تنظيم محطات المحروقات في لبنان: خطوة متأخرة أم بداية لاستعادة ضبط القطاع؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
بعد سنوات من الفوضى والارتباك التي عصفت بقطاع المحروقات في لبنان، يعود ملف تنظيم محطات الوقود إلى الواجهة كأحد العناوين الأساسية المرتبطة بالأمن الاجتماعي والاقتصادي، في بلد ما زال يعاني من تداعيات الانهيار المالي وغياب الرقابة الفاعلة. فالقطاع الذي يُفترض أن يكون منظّماً بطبيعته، تحوّل خلال الأزمة إلى مساحة مفتوحة للتجاوزات، من الاحتكار والتخزين غير المشروع، إلى التلاعب بالأسعار والكميات، وصولاً إلى إقفال المحطات بشكل مفاجئ وافتعال الأزمات.
 
خلال ذروة الانهيار، شكّلت محطات المحروقات أحد أبرز مظاهر الفوضى، حيث اصطفت الطوابير لساعات، ووقعت إشكالات أمنية، فيما غابت الدولة أو حضرت بشكل انتقائي، ما أفقد المواطنين ثقتهم بأي آلية تنظيمية. ومع رفع الدعم وتحرير الأسعار، تغيّر المشهد شكلياً، لكن الإشكاليات البنيوية بقيت قائمة، في ظل ضعف الرقابة وغياب قاعدة بيانات دقيقة تنظّم العلاقة بين الاستيراد، التوزيع، والمحطات.
 
اليوم، يُطرح تنظيم محطات المحروقات كضرورة ملحّة، لا كترف إداري. فالتنظيم لا يقتصر على ضبط الأسعار وفق الجدول الرسمي فحسب، بل يشمل تحديث شروط الترخيص، التأكد من السلامة العامة، ضبط نوعية المحروقات، مراقبة الالتزام بساعات العمل، ومنع أي تلاعب بالكميات أو التسعير. كما يفتح الباب أمام تنظيم العلاقة بين الشركات المستوردة وأصحاب المحطات، بما يحدّ من الاحتكار غير المعلن والضغوط التي تُمارس على بعض المحطات الصغيرة.
 
في المقابل، يشير معنيون في القطاع إلى أن أي تنظيم فعلي لن ينجح ما لم يُرفق بإرادة سياسية واضحة، وإمكانات رقابية حقيقية. فالتجارب السابقة أثبتت أن القرارات تبقى حبراً على ورق إذا لم تُترجم بجولات تفتيش منتظمة، وعقوبات رادعة، وتفعيل دور وزارتي الطاقة والاقتصاد، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والقضائية. كما أن غياب الأتمتة الادارية والشفافية يفتح المجال أمام الاستنسابية، ما يضرب مبدأ المنافسة العادلة.
 
ولا يمكن فصل تنظيم محطات المحروقات عن المشهد الاقتصادي العام. فالمحروقات عنصر أساسي في كلفة النقل، الإنتاج، والخدمات، وأي خلل في هذا القطاع ينعكس مباشرة على حياة المواطنين وأسعار السلع. من هنا، يُفترض أن يشكّل التنظيم جزءاً من رؤية أوسع لإصلاح القطاعات الحيوية، لا إجراء ظرفياً لامتصاص الغضب الشعبي.
 
في الخلاصة، يبقى تنظيم محطات المحروقات اختباراً جدياً لقدرة الدولة على استعادة دورها الرقابي، ولو بالحد الأدنى. فإما أن يكون مدخلاً لضبط قطاع حيوي طالته الفوضى، أو يتحوّل إلى عنوان إضافي في سجل القرارات غير المكتملة. وبين هذا وذاك، يدفع المواطن مجدداً ثمن التأخير، بانتظار أن تتحوّل الوعود إلى إجراءات ملموسة على الأرض.
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق