدينة أبو تشت، جنوب مصر، التقيت بالأهالي ورموز العائلات، جلست في دواوين مفتوحة الأبواب، وتجولت في الشوارع والنجوع، وقضيت وقتًا بين حقولها الممتدة ومزارع القصب التي تشهد على جهدٍ لا ينقطع، وعرقٍ لا يتوقف.
هناك، يتبدّى الجنوب كما هو: كريم في ناسه، صبور في معاناته، فقير في خدماته، وغائب عن أولويات التنمية.
أبو تشت لا تشكو بصوت مرتفع، لكنها تحكي لمن يقترب، لمن يختار أن يرى لا أن يمر، أن يسمع لا أن يكتفي بالعناوين، وما رأيته لم يكن فقرًا في البشر ولا في القيم، بل فجوة واضحة بين ما يُبذل من جهد على الأرض، وما يعود على الناس من حقهم الطبيعي في حياة كريمة. 
هذه السطور ليست اتهامًا، ولا بحثًا عن إثارة، لكنها شهادة زيارة، ومحاولة لفهم كيف ولماذا ظل الجنوب، وأبو تشت نموذجًا، يدفع الثمن وحده، وهي لا تتوقف عند حدود الوصف، ولا تكتفي برصد المشهد كما يبدو على سطحه، بل تصلح – لمن أراد أن يُقيّم بصدق – كمؤشر دقيق على واقع الأداء الحكومي في الجنوب، وعلى حجم العجز المزمن في إدارة الملفات الخدمية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، فما تكشفه أبو تشت لا يخصها وحدها، بل يعكس فجوة أعمق بين إرادة سياسية تعلن السعي إلى الإنجاز، وإدارة تنفيذية ما زالت عاجزة عن تحويل هذه الإرادة إلى واقع محسوس في القرى والمراكز البعيدة عن العاصمة.
الرئيس عبد الفتاح السيسي، في خطابه ومشروعاته ورؤيته المعلنة، يحاول دائمًا أن يرفع سقف الإرادة الوطنية إلى مستوى يليق بتحديات الدولة، وأن يدفع باتجاه إنجازات حقيقية تتجاوز منطق المسكنات والحلول المؤقتة، غير أن ما يصطدم به المواطن في الجنوب، وما لمسته بوضوح في أبو تشت، هو أن هذه الإرادة كثيرًا ما تتبدد قبل أن تصل إلى الأرض، وتتعثر عند بوابات حكومة وبعض وزرائها، لا سيما في القطاعات الخدمية، حيث يفترض أن يكون الاحتكاك المباشر بالناس، والفهم الحقيقي لمعاناتهم، هو نقطة البداية لا الاستثناء.
في هذه المواقع، لا يبدو الغياب غياب موارد بقدر ما هو غياب إرادة، ولا تتجلى الأزمة في نقص الإمكانات وحدها، بل في انعدام التخطيط، وضعف المتابعة، وانقطاع الصلة بين متخذ القرار ومن يفترض أنهم في خدمته، حكومة تُدير الملفات من خلف المكاتب، ومحافظ للإقليم ربما تخفى عنه حالة الفقر العام وفقر الخدمات في واحد من أكبر المراكز التابعة لمحافظته، فلا تصله الصورة كاملة كما هي على الأرض، أو تصل إليه لكن ربما له رأي آخر، ولا تٌنقل إليه معاناة الناس إلا بعد أن تمر عبر طبقات من التجميل والتخفيف، فتبدو الأرقام مستقرة بينما الواقع يئن، وربما يُقال له إن الأمور «تحت السيطرة»، وإن الخدمات تؤدي الحد الأدنى من دورها، في حين أن هذا الحد الأدنى نفسه لم يعد كافيًا لحياة كريمة، ولا يليق بدولة تعلن ليلًا ونهارًا أنها في معركة بناء شاملة.
في أبو تشت، هناك مستشفى جديد في المدينة التي تقع في عمق الجنوب، ظل الوصول إلى لحظة اكتماله يمتد لسنوات طويلة بلا أسباب واضحة، في مركز يفتقر أصلًا إلى أدنى مستويات الخدمات الطبية المتطورة، بما يضطر مواطنيه إلى قطع عشرات الكيلومترات وصولًا إلى العاصمة أو المدن الكبرى بحثًا عن خدمة صحية تليق بآدميتهم، وبعد هذا الانتظار الطويل، جاء الافتتاح ناقصًا، لا بالمعنى الشكلي، بل بالمعنى الجوهري، إذ افتُتح المبنى بلا كوادر طبية وبشرية كافية، وبلا منظومة تشغيل حقيقية، فتحول الحلم الذي انتظره الناس إلى جدران صامتة، وتعليق للمباني بلا تشغيل مؤثر، وكأن المشكلة كانت دومًا في البناء لا في الإنسان الذي يُفترض أن يعمل داخله. 
أما مبادرة «حياة كريمة» التي وصلت إلى أبو تشت، فقد بدت – بحسب ما سمعته مباشرة من الأهالي – محدودة الأثر، إذ لم تتجاوز في أفضل حالاتها بعض الوحدات الصحية الأولية، بينما أصيبت بقية محاورها، من صرف صحي، وخدمات مميكنة، واتصالات، ومدارس جديدة، ووحدات متطورة للمحليات وغير ذلك، بحالة أقرب إلى السكتة القلبية، لا تقدم ولا استكمال ولا حتى جدول زمني واضح، وفي عدد من مناطق مركز ومدينة أبو تشت، تُركت الشوارع والطرقات محفورة بسبب أعمال لا تنتهي، ولا يظهر لها نبض حقيقي للعمل، ما دفع بعض الأهالي، مضطرين لا متطوعين، إلى إعادة تمهيد الطرق على نفقتهم الخاصة، فقط لكي تستمر الحياة اليومية، في مشهد يلخص ببساطة مأساة الجنوب: مواطن يحاول أن يعيش، ودولة تتأخر عن الوصول.
وسمعت، بل ورأيت، كوبري مزلقان كوم يعقوب، المعروف بمزلقان الموت، ذلك المشروع الذي خُطط له كحل آمن لتجاوز مزلقان خطر، يهدد حياة الناس يوميًا، وبدأ العمل فيه منذ سنوات طويلة، قبل تولي الفريق كامل الوزير حقيبة وزارة النقل، ثم توقف بلا تفسير واضح، ليتم الإعلان عن نية العمل فيه لاحقًا في عهده، ثم يتوقف مرة أخرى. والأخطر من ذلك أن هيئة السكك الحديدية قامت برفع غرفة التحكم والتحويلة الخاصة بالمزلقان والموظف المختص بتشغيله، على أساس أن الكوبري سيكون بديلًا مباشرًا وآمنًا لعبور المواطنين، غير أن المشروع توقف، فوجد الأهالي أنفسهم بلا مزلقان، وبلا بديل، وبلا أي وسيلة إنذار أو تأمين لعبور خط السكة الحديد، وقد شكا المواطنون من تكرار حوادث دهس أثناء عبور الأهالي، خاصة في فترات الليل، نتيجة غياب جرس الإنذار وعدم وجود أي تنبيه أو إشراف بشري، وهو وضع استمر – بحسب ما هو ثابت على الأرض – لما يقرب من خمس سنوات كاملة منذ توقف المشروع.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: كيف يجوز لمسؤول في هيئة السكك الحديدية أو غيره أن يتخذ قرارًا برفع غرفة التحكم، والتحويلة، ووسائل الإنذار، وسحب الموظف المختص بالمزلقان، قبل الانتهاء الفعلي من إنشاء الكوبري البديل وتشغيله؟ وكيف يُترك المواطنون في مواجهة مباشرة مع خطر قاتل معلوم، دون حماية أو تأمين، ودون مبرر مفهوم؟
إن هذا السلوك الإداري، إذا ترتب عليه دهس أحد المواطنين، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إهمال عابر، بل يقترب – وفق المفهوم القانوني – من جريمة «القتل بالترك»، حيث يمتنع المسؤول عن أداء واجب قانوني مفروض عليه، مع علمه اليقيني بالخطر، وقدرته على منعه، فيترك النتيجة تقع.
