حكى لى جدّى «معبد» عنهم وعن حقولهم الواسعة فى «نجع الهريف»، كنت أراه يجلس على الأرض، يجذب كتلةً من الطين ويقسّمها بيديه، نصفين، ثم أربعة، كان يكورها ويضعها إلى جواره، ويهمس لى أن أبقى صامتًا.
عندما تقترب الكلاب الضالة كان يضم الطين إلى صدره، ثم يقذفه فجأة، كانت تصرخ وتهرب، لم أفهم وقتها لماذا لا يهرب هو، بل يتمسمر بقدميه ويظل واقفًا على الأرض.
كنتُ صغيرًا حين تشبثتُ بجلبابه عند مقام الشيخ «طيب»، كان الجبل عاليًا، والرمال تتحرك كأنها حية، اختبأ جدّى بجوار الجدار، وتركنى أضم الثوب الأخضر بيدىّ الصغيرتين، بعد ذلك نصحنى بأن طريق الهريف لا يُسلك إلا مرة واحدة، وأن من يطارِد فيه شيئًا ضائعًا، قد لا يعود.
حين مات، بقى الجبل كما هو، وبقى الظل عند القمة، وكلما اقتربتُ شعرتُ أن جدّى يراقبنى من هناك.
كبرتُ، وعدتُ إلى القرية، فوجدت الحقول محروقة، وبيت جدّى بلا جدران، تجمّع الناس حوله، ينظرون إلى عصاه كأنها آخر ما يملكه، مال نحوى، وأسند ثقله على كتفى، وهمس:
«الصلح.. ربما يمنحنا فرصة للنجاة».
ثم قال بصوتٍ عالى:
«فلنستمع للقريب وزائره».
تحدثوا كثيرًا عن الحب والسلام، وعن الأرض التى لم تعد لنا، وعن العصا التى لم تعد تنفع، قالوا إن أولاده تركوه، وإن إخواته رحلوا، وإن الحقول صارت لهم، طلبوا منه أن يضع العصا جانبًا.
كنتُ واقفًا بجواره، أمسك بعصاى، وأنا أشاهد عينيه القاسيتين، كأنهما آخر ما يحميه.
جاء الطبيب بعد أيام، نظر إلى عينى جدّى طويلًا، ثم قال لى بهدوء إن جدّى قد يموت اليوم أو غدًا، عدتُ إليه فوجدته ينظر إلى السقف.
سألته ما به، فلم يجب، رفع إصبعه وأشار إلى السقف.
ثم سمعنا أنينًا فى الجدار، وسقط الجدار فجأة.
رأيت القريب بعدها فى الشارع، كان يجرى خلف الغرباء، يتوسّل، وثيابه ممزقة، لم يلتفتوا إليه.
قلتُ له إن الغبار على قدميك أثمن من كل ما أخذته.
توقّف، نظر إلىّ، ثم انحنى وجمع التراب بيديه، كأنه يعيد شيئًا ضاع منه.
الآن، عرفت أن الظل الذى عند قمة الجبل ليس مخيفًا.. إنه ينتظرنى فقط، كلما اقتربتُ من طريق الهريف، أتذكّر الطين، والعصا، والحريق، أعرف أن جدّى لم يكن يحارب الغرباء، بل كان يحاول أن يبقى واقفًا.
- قبل "سايكس بيكو" وقبل إسرائيل… كان "جبل عامل"
- تحطيم الرقم القياسى.. جدة كندية تستمر فى تمرين البلانك لمدة ٥ ساعات
- فوهة نيزك مدفونة تحت أوكلاهوما الأمريكية قد تكون مرتبطة بأحد أكبر انقراضات الأرض
- صيحات الله أكبر تزلزل الأرض.. أحد أبطال حرب أكتوبر بالمحلة يروى ذكريات العبور
- غوغل تختبر تشغيل الذكاء الاصطناعي بضوء الشمس فوق الأرض






