حين تروى حرب أكتوبر من داخل غرفة العمليات، تصبح التفاصيل مختلفة، فالمعارك هنا حسابات دقيقة للوقت والقوة والسلاح والمسافة، وخطوط تتحرك على خرائط، ومعلومات تتغير من ساعة إلى أخرى، ومن هذه الزاوية تأتي أهمية كتاب "مذكرات المشير الجمسي.. يوميات مقاتل في حرب أكتوبر 1973" للمشير محمد عبد الغني الجمسي، أحد أبرز القادة العسكريين المصريين الذين شاركوا في التخطيط للحرب وإدارتها.
وتنبع قيمة الكتاب من موقع صاحبه داخل الأحداث، فقد شغل الجمسي منصب رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة أثناء حرب أكتوبر 1973، ثم أصبح رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة، وتولى لاحقًا منصب وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، لذلك يقدم الكتاب شهادة قائد كان قريبًا من مركز صنع القرار العسكري، وشارك في متابعة العمليات منذ مراحل الإعداد وصولًا إلى القتال وما أعقبه من مفاوضات.
كتاب يتجاوز أيام أكتوبر
ورغم أن العنوان يضع حرب أكتوبر في قلب الكتاب، فإن الجمسي يبدأ من مساحة زمنية أوسع، ويعود إلى جذور الصراع العربي الإسرائيلي، انطلاقًا من حرب فلسطين عام 1948، مرورًا بالعدوان الثلاثي عام 1956، وحرب يونيو 1967، ثم حرب الاستنزاف، وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973.
وقد أوضح الجمسي في مقدمة مذكراته أنه عاصر الحروب العربية الإسرائيلية الرئيسية وشارك فيها، باستثناء حرب فلسطين عام 1948 التي كان وقت اندلاعها في بعثة تدريبية خارج مصر، ومن هنا يقدم تجربته باعتبارها جزءًا من تاريخ عسكري ممتد على ثلاثة عقود تقريبًا، وليس مجرد شهادة منفصلة عن أيام أكتوبر.
كما يخصص جانبًا من الكتاب لقراءة طبيعة الصراع نفسه، والعلاقة بين إسرائيل والدول الكبرى، والدور الذي لعبته القوى الدولية في الشرق الأوسط، في محاولة لوضع الحرب داخل سياقها السياسي والعسكري الأوسع.
مذكرات الجمسي
من هزيمة يونيو إلى الاستعداد للحرب
يشكل ما جرى بعد يونيو 1967 مرحلة أساسية في سرد الجمسي، فحرب أكتوبر، وفق البناء الذي يقدمه الكتاب، جاءت بعد سنوات من إعادة بناء القوات المسلحة والاستعداد لمواجهة جديدة.
ويتناول الكتاب تطور الموقف العسكري عقب النكسة، ثم حرب الاستنزاف، وما صاحبها من عمليات واشتباكات أعادت للقوات المسلحة خبرتها القتالية، قبل الانتقال إلى مرحلة التخطيط للحرب المقبلة.
وهنا تظهر طبيعة الجمسي كضابط عمليات، إذ يهتم بالخريطة، وتوزيع القوات، وإمكانات العدو، والتوقيت، وحسابات التحرك، والعلاقة بين القرار السياسي والقدرة العسكرية المتاحة.
التخطيط ليوم العبور
وتزداد أهمية المذكرات عند وصولها إلى مرحلة إعداد خطة الحرب، لأن الجمسي كان في قلب العمل العملياتي الذي سبق السادس من أكتوبر.
ويقدم الكتاب صورة عن المراحل التي مرت بها عملية الإعداد، وكيف درست القيادة المصرية الموقف على الجبهة، وإمكانات القوات المصرية والإسرائيلية، وطبيعة قناة السويس، والتحصينات الإسرائيلية على الضفة الشرقية، وقواعد استخدام القوات الجوية والمدفعية والمشاة والأسلحة المختلفة.