وتفسير ذلك وفقًا للقانون المصري أن «القتل بالترك» هو صورة من صور القتل غير العمد، ويقع عندما يكون على الشخص التزام قانوني محدد باتخاذ إجراء يمنع وقوع الخطر، فيمتنع عمدًا أو بإهمال جسيم عن هذا الإجراء، مع علمه بأن هذا الامتناع قد يؤدي إلى وفاة الغير. وفي هذه الحالة، فإن مسؤولية تأمين المزلقان، أو عدم رفع وسائل الأمان إلا بعد توفير البديل الكامل، هي التزام قانوني صريح، والامتناع عنه، مع توقع النتيجة الخطرة، يُحمّل المسؤول تبعات جنائية حال وقوع الوفاة، لأن الخطأ هنا ليس سلبيًا فحسب، بل خطأ مؤثر مباشر أدى إلى النتيجة.
ويبقى السؤال الأهم الذي لا يجوز القفز عليه: ما هو دور محافظ الإقليم في هذه القضية تحديدًا؟ وماذا فعل، أو ماذا كان يجب أن يفعل، للدفاع عن حياة رعاياه في مركز أبو تشت وقرية كوم يعقوب؟ فالمحافظ، بحكم منصبه، هو ممثل الدولة التنفيذي في الإقليم، والمسؤول الأول عن سلامة المواطنين، وصاحب الولاية العامة في متابعة المشروعات الخدمية، خاصة تلك التي تمس الحق في الحياة بشكل مباشر.
هل تدخل لإيقاف رفع وسائل التأمين قبل اكتمال البديل؟ وهل خاطب وزارة النقل أو هيئة السكك الحديدية رسميًا لإعادة تشغيل المزلقان مؤقتًا أو توفير وسائل إنذار بديلة؟ وهل وقف على الأرض ليرى الخطر بنفسه، أم اكتفى بما يٌرفع إليه من تقارير؟
إن الدفاع عن حياة الناس لا يكون بالانتظار، ولا بتبادل الاختصاصات بين الجهات، بل بالفعل العاجل حين يكون الخطر معلومًا، ومتكررًا، ونتائجه مميتة. وفي مثل هذه الوقائع، لا يكون السؤال عمن يملك القرار وحده، بل عمن يملك الإرادة والشجاعة لاستخدام سلطته القانونية لحماية المواطنين، لأن السكوت هنا لا يظل حيادًا طويلًا، بل يتحول – مع الزمن – إلى مشاركة غير مباشرة في ترك الخطر قائمًا.
هذا التوقف المتكرر في مشروع كوبري مزلقان كوم يعقوب، يطرح أسئلة مشروعة لا يمكن تجاهلها: هل تتعطل المشروعات في أعماق الصعيد لأنها لا تحظى بإشارة مباشرة من القيادة السياسية في افتتاح أو خطاب؟ وهل لو ذُكر هذا الكوبري بالاسم من خلال متابعة السيد الرئيس في أحد لقاءات افتتاح المشروعات القومية لكان قد انتهى خلال شهر، لا لشيء إلا لأن المتابعة حينها تصبح حتمية، والمحاسبة ممكنة؟ وهل يُعقل أن تُدار الدولة بهذه الآلية المختلة، حيث لا يتحرك بعض المسؤولين إلا تحت ضوء الكاميرات، ولا تُستكمل المشروعات إلا إذا دخلت دائرة الاهتمام الرئاسي المباشر؟ إن الخطر الحقيقي هنا لا يكمن في كوبري لم يكتمل فحسب، بل في منطق إدارة ينتظر الإشارة من أعلى بدلًا من أن يؤدي واجبه الطبيعي.
