الأحد 04/يناير/2026 - 09:44 م 1/4/2026 9:44:04 PM
لا أنشر هذه القصة بدافع الإثارة، ولا بحثًا عن تعاطف، ولا رغبة في إدانة أشخاص بأسمائهم، بل لأن بعض الوقائع -مهما حاولنا تجاوزها- تظل تُطارد الضمير، وتطلب أن تُروى.. لا لتُحكى، بل لتُشهَد.
هناك مشاهد تمرّ بنا فنُغلق عليها باب الذاكرة، وهناك مشاهد أخرى ترفض أن تُغلق، تبقى عالقةً في القلب، كأنها تسألنا؛ ماذا ستفعل بما رأيت؟
هذه واحدة من تلك المشاهد.. واقعة حقيقية كُنت شاهدًا عليها، رأيت فيها كيف يمكن أن يتحول القانون إلى ساحة، والأبوة إلى خصومة، والأمومة إلى غضب، والطفولة-بكل هشاشتها- إلى طرفٍ بلا صوت.
أنشرها اليوم لأن الصمت عنها مشاركة غير مباشرة، ولأن بعض القصص لا يُراد لها أن تُنسى، حتى لا نألف القسوة، ولا نُطبع مع الوجع، ولا نُقنع أنفسنا أن كل ما يحدث "عادي".
هذه ليست قصة عن أب وأم، بل عن أطفال وجدوا أنفسهم وحدهم في منتصف معركة لا تخصهم، ولا يفهمون قوانينها، ولا يملكون منها مهربًا.. أكتبها الآن، وأنا أعلم أن الحقيقة حين تُروى قد لا تُغيّر الواقع، لكنها -على الأقل- تمنعنا من التواطؤ بالصمت..
لم يكن المشهد طبيعيًا منذ اللحظة الأولى. رجل يقف داخل قسم شرطة في أحد الأحياء الراقية، وبجواره ثلاثة أطفال، لا يشبهون معتادي الإجرام ومقيمي الزنازين، ولا يشبهون القادمين بشكوى عابرة.
بنت في التاسعة، تحمل وجهًا أكبر من عمره، وولدان أحدهما في السادسة والآخر في الرابعة، يتشبثان ببعضهما كأن العالم كله يوشك أن يسقط.
لم يأتِ الأب ليشكو؛ جاء ليُحرر محضرًا لإثبات الحالة.. وإثبات الموقف.. ومناظرة الأطفال.. كان مُصرًّا على أن يُثبت أن أطفاله الثلاثة برفقته، كأنهم واقعة قانونية لا دمًا يسري، ولا خوفًا يرتعش.
انتقل المشهد سريعًا إلى النيابة العامة، وهناك بدأت الملامح الصغيرة تفضح ما عجزت الكلمات عن قوله، الأطفال كانوا خائفين.. خوفًا فاضحًا.. لا يبكون، بل يرتجفون.. وبجوارهم شنط صغيرة، تحوي ملابس بسيطة لا ألعابًا لمن في مثل عمرهم، وكأنهم خرجوا من بيت بلا نية عودة.
السيد وكيل النائب العام استدعى الأب. ثم كل طفل على حدة.ثم جمعهم. مرةً معًا، وتارةً متفرقين، وتارةً أخرى في حضرة الأب.. وكان الصمت سيد المشهد، وكانت العيون تقول ما لا يُقال.
ثم حضرت الأم.. امرأة في منتصف العقد الرابع، بصحبة محاميها، وعلى وجهها غضب لا علاقة له بالقلق، وحِدة لا تعرف معنى الفقد، وما أن رأت ابنتها الكبرى، حتى انفجرت غضبًا.. صرخت في وجه الطفلة، هددَّتها، توعدَّتها، وكأنَّ الصغيرة ارتكبت جريمة لا تُغتفر؛ كيف تهرب؟ كيف تترك البيت؟ كيف تذهب- رفقة أخويها- لأبيها المتزوج من أخرى؟ ثم استدارت نحو الأب، طليقها، وانفلت لسانها بأقسى الألفاظ، بصوت عالٍ، وغضب فاجر، لا يليق بأم، ولا بإنسان.. هنا تدخل السيد وكيل النيابة. استدعاها، عنّفها، ثم أدخلها مكتبه وشرع في التحقيق معها.. طال مكوثها في الداخل، وحين خرجت.. خرجت بنظرة الظافر؛ المنتصر، نظرة من تيقن أن القانون قد حسم المعركة، ونظرة أخرى لأطفالها، لا تحمل طمأنينة وحنان.. بل وعيدًا مؤجلًا.. هنا فقط انكشفت الحقيقة كاملة. هؤلاء الأطفال لم يهربوا عبثًا. فرّوا من شقة اعتادت أمهم أن تتركهم فيها أيامًا، دون طعام، دون رعاية، دون سؤال.. ورأوا- في عمرٍ لا يحتمل - أفعالًا لا يجوز أن تراها أعينُ صغيرة، ولا أن تسكن ذاكرة طفل.. هربوا إلى أبيهم.. بحثًا عن الأمان. لكن الأب لم يرَ في خوفهم خوفًا، ولا في جوعهم جوعًا، ولا في ارتعاشهم استغاثة.
رآهم فرصة. مجرد ورقة ضغط. وسيلة قانونية للتنصُّل من التزاماته التي ألقاها على عاتقه قانون الأحوال الشخصية، ومحاولة لإسقاط حضانة أمهم، لا إنقاذًا لأطفال، بل انتصارًا في نزاعٍ زائف.
أخذهم إلى قسم الشرطة، ثم إلى النيابة العامة، دون أن يُطعمهم بعد جوع، ولا يُطمئنهم بعد رعب، ولا يهتز له جفن، وكأن الألم لا يُرى إن لم يُصبه.. في تلك اللحظة، كان الأطفال وحدهم.. أمٌّ ترى فيهم تمردًا، وأبٌ يراهم مستندًا، وقانونٌ لا يرى إلا ما يُقال، لا ما يُرتعش.
هنا لا تنتهي القصة.. هنا تبدأ المأساة الحقيقية.. حين يتحول الطفل إلى ساحة صراع، وتصير الطفولة استدلالًا في محضر شرطة، ويُختزل الأمان في توقيع، والرحمة في نص جامد.. هذه قصة من الواقع.. كنت شاهدًا عليها، ورأيت كيف يُمكن للإنسان أن يسقط من إنسانيتهِ دون أن يخالف القانون، ورأيت أن أقسى اليُتم ليس فقد الأب أو الأم، بل أن يكونا موجودين.. ولا يكون الأمان ظِلًا لوجودِهما. تلك حكاية ثلاثة أطفال لم يطلبوا شيئًا، سوى أن يناموا دون خوف.. في تلك المعركة، لم يكن الأطفال طرفًا.. بل كانوا الخسارة كاملةً..






