فيلم "نازا" من مرآة فلسطينية.. المدونة آيات أبو شميس: فيلم رائع ومأساة أكثر قبحا.. قتلوا عائلتي بضغطة زر.. وغزة وثقت قصتها بالصوت والصورة

منذ ساعة

في رائعته "تاجر البندقية"، يقول الأديب البريطاني وليام شكسبير: "يستطيع الشيطان أن يستشهد بالكتب المقدسة من أجل غرضه". مقولة ربما تختصر جانبا من العاصفة السياسية التي أثارها فيلم "نازا" داخل إسرائيل، بعدما فتح نافذة نادرة على ما جرى خلف أبواب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية خلال حرب الإبادة على غزة، مستندا إلى شهادات 24 ضابطا وجنديا خدموا في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وتحدثوا عن تجاربهم وما شاهدوه خلال الحرب.

ففي سرية تامة، وفوق أسطح المنازل، يتحدث جنود وضباط إسرائيليون في الفيلم عن آليات استهداف المباني السكنية الفلسطينية، بعلم القادة الإسرائيليين بوجود مدنيين داخلها، وهو ما يفسر عنوان الفيلم "نازا"، الذي يعني بالعبرية "أضرار جانبية"، في إشارة إلى أعداد المدنيين الفلسطينيين الذين يتوقع سقوطهم في الغارات الجوية على قطاع غزة.

لكن المفارقة أن الفيلم، الذي أثار جدلا واسعا داخل إسرائيل، لا يبدو موجها إلى الفلسطينيين بقدر ما يخاطب المجتمع الإسرائيلي نفسه، بحسب الشاعرة والمدونة الفلسطينية المقيمة في يافا آيات أبو شميس، التي كتبت في مقال نشرته مجلة "972+" الإسرائيلية ذات التوجهات اليسارية أنها لم تشاهد الفيلم، ولا تنوي مشاهدته، رغم اعترافها بأن مجرد إنتاجه يمثل عملا شجاعا في ظل الواقع الإسرائيلي.

قتلوا عائلتي بضغطة زر

وتسرد أبو شميس أسباب انتاعها عن مشاهد الفيلم، قائلة: السبب الأول أن مشاهدته ستكون أمرا بالغ الصعوبة بالنسبة لي؛ فقد قتل أفراد من عائلتي بضغطة زر واحدة -كتلك التي يصفها أحد الجنود في المقطع الترويجي للفيلم- وهو يتحدث عن أعداد "الأضرار الجانبية" التي يصعب استيعابها، والتي أقرتها إسرائيل كسياسة متبعة.

المخرجان ريتشيل زور ويوفال أبراهام
المخرجان ريتشيل زور ويوفال أبراهام

وتقول: لقد أودت غارة جوية واحدة في غزة بحياة 35 شخصا، كان ربعهم من أفراد عائلتي؛ وتراوحت أعمارهم بين طفل صغير وشاب في الثالثة والعشرين من عمره كان قد أنهى للتو دراسته في المحاسبة. لذا، لا أرغب في الجلوس أمام الشاشة لأشاهد جنديا -ربما كان هو من ضغط ذلك الزر- وهو يصف كيف أقدم على فعلته تلك.

أما السبب الثاني لعدم مشاهدة المدونة الفلسطينية للفيلم، هو أنها لا تعتقد أنه "موجه إلى الفلسطينيين"، مضيفة: لا أعتقد أن صناع الفيلم أنتجوه سعيا وراء التعاطف أو الجوائز على حساب الرواية الفلسطينية؛ فقد روينا قصتنا، وما زلنا نرويها. لقد رواها الفلسطينيون في غزة في خضم الأحداث، وأحيانا كان الثمن حياتهم؛ ورواها الصحفيون، والأطباء الذين قصدوا غزة، والناجون. 

منحتونا الهزيمة والضعف.. والشهرة 

وتتابع: هذه القصص حاضرة وموثقة في الأفلام والأعمال الأدبية واللوحات ومقاطع الفيديو والشهادات؛ فلم يكن الفلسطيني يفتقر إلى صوت يسمعه انتظارا لجندي الإسرائيلي اختار رواية ما جرى.

المخرجان يوفال أبراهام وراشيل زور وفريق فيلم
المخرجان يوفال أبراهام وراشيل زور وفريق فيلم "نازا" في مهرجان البندقية السينمائي

وتقول أبو شميس: يتبادر إلى ذهني ما قاله محمود درويش في مقابلة أجراها عام 1996 مع الناقدة الأدبية والشاعرة الإسرائيلية هيليت يشورون حول الوضع المتناقض الذي يجد الفلسطينيون أنفسهم فيه: "إن الاهتمام بقضية فلسطين يأتي من خلال الاهتمام بالمسألة اليهودية؛ لذا، نحن سيئو الحظ لأن عدونا هو إسرائيل -التي تحظى بتعاطف واسع في العالم- ولكننا محظوظون أيضا لأن إسرائيل هي عدوتنا، فبما أن اليهود يشكلون محور العالم، فقد منحتمونا الهزيمة والضعف.. والشهرة".