وفي السياق ذاته، لا يقل ملف التعليم إيلامًا، فقد سمعت شكاوى متكررة عن حال المدارس في مختلف المراحل التعليمية، وعن سوء الإمكانات وندرة الموارد، بل وعن خريجين لا يجيدون القراءة والكتابة، في واحدة من أخطر مؤشرات الانهيار الصامت لأي مجتمع، والمفارقة اللافتة في أبو تشت أن العبء الأكبر في التعليم يبدو واقعًا على عاتق الأزهر الشريف، من خلال الانتشار الواسع للمعاهد الأزهرية، التي باتت تؤدي دورًا تعويضيًا واضحًا، في مقابل غياب شبه تام لوزارة التربية والتعليم عن مواجهة هذا التدهور في مدارسها، وكأن الأمر لا يعنيها، أو كأن الجنوب بات خارج نطاق الأولوية. وهنا لا يكون السؤال عن جودة التعليم وحده، بل عن غياب الدولة عن صناعة المستقبل في مكان لا يملك أهله إلا التعليم كطوق نجاة وحيد.
أبشع ما سمعته من الأهالي في أبو تشت كان عن انتشار تجارة مخدر الأيس أو الشبو في المركز وقرى الإقليم المحيطة، وهو ما يثير القلق بشكل بالغ، ليس فقط بسبب خطورته الصحية الفورية على المتعاطين، بل بسبب تأثيره المدمر على شبابنا ومراهقينا، وهذه المخدرات لم تعد قضية فردية أو عابرة، بل اقتحمت مجتمعًا يُعرف بمبادئه وقيمه وعاداته وتقاليده، محاولةً واضحة لإفساد جيل كامل من خلال عصابات منظمة تتاجر بها على نطاق واسع، والخطر يتضاعف في ظل غياب الوعي الكافي بسبب سوء التعليم، وانهيار برامج التوعية المجتمعية والإعلامية، مما يترك الشباب مكشوفين أمام شِباك هذه العصابات، بلا حماية فعلية، ولا معرفة حقيقية بماهية الخطر الذي يهدد مستقبلهم وحياتهم.
ورغم ما سمعت عن جهود وزارة الداخلية الكبيرة في مواجهة بعض تجار المخدرات في هذه المنطقة وغيرها، إلا أن الواقع يقول إن الأمر يحتاج إلى إرادة أكبر وتنسيق أوسع، بحيث يتم القضاء تمامًا على هذه العصابات، وإعادة البيئة إلى مسارها الطبيعي الذي يحافظ على قيمها وثوابتها، ويضمن أن يظل شباب أبو تشت وفتياته وفتيانها بعيدين عن هذا الطوفان المدمر، ويستعيد المجتمع القدرة على حماية أجياله القادمة من الانزلاق نحو المجهول.
كان أبرز ما شاهدته أيضا، هو توجه قافلة دعم من الأزهر الشريف لتوزيع المواد الغذائية على مواطني أبو تشت بمناسبة قرب حلول شهر رمضان المبارك، وذلك تمشيًا مع التوجهات الرئاسية للاهتمام بالقرى والمراكز الأكثر احتياجًا، وبرعاية واهتمام واضح من فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وجامعة الأزهر التي نظمت القافلة من خلال وحدة الدعم المستمر والإغاثة الإنسانية التابعة للجامعة، والمشهد المؤثر هو هذه الحشود التي تكدست بالمئات للحصول على هذه الخدمة، والأكثر تأثيرًا المشهد الدرامي لمن لم يصلهم هذا الدعم لنفاذ الكميات، مع عدم توقع مثل هذه الأعداد، فقد ظلوا متجمعين وهم لا يصدقون نفاذ الكميات، وكأن فرصة مصيرية كبيرة مرت عليهم، وهذا يعكس حال الناس واحتياجهم الفعلي والملح، وهنا أدعو الدولة إلى الاهتمام بهؤلاء المواطنين ودعمهم، فهذا حقهم على الدولة والحكومة، وليس ذلك استجداءً.