ويبرز من خلال الصفحات أن اختيار توقيت الحرب كان جزءًا من عملية حساب عسكري واسعة، ارتبطت بعوامل متعددة، من بينها حالة القوات، وظروف القناة، والموقف الإسرائيلي، وطبيعة التنسيق مع الجبهة السورية.
وتكتسب شهادة الجمسي وزنًا خاصًا في هذه النقطة، لأن اسمه ارتبط تاريخيًا بالدراسات العملياتية الخاصة باختيار توقيت الحرب، ضمن عمل هيئة العمليات التي كان يرأسها.
السادس من أكتوبر ساعة بساعة
ومع بدء الحرب ينتقل الكتاب من التحضير إلى التنفيذ، يروي الجمسي تطورات الضربة الجوية والمدفعية، وعبور القوات المصرية قناة السويس، وإقامة رؤوس الكباري على الضفة الشرقية، ثم تطور القتال خلال الأيام التالية.
ويقدم الحرب من زاوية القيادة التي تتابع الجبهة كلها، وليس من موقع وحدة واحدة، ولذلك تظهر أمام القارئ حركة الجيوش والفرق، وتغير الموقف العسكري، ورد الفعل الإسرائيلي، وقرارات القيادة المصرية في ضوء المعلومات التي كانت تصل إليها.
وتكمن أهمية هذه الزاوية في أنها تضع الانتصار العسكري داخل عملية مركبة من التخطيط والتنفيذ والمتابعة واتخاذ القرار، وتوضح كيف تحولت الخطة المكتوبة إلى معركة فعلية على الأرض.
خط بارليف ومعركة العبور
يحتل عبور قناة السويس وتجاوز خط بارليف مساحة مهمة داخل تجربة حرب أكتوبر، إذ كان اختراق الدفاعات الإسرائيلية شرق القناة أحد أهم التحديات التي واجهت القوات المصرية.
ويعرض الجمسي العمليات في إطار المهمة العسكرية الأكبر، بداية من فتح الثغرات في الساتر الترابي، ومرور القوات، وإقامة الكباري، ثم تثبيت رؤوس الكباري والتعامل مع الهجمات المضادة.
ولا يتعامل الكتاب مع خط بارليف باعتباره مجرد رمز دعائي، بل كجزء من منظومة دفاعية كان تجاوزها يتطلب إعدادًا وتنسيقًا بين أسلحة متعددة.
تطوير الهجوم
ومن أكثر مراحل الحرب التي أثارت نقاشًا تاريخيًا وعسكريًا مرحلة تطوير الهجوم شرقًا بعد نجاح العبور.
ويتوقف الجمسي عند هذه المرحلة وما ارتبط بها من قرارات واعتبارات عسكرية، خاصة مع تطورات الجبهة السورية والضغوط التي واجهتها، ثم انتقال القوات المصرية إلى عمليات جديدة شرق القناة.
وتفتح هذه الصفحات بابًا مهمًا لفهم النقاش الذي دار داخل القيادة المصرية حول حدود التقدم، ومدى الابتعاد عن مظلة الدفاع الجوي، والعلاقة بين الأهداف العسكرية والموقف السياسي.
وهذه المسألة أصبحت لاحقًا واحدة من أكثر قضايا حرب أكتوبر نقاشًا في مذكرات القادة والدراسات العسكرية، ولذلك تكتسب رواية الجمسي أهميتها عند مقارنتها بشهادات أخرى، وفي مقدمتها مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي.
الثغرة والمرحلة الأصعب
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى واحدة من أكثر مراحل الحرب تعقيدًا، وهي ثغرة الدفرسوار وعبور قوات إسرائيلية إلى غرب القناة.
ويعرض الجمسي تطورات الموقف في الأيام الأخيرة من الحرب، ومحاولات التعامل مع القوات الإسرائيلية التي عبرت إلى الغرب، وما صاحب ذلك من قرارات عسكرية وسياسية في ظل تدخل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ومجلس الأمن.
