حينما تنطفئ أضواء العديد من العواصم الكبرى في نهاية اليوم، تظل أروقة المقرات السياسية في القاهرة نابضة بالحياة، هنا، في "مطبخ الدبلوماسية" الأكثر تعقيدًا في الشرق الأوسط، تُدار خيوط أزمة غزة ليس فقط كملف سياسي، بل كقضية أمن قومي ووجودي لمصر.
ومع دخول عام 2026، أثبتت التجربة أن القاهرة ليست مجرد وسيط، بل هي "الضامن" والركيزة التي تستند إليها أي محاولة لفرض استقرار حقيقي في القطاع.
ثبات الموقف.. "اللاءات" المصرية التي حمت القضية
منذ اندلاع الأزمة، وضعت الدولة المصرية "خطوطًا حمراء" لم تكن قابلة للتفاوض، وهو ما شكل حائط صد أمام مشاريع تصفية القضية الفلسطينية.
رفض التهجير: كان الموقف المصري القاطع برفض التهجير إلى سيناء هو حجر العثرة الأول أمام المخططات الإسرائيلية، مما أجبر المجتمع الدولي على إعادة قراءة المشهد والبحث عن حلول داخل الأراضي الفلسطينية.
السيادة على الحدود
ظلت القاهرة متمسكة بضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من "محور فيلادلفيا" والجانب الفلسطيني من معبر رفح، معتبرة أن عودة الإدارة الفلسطينية للمعابر هي المفتاح الوحيد لشرعية أي اتفاق.
دبلوماسية "الغرف المغلقة" وقمة شرم الشيخ
لم يقتصر الدور المصري على استقبال الوفود، بل قادت القاهرة تحركات دولية كبرى، كان أبرزها "قمة شرم الشيخ للسلام" (أكتوبر 2025)، التي شهدت توافقًا دوليًا واسعًا بجهود مصرية-تركية-عربية.
في تلك القمة، استطاعت الدبلوماسية المصرية انتزاع اعترافات دولية بضرورة وجود "جدول زمني" لإقامة الدولة الفلسطينية، وربط التهدئة الأمنية بمسار سياسي شامل.
يقول أحد المحللين السياسيين المتابعين للمفاوضات: "ما يميز القاهرة هو امتلاكها للغة مشتركة مع كافة الأطراف.. هي تتحدث بلغة الأمن مع واشنطن وتل أبيب، وبلغة القضية والتاريخ مع الفصائل، وبلغة الجغرافيا والواقع مع أهل غزة".
الإغاثة والتعافي.. ما وراء السياسة
الدور المصري في غزة لم يكن يومًا حبيس المكاتب؛ فعلى الأرض، تحولت مدينة العريش إلى مركز لوجستي عالمي.
المساعدات: وفقًا للإحصائيات الأخيرة لعام 2025، ساهمت مصر بأكثر من 70% من إجمالي المساعدات التي دخلت القطاع، رغم التحديات الاقتصادية العالمية.
إعادة الإعمار: لم تنتظر مصر انتهاء الصراع كليًا، بل بدأت بالفعل من خلال "مبادرات التعافي المبكر"، حيث شاركت الشركات والمهندسين المصريين في ترميم المرافق الحيوية والمستشفيات، تمهيدًا لإطلاق مشروع "دار مصر" السكني في مرحلته الجديدة.
رؤية "اليوم التالي".. مصر كضامن دولي
مع طرح مبادرات دولية جديدة (مثل خطة ترامب 2025-2026)، برزت مصر كطرف لا غنى عنه في إدارة "اليوم التالي". وتطرح القاهرة حاليًا رؤية تعتمد على:
تمكين السلطة الفلسطينية بعد إصلاحها لإدارة القطاع.
نشر قوات مراقبة دولية (بمشاركة مصرية فاعلة) لضمان عدم العودة لمربع الصفر.
تأسيس "صندوق إعمار غزة" برعاية مصرية ودعم خليجي ودولي.
البوصلة التي لا تخطئ
في نهاية المطاف، يدرك الجميع—من واشنطن إلى طهران—أن أي اتفاق يُوقع في أي عاصمة، لابد أن يمر عبر "البوابة المصرية" ليجد طريقه للتنفيذ.
لقد أثبتت سنوات الأزمة أن مصر هي "حجر الزاوية" الذي بدونه ينهار البناء الإقليمي، وأن دعمها لغزة ليس خيارًا دبلوماسيًا، بل هو قدر تمليه الجغرافيا ويفرضه التاريخ.
- تكثيف الاتصالات لعقد «اللقاء الوطني»… ووفد «فتح» إلى القاهرة
- رسالة ماجستير عن الموقف العربى من التسوية الفلسطينية بعلوم سياسية القاهرة
- وفد "فتح" برئاسة حسين الشيخ يتوجه إلى القاهرة لبحث ترتيبات الانتخابات
- السفير حسين هريدي: القاهرة تجمع الفصائل الفلسطينية لإنفاذ خطة السلام ومواجهة العراقيل الإسرائيلية في غزة
- برلماني: اجتماع القاهرة خطوة حاسمة لكسر الجمود ودعم الحقوق الفلسطينية