كما أدعو الجمعيات الأهلية ووزارة التضامن الاجتماعي إلى تكثيف الجهود في هذه المناطق، ليس بشكل موسمي أو لمناسبة محددة، بل بصورة مستمرة ومنظمة، لتوفير احتياجات المواطنين الأساسية بشكل يليق بكرامتهم، ويضمن ألا يبقى أحد في حاجة أو محروم من أبسط مقومات الحياة اليومية، كما يجب تعزيز برامج الدعم والتأهيل الغذائي والصحي والاجتماعي بالتوازي مع خطط تنموية طويلة المدى تشمل التعليم، والرعاية الصحية، والبنية التحتية، لتجنب أن تصبح هذه القرى مجرد نقاط استهلاك مؤقت للدعم، بدلًا من أن تصبح بيئة منتجة ومستقرة.
وفي الوقت نفسه، يتعين على المجتمع المدني، ومنظمات الخير، والشركات المحلية، أن تتبنى مشاريع مستدامة تعيد إشعال الأمل لدى الأهالي، وتوفر فرص عمل وتعليم وتدريب للشباب، حتى تتحول القرى والمراكز إلى بيئة آمنة ومستقرة، لا يعتمد أهلها على التوزيع العشوائي أو الدعم الموسمي فقط، فهذه المسؤولية المشتركة بين الدولة والمجتمع المدني هي السبيل الوحيد لضمان أن تتحقق العدالة الاجتماعية، وأن يظل المواطن في أبو تشت وغيره من المراكز البعيدة يشعر بأنه جزء من الدولة، لا متروكًا على هامش الاهتمام الرسمي.
من المهم أيضًا أن تنظر وزارة التنمية المحلية بعين الاعتبار إلى مسؤوليها في هذه المناطق، وأعني بذلك على وجه الخصوص رئيس مجلس المدينة وموظفي المحليات، فهم الحلقة الأساسية في إدارة شؤون المواطنين اليومية، وفي متابعة تنفيذ المشروعات والخدمات على الأرض، وأتصور أنه في مركز مثل أبو تشت، الذي يواجه تحديات متراكمة في الصحة والتعليم والبنية التحتية والخدمات، يجب أن تتواجد كوادر قيادية مؤهلة، قادرة على إدارة المشهد بالكامل، وفهم أولويات المواطنين، والتواصل معهم بشكل مباشر وفعال، لا أن يقتصر دورهم على مجرد الرد الفعلي على المشكلات بعد وقوعها، فالمطلوب أن يكون للمحليات رؤية واضحة، وخطة تنفيذية دقيقة، تجعلها قادرة على التنبؤ بالمشكلات قبل حدوثها، وتقديم الحلول الواقعية التي تحمي المواطنين وتحافظ على حقوقهم.
هذه الكوادر يجب أن تكون على مستوى كافٍ من الخبرة الإدارية والقدرة على اتخاذ القرارات، وأن تمتلك القابلية للمتابعة اليومية، والتنسيق مع الوزارات والجهات الأخرى، لضمان أن المشروعات لا تتوقف، والخدمات لا تتعطل، وأن المواطن لا يُترك في مواجهة أي أزمة بمفرده، كما أن وجود قيادة محلية نشطة وحقيقية يعني أن تصبح المحليات جسرًا فعالًا بين الدولة وأهالي المركز، تبني الثقة، وتُسهم في نشر الوعي، وتحفز المشاركة المجتمعية، وتتابع التنفيذ على الأرض بدقة، بدل أن يظل المواطن ينتظر القرارات الصادرة من مكاتب العاصمة بعيدًا عن واقعه اليومي.
إن غياب هذه الكوادر أو ضعف أدائها لا يضر فقط بجودة الخدمات، بل يضاعف من معاناة الناس ويزيد شعورهم بالإحباط، ويترك فجوات كبيرة يستغلها الفساد أو الإهمال أو حتى المخاطر الاجتماعية كالمخدرات والجرائم الصغيرة، وفي الوقت نفسه، وجود قيادة محلية قوية وملتزمة، لا يقتصر أثره على إدارة المشروعات فقط، بل يمتد ليشمل تعزيز منظومة العدالة المجتمعية، وحماية البيئة الاجتماعية للقيم والتقاليد، والحفاظ على استقرار المجتمع المحلي في مواجهة كل التحديات.
إن صعيد مصر هو قلب الوطن وروحه، وجوهره الذي يحتفظ بالثوابت والمبادئ والقيم الأصيلة التي صنعت تاريخ مصر وأعطته تميزه بين الأمم، وهو الذي أثبت عبر التاريخ أن الاستثمار في بنيته البشرية ينتج الأثر الحضاري لمصر عبر تاريخا الحديث، ومن هذا الجنوب العظيم خرجت مئات الشخصيات العبقرية في شتى المجالات: علماء في الطب والهندسة والفيزياء، أدباء وشعراء، فلاسفة ومفكرون، رجال سياسة ودبلوماسية، ومبدعون في الفن والموسيقى. نذكر منهم على سبيل المثال الزعيم الراحل جمال عبد الناصر(أسيوط)، وعميد الأدب العربي طه حسين (المنيا)، ورفاعة الطهطاوي (سوهاج)، هدى شعراوي (المنيا)، مصطفى لطفي المنفلوطي(أسيوط)، وشاعر النيل حافظ إبراهيم (أسيوط)، والشاعر الفذ أمل دنقل (قنا)، فضلًا عن العديد من القضاة والأطباء والمربين الذين أضاءوا المدن الكبرى بمعرفتهم وكفاءتهم، وكل هؤلاء، وغيرهم الكثير، يؤكدون أن الصعيد ليس مجرد منطقة جغرافية، بل مهد العباقرة وقلب مصر النابض بالقيم والتفكير والإبداع.
وفي هذا السياق، يبرز مركز أبو تشت كجزء من هذا الصعيد العظيم، محتفظًا بشيء من هذه الأصالة، وبشبابه وعائلاته الكبرى وأهله الذين يحملون إرادة الحياة رغم الصعاب، وهم المركز الذي يضم بين مواطنيه اليوم كبار رجال القضاء، وفي مؤسسات الدولة التنفيذية والرقابية، وأساتذة الجامعات، ورجال الصناعة والتجارة، وهذا المركز  هو الذي أنجب الشريف الامام نور الدين أبو الحسن علي بن عبد الله بن أحمد بن علي الحسني السمهودي، (844هـ ـ 911هـ)، وهو من أشهر المؤلفين الذين كتبوا عن المدينة المنورة وتاريخها، حيث اهتم في كتابه (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى) اهتمامًا كبيرًا بوصف معالم المدينة سواء المعالم الموجودة في زمانه أو المعالم الي ذكرها من سبقوه، فكتب عنها كتابة شاهد عيان ووصفها بدقة كما كتب عن المعالم التي زالت فحاول أن يتتبع آثارها ونقل عمن كتب عنها. 
وكان قد حل إلى المدينة المنورة وقرأ على عدد من الشيوخ في المسجد النبوي ونال الإجازة منهم وتصدر للتدريس في إحدى الحلقات فدرس الفقه والحديث، وصار من أكر علماء المدينة المنورة، ثم رحل إلى مكة المكرمة وأقام فيها مدة من الزمن ودرس في المسجد الحرام وزار بيت المقدس وأقام فيه لبعض الوقت ثم عاد إلى المدينة المنورة واستقر بها بقية عمره يٌدرس في المسجد النبوي، وله نحو 50 مؤلفا ما بين مطبوع ومخطوط في العلوم الدينية.