وتكشف هذه الصفحات عن طبيعة الحرب في مرحلتها الأخيرة، حين بدأت العمليات العسكرية ترتبط بصورة متزايدة بالتحركات السياسية الدولية ومساعي وقف إطلاق النار.
من ميدان القتال إلى الكيلو 101
يمتد الكتاب إلى ما بعد وقف إطلاق النار، وهي نقطة شديدة الأهمية في مذكرات الجمسي، لأنه شارك بنفسه في المفاوضات العسكرية المصرية الإسرائيلية التي جرت عند الكيلو 101 على طريق القاهرة–السويس.
وهنا ينتقل القارئ من غرفة العمليات إلى طاولة المفاوضات.
كانت المهمة في هذه المرحلة تتعلق بتثبيت وقف إطلاق النار، ومناقشة الأوضاع العسكرية على الأرض، والإمدادات الخاصة بالجيش الثالث، وترتيبات الفصل بين القوات.
ويمنح هذا الجزء الكتاب قيمة إضافية؛ فالجمسي يروي الحرب والمفاوضات بوصفهما مرحلتين متصلتين، ويكشف كيف انتقلت المواجهة من استخدام السلاح إلى استخدام الخرائط والوثائق والاتفاقات.
لماذا تعد مذكرات الجمسي مصدرًا مهمًا؟
تكمن القيمة الأساسية للكتاب في أنه شهادة طرف رئيسي داخل القيادة العسكرية المصرية، لكنه يظل في الوقت نفسه مذكرات شخصية تعكس رؤية صاحبها للأحداث.
ولهذا فإن التعامل التاريخي الدقيق معه يستفيد من مقارنته بشهادات بقية القادة، والوثائق المصرية والإسرائيلية والأمريكية، والدراسات اللاحقة عن الحرب. اختلاف الروايات في بعض القرارات والتفاصيل يمثل جزءًا من دراسة حرب أكتوبر نفسها، خاصة في موضوعات مثل تطوير الهجوم والثغرة ومسؤوليات القيادة خلال الأيام الأخيرة.
وهذا تحديدًا ما يجعل الكتاب مهمًا؛ فهو يمنح القارئ واحدة من الروايات الأساسية التي كتبها قائد عاش الأحداث من داخل مركز القيادة، ويضع أمام الباحث مادة يمكن قراءتها إلى جوار مذكرات سعد الدين الشاذلي، والرئيس أنور السادات، وغيرهما من أطراف تلك المرحلة.
تاريخ نشر مذكرات الجمسي
تشير سجلات الفهارس المصرية إلى صدور «مذكرات الجمسي: حرب أكتوبر 1973» سنة 1989، عن المنشورات الشرقية، ثم صدرت طبعات لاحقة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ومنها طبعة ثانية موثقة سنة 1998، كما ظهرت طبعة للهيئة سنة 2003.
وأعادت دار نهضة مصر تقديم الكتاب في طبعة حديثة، تحمل عنوان «مذكرات المشير الجمسي – يوميات مقاتل في حرب أكتوبر 1973».
- القوات الحكومية اليمنية: تصدينا لهجوم الحوثيين على جبل هان وحذران وأجبرناهم على التراجع في جبهة الضباب
- من يفوز بجائزة نوبل الأدب 2026.. هل يفوز اسم خارج دائرة التوقعات؟
- ذاكرة اليوم .. أنطونيو وأوكتافيوس يسودان الإمبراطورية الرومانية ورحيل رامبرانت
- من الخردة إلى المزاد.. تمثال بابوي نادر من القرن الـ18 بآلاف الدولارات
- صندوق التنمية الثقافية يحتفل بانتصارات أكتوبر بـ20 فعالية فنية وثقافية














0 تعليق