أزمات لبنان تنتقل من سنة إلى أخرى

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
ودّع اللبنانيون سنة 2025 بكثير من الامنيات على أمل أن تحمل سنة 2026 بشائر بداية نهاية طريق الجلجلة، وأن يوضع حد لكل المسائل، التي كانت تعيق قيام دولة حقيقية بقواها الشرعية وحدها دون أي شريك آخر في السيادة والقرار، سلمًا أو حربًا. وما يحول دون قيام دولة بمواصفات وطنية جامعة كثير من المعوقات تبدأ من "حصرية السلاح جنوب نهر الليطاني وشماله، ومنهما إلى كل لبنان، ولا تنتهي بإقرار مشروع قانون الفجوة المالية، ولا بانتخابات نيابية غير معروف مصيرها، ولا بسردية "أبو عمر"، ولا بما تخبئه الأيام الطالعة من مفاجآت غير منتظرة مع استمرار التهديدات الإسرائيلية بشنّ حرب لم يعرف لبنان مثيلًا لها، ولا بالكلام الذي قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد لقائه رئيس الحكومة الإسرائيلية في فلوريدا عن الحكومة اللبنانية وعن وضعها "غير الموآتي"، وعن "التصرّف السيئ" لـ "حزب الله"، إضافة إلى المشاكل اليومية التي يعاني منها جميع اللبنانيين في حياتهم اليومية، وبالأخص الذين لديهم شعور بأن الحكومة قد "شرعنت" سرقة أموالهم أو ما تبقّى منها.
ولا نقول جديدًا عندما نتحدّث عن انقطاع مستمر للتيار الكهربائي من دون أن يلوح في الأفق ما يؤشّر إلى إمكانية محاسبة الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الطاقة، والذين كلفوا الخزينة ما يفوق قيمة انشاء أكثر من عشرة معامل انتاج بطاقة بديلة ونظيفة وبأقل كلفة. وما يُقال عن الكهرباء يقال أيضًا عن المياه المقطوعة، وعن فوضى القيادة غير السليمة على طرقات الموت، وعن الغشّ والزعبرة، التي تُختصَر بكلمة فساد، مع انسداد أفق المعالجات، التي تبدأ باستقلالية فعلية للقضاء وتنزيهه وإبعاد السياسة عنه، وبمحاسبة كل مرتكب إلى أي جهة سياسية انتمى، والضرب بيد من حديد جميع الذين تسّول لهم أنفسهم العبث بأمن الناس واستقرارهم.  
ولكن وعلى رغم كل هذه التحديات، لا يسعنا أن ننكر بان سنة 2025 قد شهدت بعض الإنجازات المحدودة التي لا يمكن تجاهلها، ومن بينها تسجيل بعض التقدم، حتى ولو كان هذا التقدم بطيئًا نسبيًا، في مجال ضبط الوضع الأمني في بعض المناطق، وبالأخصّ في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني لجهة حصرية السلاح بيد القوى الشرعية، فضلًا عما تقوم به الأجهزة الأمنية من جيش وقوى أمن داخلي وأمن عام وأمن الدولة من مداهمات لعدد من المطلوبين والخارجين عن القانون ومن تجار المخدرات. كذلك لا يمكن أن نتجاهل مسألة إطلاق أكثر من مبادرة قانونية واقتصادية كانت متوقفة منذ سنوات، وبدايات إصلاحات مؤسسية أعطت مؤشرات ولو طفيفة على إمكانية تحريك مسار الدولة نحو الاستقرار.
ومع حلول سنة 2026، التي تصادف ايامها الأولى(9 كانون الثاني) ذكرى انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية، يبقى الأمل معقودًا على أن تكون هذه المناسبة نقطة لتجديد الالتزام بسيادة الدولة، والعمل على تكريس إنجازات ملموسة تعود بالنفع على المواطنين جميعًا.
وتأتي هذه اللحظة على وقع زيارة تاريخية قام بها قداسة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، حيث جدّد الدعوة الملحّة إلى السلام والحوار والثقة بالإنسان، مؤكدًا أن أي استقرار حقيقي في الشرق الأوسط سينعكس بالضرورة على لبنان، ويمنحه فسحة للانتقال من أزمات متراكمة إلى مسار يعيد إليه كرامته ومكانته.
وفي هذا السياق، يبقى دور المغتربين أكثر أهمية من أي وقت مضى، ليس كحنين إلى الوطن فحسب، بل كجسر دعم حقيقي، اقتصادي ومعنوي ومعرفي، يساهم في حماية لبنان وتعزيز هويته والحفاظ على دوره في العالم. فالمسؤولية مشتركة، بين الداخل والخارج، وبين المواطنين والقوى السياسية، لضمان أن يصبح أي تقدم ولو صغير أساسًا متينًا لإعادة بناء الدولة على قواعد عادلة وشفافة.
مع دخول لبنان سنة جديدة، تبقى الرسالة واضحة: لا سلام حقيقيًا، ولا استقرار دائمًا، ولا اقتصاد مزدهرًا، ولا دولة قوية، ما لم يقم لبنان على قواعد الدولة الحقيقية، وعلى سيادة القانون، وعلى التزام الجميع بالمسؤولية تجاه وطن أنهكته سنوات طويلة من الإهمال والتحديات غير المسبوقة، وما لم يُستعد قرار الحرب والسلم، وما لم يدخل الجميع في كنف الدولة الواحدة والقادرة على حماية ناسها من كل أذى خارجي وداخلي.
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق