الأحد 04/يناير/2026 - 06:10 م 1/4/2026 6:10:54 PM
صناعة الوعي هي " أم المعارك " التي نواجهها اليوم وهي معركة لا يقل خطرها، بل يتجاوزها في تأثيره عن المعارك المسلحة، فهي معركة تستحق ان نطلق عليها بـ " صناعة التخلف " وهي صناعة ليست بريئة من اهداف ابعد واحقر وأخطر على مجتمعنا .
فهذا النوع من الصناعة يُدار على نطاق مؤسسي خفي، وتقوده مجموعات من العاطلين عن العمل، والساعين إلى الربح السريع والشهرة والتأثير، مستغلين منصات التواصل الاجتماعي التي باتت هي الوسيلة الاسهل في الوصول لاعداد كبيرة من الناس وتحقيق ارباح تصل للملايين.
يعتمد هؤلاء على الشكل الجذاب، وطريقة التحدث الواثقة، ونبرة اليقين، ليبدو ما يقولونه وكأنه " الحقيقة المجردة "، فينخدع بهم متابعون يخلطون بين الثقة والمعرفة، وبين الجرأة والعلم.
هذه الظاهرة ليست جديدة على مجتمعنا، فقد عرفناها قديما في صور بدائية، حين كان " حلاق القرية " هو طبيبها الأهم ومستشارها الطبي الذي لا ينافسه أحد، فهو ينافس طبيب الصحة في التشخيص والعلاج ووصف الوصفات وحتى اجراء العمليات، رغم ما سببه " الحلاق " من كوارث صحية لأهل القرى، ولكنه استمر في خداع الناس وكسب ثقتهم ، إلى أن تدخلت الدولة بقوتها وإمكاناتها، وانتشرت الوحدات الصحية في الريف خلال خمسينيات القرن الماضي.
في البداية قاوم " حلاق القرية " الأطباء والعلم، وحاربهم مستندا إلى تأثيره على البسطاء، لكن في النهاية " انتصر العقل والعلم على الجهل والادعاء "
المعركة التي نعيشها اليوم هي نسخة حديثة من تلك القصة القديمة، لكن بأدوات أكثر تطورًا، فهؤلاء المدعون يستخدمون كل وسائل جذب المشاهدين، من القَعدة والوقفة، إلى حركة الحاجب، وعلو الصوت، والإيقاع المسرحي، لإثبات الثقة فيما يقولون، والهدف ليس المعرفة، بل لتمرير أفكار محددة.
أخطر هذه الأفكار ولاحظنا تكراره كثيرا هو ما يضرب في " أساس الدولة الوطنية " من خلال محاولات تجميل عصر الاحتلال الإنجليزي، وتقديم الملك فاروق الأول - والأخير - في صورة الحاكم الوطني، رغم أنه لم يحكم مصر يوما واحدا إلا وكانت دولته أو مملكته محتلة.
هذا الطرح لا يستهدف عودة الملكية بالقطع، فهي مستحيلة، ولا عودة الملك الذي رحل قبل أكثر من 60 عاما، بل الهدف واضح وهو التشكيك في شرعية الدولة " الجمهورية " التي تأسس نظامها بعد الإطاحة بحكم أسرة محمد علي، واعتماد النظام الجمهوري كنظام دستوري لحكم مصر.
وبالقطع، فإن مناقشة صحة قرار التحول من الملكية الوراثية إلى النظام الجمهوري أصبحت من قضايا الماضي، ولم تعد ذات جدوى، فبعد عام 1952 لن يحكم مصر إلا المصريون، وبالانتخاب الحر المباشر.
و الذين يجملون في العصر الملكي أو عصر الاحتلال يدركون هذه الحقيقة، لكن هدفهم الأول هو " ضرب فكرة الاستقلال الوطني من جذورها " وتحميل حكم المصريين لأنفسهم مسؤولية كل الأزمات والصعوبات التي مررنا بها.
ومن أجل ذلك، يُنسب إلى الملك ما لم يكن فيه من تقوى وورع ووطنية، ويجري تشويه كل من أتى بعده، وفي القلب من هذا التشويه يأتي الهجوم الدائم والممنهج على الرئيس جمال عبد الناصر وعلى المؤسسة التي ينتمي إليها.
ولكي يكتمل هذا الهجوم، لا بد من تشويه منجزات عبد الناصر وقراراته وسيرته، وفي المقابل إضفاء صفة " الملائكية " على الرئيس محمد نجيب، الذي يقدم دائما بوصفه الضحية، بينما تؤكد الوثائق التاريخية أن قرار عزله جاء نتيجة تحالفه مع جماعة الإخوان المسلمين، وسعيه - باتفاق معهم - إلى إقصاء مجلس قيادة ثورة يوليو وتثبيت حكمه، وهو ما أدركه قادة الثورة، فعزلوه وحددوا إقامته دون تعريض حياته أو أسرته لأي خطر، ومع ذلك، مازال يردد الفشله اساطير عنه لا علاقة لها بالحقيقة ولا.
هذه الظاهرة تُعرف في الأوساط الأكاديمية باسم " تاريخ الهواة "، حيث يتفوق السرد القصصي الجذاب على الدقة التاريخية، فتتسع الفجوة بين ما يطلبه الجمهور وما يقره العلم من خلال قنوات تحقق ملايين المشاهدات، ويديرها غير متخصصين يتصدرون المشهد الاعلامي ويحققون ملايين المشاهدات.
هؤلاء يعتمدون على السرد المثير، ويستقون معلوماتهم من كتب شعبية أو روايات تاريخيةكاذبة نجحت جماعة الاخوان في جعل قصصها من الادب الشعبي الذي يبدونوكأنه حقيقة ، وأغلب إن لم يكن جميعهم من غير الاكادميين ولا الدارسين للتاريخ لكنهم يقدمون محتوى خياليا يبهر بسطاء العلم والمعرفة ومدعين الثقافة ويعتمد مقدموا هذه البرامج علي جودة الانتاج والقصص الخياليه.
الخطورة الحقيقية في أن هذه القنوات أصبحت المصدر الأول للمعلومة التاريخية لدى أجيال جديدة، متجاوزة الكتب والمناهج الدراسية وعلماء التاريخ الحقيقيون، وهو ما يفرض ضرورة تدخل قوى من الدولة بأدواتها المختلفة و بتفعيل دور المؤسسات الثقافية والتعليمية، لمواجهة هذا السيل من المعلومات المغلوطة، والدفاع عن الوعي، في معركته الأصعب.
- الوعي في مواجهة التخلف !
- بالورود والبلالين، تشييع جثمان شهيدة العلم بمسقط رأسها بنبروه في الدقهلية (صور)
- عبد الناصر محمد: الزمالك يغادر القاهرة للقاء الجيش الرواندى بدورى الأبطال 12 أكتوبر
- قيادي ناصري: ما أحوجنا إلى مشروع عبد الناصر النهضوي اليوم
- نائب رئيس الحزب الناصري: الاحتفال بذكرى رحيل عبد الناصر اعتراف بما قدمه لمصر