وهناك أيضا الكثير من العلماء والافذاذ مثل الشيخ توفيق البتشتي أحد كبار علماء الأزهر الشريف، والدكتور تمام حسان أحد كبار علماء اللغة العربية والأستاذ بكلية دار العلوم وعضو مجمع اللغة العربية  ابن قرية الكرنك بأبو تشت والذي حصل على جائزة الملك فيصل العالمية عام 2006، ويبرز الآن أيضا، من بين أبناء أبو تشت الأديب والكاتب الروائي المبدع الدكتور محمد عبد الحميد عطية، وهو أستاذ بكلية التجارة بجامعة الأزهر، كأحد أبدع الأقلام الروائية في مصر في وقتنا الحالي، فهو كاتب روائي، تشعر من أسلوبه بروح التحليل والوصف، فكل حدث وكل شخصية وكل مشهد محسوب بعناية، كما لو كان يضع أرقامًا في دفتر يوميات دقيقة، وكأن الرواية نفسها منظومة متكاملة من الحسابات الإنسانية والاجتماعية، ما يجعل تجربة القراءة ممتعة وموثوقة في الوقت نفسه.
لقد كان للدكتور محمد عبد الحميد عطية دور كبير وملموس في محاربة انتشار المخدرات في المجتمع المصري، من خلال كتاباته ومقالاته الصحفية، التي سلط فيها الضوء على خطورة هذه الآفة، لا سيما مخدر الشبو أو الأيس، المعروف بـ«السم الأبيض»، ولم يقتصر دوره على التحذير، بل كان صوتًا منصفًا وموضوعيًا يوضح أبعاد المشكلة، ويشرح تأثيرها المدمر على الشباب والمجتمع، في محاولة لإيقاظ الضمير العام، ومن نتائج هذه الجهود المتضافرة، بالتعاون مع غيره من الخبراء والمهتمين بالملف، إدراج هذه الأصناف الجديدة من المخدرات ضمن سلسلة العقوبات الجنائية في القانون المصري، وهو ما يمثل خطوة حقيقية لمكافحة هذه الظاهرة وحماية المجتمع من خطرها المتزايد.
في نهاية هذه الجولة من أبو تشت، هذه شهادة على فجوة حقيقية بين إرادة القيادة السياسية الساعية لتحقيق الإنجازات، وبين واقع التنفيذ على الأرض الذي يعاني من البطء، الإهمال، وغياب الكوادر الفاعلة، وأبو تشت هو نموذج حي لكل ما يمكن أن يواجهه الجنوب المصري من تحديات، من نقص الخدمات الصحية والتعليمية، وانتشار المخدرات، وتأخر المشروعات، إلى غياب المتابعة الفعلية من المسؤولين المحليين، وفي الوقت نفسه، يبقى أهل المركز صامدين، وأرضهم خصبة، وشبابهم قادرون، وذكاؤهم ووعيهم وإرادتهم دليل على أن الحلول ممكنة إذا وجدت الإرادة الحقيقية، والتخطيط السليم، والقيادة الفاعلة على مستوى المحليات والوزارات.
إن ما يحتاجه أبو تشت، وكل مراكز الجنوب، ليس دعمًا مؤقتًا أو شعارات موسمية، بل استراتيجية شاملة، وتنسيقًا حقيقيًا بين الدولة والمجتمع المدني، وتوفير كوادر مؤهلة في المحليات، ومتابعة حثيثة من المسؤولين، بحيث تتحول كل مشروعات التنمية إلى واقع ملموس، وكل حق من حقوق المواطنين إلى حقيقة يومية لا انتقاص فيها، فصعيد مصر بأهله وقيمه وموارده هو جوهر هذا الوطن، وأبو تشت ليس استثناءً؛ الاهتمام به وبتنمية أهله واجب على الدولة، لا فضلًا أو استجداء، وكل يوم تأخير فيه يعني دفع الثمن مرة أخرى من قِبل أهل الجنوب وحدهم، ويعني أداء حكومي بلا إنصات حقيقي لصوت الناس، فتتحول السياسات العامة إلى شعارات، وتتحول الخطط إلى أوراق، بينما تظل معاناة المواطن ثابتة لا تتغير.
 

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق