في محلية ود بندة بولاية غرب كردفان، لم يعد التعليم شأنًا تربويًا خالصًا، بل بات أحد تجليات الصراع الدائر في السودان، حيث أفادت مصادر محلية بتهديد قوات الدعم السريع بملاحقة المعلمين في حال عدم استئناف العملية التعليمية، في خطوة تعكس تعقيدات المشهد الأمني والاجتماعي في مناطق النزاع.
وفي البلدة ذاتها -ود بندة- تقول المعلمة سعاد. أ – وهي تجلس في منزلها الطيني وتراقب الطريق المؤدي إلى المدرسة: إن التعليم لم يعد يبدأ بقرع الجرس، بل بالخوف.
تفضل سعاد عدم ذكر اسمها كاملًا، فالكلمات هنا قد تكون أخطر من الصمت -بحسب قولها.
العودة إلى المدارس واستئناف التدريس
تروي سعاد أن قوات الدعم السريع في محلية ود بندة بولاية غرب كردفان أبلغت المعلمين، منذ الأسبوع الماضي، بضرورة العودة إلى المدارس واستئناف التدريس، مصحوبة بتهديدات صريحة بالملاحقة في حال الرفض. “لم يسألنا أحد إن كانت المدارس آمنة، أو إن كان الأطفال قادرين نفسيًا على الجلوس في الفصول”، تقول، مضيفة أن القرار جاء وكأنه أمر عسكري لا علاقة له بالتعليم.
منذ اندلاع الحرب، توقفت المدارس الحكومية في مناطق واسعة من كردفان، فتحوّل التعليم إلى عبء إضافي على الأسر. بعض المجتمعات، بحسب سعاد، لجأت إلى الخلاوي كبديل اضطراري، محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مستقبل أبنائها. “الخلوة كانت الملجأ الأخير"، تقول، “لكن حتى هذا الملجأ لم يُترك وشأنه".
تشير المعلمة إلى أن قوات الدعم السريع منعت تدريس القرآن في الخلاوي خلال الفترة الصباحية، وألزمت بأن يكون التعليم في الفترة المسائية فقط، دون توضيح الأسباب. هذا القرار أربك حياة الأسر، خاصة أن كثيرًا من الأطفال يساعدون ذويهم في أعمال النهار، بينما ترتبط الخلاوي تقليديًا بساعات الصباح. “هم لا يغيّرون الوقت فقط، بل يغيّرون نمط حياتنا كله”، تضيف بنبرة متعبة.
داخل المدارس، المشهد ليس أفضل حالًا. عدد من المعلمين امتنعوا عن التدريس، إما خوفًا من الاستهداف، أو احتجاجًا على فرض العودة دون أي ضمانات. وفي المقابل، رفض بعض أولياء الأمور إرسال أبنائهم، معتبرين أن التعليم تحت التهديد لا يصنع معرفة، بل يزرع الخوف. تقول سعاد: “كيف أشرح درسًا في الجغرافيا، والطلاب يسألونني: لو حصل إطلاق نار، سنهرب من أين؟".
ما يحدث في ود بندة، وفق رواية المعلمة، يتجاوز أزمة تعليمية عابرة، ليعكس نمطًا أوسع من عسكرة الحياة اليومية، حيث تُدار المدارس والخلاوي بعقلية الأوامر. التعليم، الذي يفترض أن يكون مساحة حياد وأمان، تحوّل إلى أداة ضغط، يدفع ثمنها المعلمون والأطفال معًا.
تختم سعاد حديثها بالقول: “نحن لا نرفض التعليم، نحن مع التعليم. لكننا نرفض أن يُفرض علينا بالقوة، وأن يتحول المعلم إلى موظف تحت التهديد، والطالب إلى رقم في معادلة الحرب". وفي ظل غياب أي حلول واضحة، يبقى أطفال غرب كردفان عالقين بين فصول مغلقة، وخلاوي مُقيّدة، ومستقبل يتشكل تحت ظلال السلاح.
هنا السودان
- ميليشيا الدعم السريع تستهدف المدارس والخلاوي في غرب كردفان
- «التعليم» تعلن ضوابط وشروط التقدم لامتحانات التعليم الفني بنظام العمال للعام الدراسي 2026-2027
- منتدى مصر 2026.. وزير التعليم: خطة لإنهاء الفترة المسائية بالمدارس وإتاحة الفرصة أمام الطلاب لتحسين نتائجهم فى الثانوية
- هل يدفع الطلاب فلوس لتصوير امتحانات أكتوبر 2026؟.. «التعليم» توجه رسالة حاسمة للمدارس
- وزير التعليم ومحافظ الغربية يتفقدان عددا من المدارس لمتابعة انتظام الدراسة