المرآة الفلسطينية هي البطل

لكن أبو شميس لا تنكر، في الوقت ذاته، أن "مجرد إنجاز هذا الفيلم يعد عملا شجاعا في ظل واقع المجتمع الإسرائيلي"، مضيفة: تكمن أهمية الفيلم في أنه يكشف جانبا من القصة قد يعجز الفلسطينيون عن بلوغه بأنفسهم: ليس ما ارتكب بحقنا -فهذا أمر ندركه جيدا- بل الكيفية التي اتخذ بها الجنود الإسرائيليون قراراتهم، والتقنيات التي استخدموها، والأوامر التي نفذوها.

أثار فيلم نازا عاصفة إسرائيلية بحق صناعه
أثار فيلم نازا عاصفة إسرائيلية بحق صناعه

وتقول: إنه فيلم عن الإسرائيليين، صنعه إسرائيليون، وموجه في المقام الأول إلى المجتمع الإسرائيلي. فالهدف منه ليس منح الفلسطينيين صوتا، بل دفع الإسرائيليين للنظر في المرآة. ولا غبار على ذلك؛ بل على العكس، من الضروري أن يواجه المجتمع الإسرائيلي الجرائم التي ارتكبها -أو تلك التي ارتكبت باسمه- وأن يتساءل كيف كان كل ذلك ممكنا.ليس لدي مشكلة في ذلك؛ فمشكلتي تكمن في أنني أنا المرآة، وعائلتي هي المرآة، وبيوتنا ومدارسنا وأطفالنا هم المرآة.

رواية بلا أثر

"في نهاية المطاف، إن الرحلة للخروج من الظلام هي رحلة أخلاقية بلا شك. ولكن، هل يتحتم على الفلسطيني -أنا وعائلتي وسائر سكان غزة- أن نكون الضحية التي يبني الجاني من خلالها مسار إصلاحه لذاته؟"، تقول أبو شميس.

أوضاع صعبة يعيشها الفلسطينيون داخل الخيام
أوضاع صعبة يعيشها الفلسطينيون داخل الخيام

وتضيف المدونة الفلسطينية: لا يمكن لمعاناتنا أن تكون مجرد خلفية لقصة أخلاقية إسرائيلية داخلية؛ فمواجهة جرائم إسرائيل في غزة تعني اتخاذ إجراءات لوقفها، وبدون ذلك، تبقى رواية القصة بلا أثر.

الجاني في مواجهة بلا ضمير

وتقول أبو شميس: في نقاش حول تصوير السود المستعبدين، تطرح المؤرخة الأمريكية البارزة سايديا هارتمان سؤالا أعود إليه باستمرار: "هل يمنحنا ألم الآخر مجرد فرصة للتأمل الذاتي؟". فبمجرد أن يرى الإسرائيليون ما لحق بنا، وبمجرد أن يبدأوا في التساؤل: "ماذا فعلنا؟" و"ماذا أصبحنا؟" و"كيف أمكننا فعل هذا؟" - فما الذي يحدث بعد ذلك؟ إذا كانت هذه هي محطة النهاية في العملية، فقد فاتنا أمر جوهري؛ فنحن الفلسطينيين ندفع ثمن الجريمة مرة، ثم -وللمرة الثانية- تتحول معاناتنا إلى فرصة للجاني كي يواجه ضميره.

وتضيف: بالتوازي مع النقاش الدائر حول الفيلم، نشر الكوميدي ومقدم البرامج التلفزيونية الإسرائيلي ليئور شلاين مقطع فيديو مثيرا للقلق بشكل خاص، يوثق حوارا مع طالب في المرحلة الثانوية (وهو المقطع الذي حذفه لاحقا بناء على طلب والدي المراهق)؛ حيث صرح الفتى بأن "على كل عربي في العالم أن يموت"، وأنه "لا يمانع في قتل 50 عربيا ثم الموت".

حكاية إسرائيلية أخلاقية داخلية

وتقول الشاعرة والمدونة الفلسطينية: يستعد هذا الفتى للالتحاق بالجيش، حيث سيمنح بندقية. وإذا كان يقول الآن -قبل ارتداء الزي العسكري وقبل تسلم السلاح- إنه سيرتكب مجزرة بحق العرب إذا أتيحت له الفرصة، فإن السؤال لا يقتصر على ما سنفكر فيه بعد بضع سنوات إذا ما رأيناه يجلس في الظلام أمام الكاميرا، يسرد تفاصيل ما فعله؛ بل السؤال الحقيقي هو: ماذا نفعل الآن لمنع حدوث ذلك؟وماذا تفعل مدرسته؟ وماذا يفعل المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته؟ كيف نواجه مناخا اجتماعيا يمكن فيه لمراهق أن يفكر في ارتكاب مجزرة بحق أناس لمجرد أنهم عرب؟ وما الذي يمكننا فعله لمنعه -ولمنع غيره- من تحويل تلك الرغبة إلى فعل؟

وتنهي أبو شميس مقالها بالقول: إذا دفع الفيلم المزيد من الناس إلى الرؤية والفهم والمعارضة والمطالبة بالمحاسبة وممارسة ضغط حقيقي لوقف الفظائع، فهذا أمر جيد. أما إذا اقتصر الأمر على نظر الإسرائيليين في المرآة وشعورهم بالرعب من الصورة المنعكسة عليهم وتساؤلهم عن كيفية ارتكابهم لما ارتكبوه، فسيظل الفلسطيني مجرد مادة خام في حكاية إسرائيل الأخلاقية الداخلية.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق