كان يستيقظ مع أول شعاع من أشعة الشمس يهبط على الدنيا. يغسل وجهه في عجالة، وينزل درجات السلم في خفة وقوة. كان في السابعة عشرة من عمره. يخرج عربته الكار وحماره من الجراج، وينطلق بها.
يحمل أكياس القمامة من أمام البيوت، وبعض صناديق القمامة التي لا تصل إليها عربة البلدية. يقف عند أحد الباعة، ويشتري رغيفين من العيش وقرطاس طعمية بخمسة جنيهات، يكونان إفطاره وغداءه. يتناول رغيفًا، ويدس الباقي في مقطفه، وفيه زجاجة ماء، ويحتفظ ببعض الصور والمجلات التي تصادفه في الصناديق أو الأكياس.
يذهب إلى مقلب القمامة ويفرغ حمولته، ثم يكمل العمل في جانب آخر من المدينة، أو حول عمارات تعاقد بعض سكانها معه على أن يأتي إلى شققهم لأخذ القمامة مقابل أجر.
يعود عند حلول المساء إلى غرفته على سطح إحدى العمارات.
رآه البواب يومًا ينام في أماكن متعددة؛ تحت سلم بناية، أو يفترش أرضًا خالية، أو ينام تحت كوبري. أشفق عليه وسمح له بالنزول إلى غرفة صغيرة فوق السطح، لم يكن يستفيد منها، وكانت بها بعض الأدوات القديمة.
أعطاه حصيرة ومخدة.
وكان يكمل بعض أغراضه من صناديق القمامة: براد قديم، وسخان متهالك، وصحن، ومعلقة. وكان يهوى اقتناء أشياء أخرى؛ لعبة مهترئة، تمثال خشبي مكسور، بعض الصور، وأقلام وأوراق.
ورغم أنه لم يعرف القراءة والكتابة، فإنه كان أحيانًا يجلس ممسكًا بالقلم، ويخط فوق الأوراق البيضاء ما يراه من صور تعجبه؛ يقلدها مرة بالقلم، ومرة بقطعة فحم.
وجد يومًا رفًا صغيرًا مرميًا، به كسر أصلحه وعلقه على الجدار فوق رأسه. لم تكن حجرته تحتوي إلا على هذه الأشياء البسيطة.
يأتي عند حلول الظلام، يترك عربته في الجراج، ويضع لحمارِه بعض البرسيم أو العلف، ثم يصعد السلالم ببطء، وقد أنهكه يوم عمل شاق. يستريح كل دورين أو ثلاثة، ثم يكمل الصعود وأنفاسه تتقطع من التعب.
يلقي بجسده على الحصيرة، يستريح دقائق، ثم يجلس ويخرج ما معه من طعام؛ جبنة وطماطم أو خيارة. وأحيانًا يعطيه بعض أولاد الحلال القليل من الأرز والإدام يصلب به طوله، كما يقولون.
مرة أو مرتين في الأسبوع يحدث أن يعطيه أحدهم شيئًا.
يضع براد الشاي على الشعلة، ويصب الشاي في كوب زجاجي يبدو عليه أيضًا عدم النظافة. يقطع لقمة ويأخذ رشفة من الشاي حتى ينتهي، والنوم يغلبه حتى يسقط على المخدة.
أحيانًا يتصفح الصور في المجلات إن بقيت لديه طاقة، والأغلب أن يستغرق في نوم عميق، لا يدري بنفسه إلا عند الشعاع المعتاد.
في بعض الأيام يكون العمل خفيفًا نوعًا ما، يوم الجمعة أو في نهاية الأسبوع، فيأخذ قسطًا من الراحة تحت عربته في مكان ما، ساعة أو أكثر قليلًا، ثم ينهض ليكمل العمل.
في إحدى الليالي، وبعد عودته من العمل وعشاءه، أخذ يتطلع إلى إحدى المجلات، وأمسك بالقلم وأخذ يرسم.
سمع فجأة صوت صراخ قادمًا من الجهة الأخرى.
لم يرد أن يخرج من غرفته. أنصت إلى الصوت، ثم وجد ثغرة في الجدار، فنظر منها بإحدى عينيه.
وقعت عينه على منظر البحر.
كان السور حول غرفته عاليًا، فلم يكن يرى شيئًا سوى جزء من العالم البعيد.
كان للمشهد رهبة غريبة.
وضع أذنه على الثغرة، وظل دقائق مستمتعًا بصوت البحر.
كانت هناك أشجار متناثرة فوق الأسطح المقابلة، وفي البلكونات شجر سرو لم يكن يعرف اسمه في البداية، وبعض أصص الورد.
رجل يسقي نباتاته، وامرأة تنشر الغسيل، وآخر يجلس شارد الذهن وهو يتطلع إلى البحر.
وهناك فتاة غارقة في قراءة كتاب.
كانت تقاربه في السن، تجلس في وقار، تضع كوب القهوة بالقرب منها، وترتشف منه كل بضع دقائق رشفة.
لكنه لم ينسَ صوت الصراخ الذي أفزعه.
عاد صوت المرأة التي يضربها زوجها.
حوّل عينيه ناحية البحر، وتأمله طويلًا، ثم رجع خطوات وألقى برأسه على المخدة ليستغرق في نوم عميق.
حتى إنه لم يستيقظ عند أول شعاع من الشمس.
تأخر عن موعده دقائق. قام فزعًا، يهرول دون أن يغسل وجهه، ويقطع درجات السلم في سرعة شديدة.
كان دائمًا يحاول ألا يعود إلى البيت إلا في المساء.
أسرع في عمله حتى أنهاه قبل المغرب بساعة أو أكثر، وعاد مسرعًا إلى غرفته. تناول طعامه، ثم قام ينظر من خرم الجدار.
تطلع إلى البحر كأنه يراه للمرة الأولى.
الأمواج تتلاطم، والناس يجلسون على الشاطئ، تداعبهم أمواجها بضربات ممتعة تبتسم لها وجوههم. ويمرح الصغار، وهم يسبقونها إلى أمهاتهم، يحتمون منها، وهن يحتضنهم في سعادة.
كل أم تراقب ابنها.
يجلسن على الشاطئ، وكلما جاع أحد الأطفال أقبلت أمه، وأخرجت له سندوتشًا أو قطعة لحم، ووضعتها في فمه. زجاجة الكولا بجانبها، تصب منها في الكوب وتعطيه.
يلعب بعضهم بالكرة، ويتشاكس بعضهم، وهو داخل الجدار يتابع كل شيء.
اتسعت عيناه.
عاد خطوات إلى الخلف.
وحين هبط الليل وشحَّ البحر من زائريه، إلا من أفراد متناثرين يجلسون بالقرب منه، استسلم للنوم.
ومع الأيام صار ينهك نفسه في العمل ليعود باكرًا وينظر من خلال الثقب.
كانت الفتاة جالسة على أريكتها. لم يكن في يدها كتاب. تضع رجليها على كرسي آخر، وتمد يدها إلى كوب القهوة في مكانه على سور البلكونة. وكعادتها، تفيق لتأخذ منه رشفة، ثم تتكئ على الكرسي وتغمض عينيها، كأنها تستمتع باستنشاق الهواء القادم ممزوجًا برائحة البحر، يغسل صدرها.
سمع صوتها.
انتهت من قهوتها واسترخت تمامًا، ولا يدري هل نامت أم اندمجت مع أغنيتها.
نادتها أمها.
لم تسمع.
حتى وضعت أمها يدها عليها وأشارت لها بالدخول.
قامت، وأخذت كوبها الفارغ، وأغلقت البلكونة، ولم تخرج ثانية في تلك الليلة.
أما الرجل الذي يسقي أصص الورد وشجرة السرو، فكان يقوم بعمله اليومي. يبدو أنه على المعاش، فقد بدا عليه أنه جاوز الستين ببضع سنوات. كان يعتني بنباتاته ويسقيها باستمرار وفي مواعيدها.
كان أحيانًا يراه جالسًا على المقهى المقابل للعمارة، هو وبعض أصدقائه، أو بمفرده، يشرب الشاي ويتابع المارة.
ورأى منذ يومين المرأة التي كانت تصرخ في وجه زوجها بعد أن ضربها، وهي تحمل ابنها وتسحب الآخر، وبجوارها حقيبة، تنتظر سيارة أجرة.
لم يسمع صوتها أو صراخها.
ترى، هل ذهبت إلى بيت أهلها وتركت زوجها؟
كان الصيف قد قارب على الانتهاء، وقلَّ الناس على الشاطئ.
هناك، على البعد، تمر سفينة تبدو صغيرة، لكنها في الحقيقة طوابق عديدة. يراهم كالنمل في حركتهم على السفينة.
ثياب نظيفة ووجوه مشرقة.
ينظر إلى ثيابه المتسخة ورائحة عرقه النفاذة، فيرجع خطوة ويلقي بجسده على الحصيرة، ويترك لخياله العنان.
هو الآن قائد السفينة.
يرتدي أفخر الثياب.
أمامه مائدة عليها أطايب الطعام.
تتأرجح أجفانه، ثم تغلق عيناه ليستغرق في النوم.
يقوم في نشاط، وقد أسعده خياله بما ألقى في روعه ليلة أمس.
في ذلك اليوم، وهو منتشٍ بخياله، وحين أخذ من سيدة كيس القمامة، فلت من يده، ووقع ما فيه أمام الشقة.
نظرت إليه السيدة بغضب.
انحنى يجمع ما تناثر، وقال معتذرًا:
— آسف.
لم تمهله. صفعته.
ربط الكيس، ثم جمع ما وقع سريعًا، ونزل السلم مسرعًا.
بكى وهو يهرول، يمسح دموعه بكمه المتسخ.
رمى القمامة فوق العربة، وظل حزينًا طيلة اليوم من ألم الصفعة.
صعد إلى حجرته، وألقى بنفسه على الحصيرة.
لم يتناول طعامه.
نعس قليلًا، ثم قام إلى الجدار يحاول أن ينسى شقاء يومه.
على الجانب الآخر، عند البحر، كان أولاد يلعبون الكرة. الهواء بارد بعض الشيء، لكنه حين يمر فوق البحر يكتسب رائحة ذكية تنعش الصدر.
ذلك الرجل العجوز يجلس بجوار زهوره، يستمع إلى أم كلثوم:
«أنا وأنت ظلمنا الحب بإيدينا وجينا عليه وجرحناه لحد ما داب حوالينا.»
ينسجم مع الكلمات.
والفتاة في مقعدها الوثير بلا شيء. تبدو كأنها نائمة، جفونها ترتعش.
إنها تبكي.
تنحدر من عينيها الدموع وهي مغمضة العينين.
تنادي عليها أمها.
تنتفض، تمسح دموعها، وتدخل متثاقلة، وتغلق البلكونة.
يجلس على الحصير، ويمسك بقلمه، ويخط فوق الورقة البيضاء وجه فتاة نائمة تبكي.
يأخذ نفسًا عميقًا ويتنهد.
يغلبه النوم، فتسقط الورقة من يديه.
في اليوم التالي، عند عودته بعد انتهاء العمل، سلك طريقًا آخر مرَّ من أمام البحر.
وقف جامدا، والقفة بين يديه، ينظر من قريب إلى الناس، وتلاطم الأمواج، ومداعبات الصبية والكرة، والرمال الصفراء التي لم تطأ قدماه قط.
أفاق على صوت ويد تمتد إليه بنقود.
نظر إليها، ثم انصرف دون أن يفوه بكلمة.
صعد السلالم في وقار.
دخل حجرته وجلس، وأخرج من قفته طعامه المعتاد، وتناوله وهو شارد الذهن، يفكر في أمر البحر.
سأل نفسه:
ماذا هناك في الجانب الآخر منه؟
أخرج ألوانه التي كان يحتفظ بها، وفرشاته التي أعطاها له رسام كان يرسم على إحدى جدران الميادين العامة صورة لرجل.
كان قد وقف يتأمله دقائق كلما مر عليه أثناء عمله، وينظر إلى ما أتمه من عمله.
وفي اليوم الأخير، أشار إليه الرسام، وأهداه فرشاته وما تبقى من ألوان.
كان سعيدًا في ذلك اليوم، واحتفظ بها لأشهر.
أخرجها.
نظف الجدار جيدًا.
ظل يومين يعمل في ساعات المساء لتهيئة الجدار حول ثغرته.
وفي اليوم الثالث أمسك بالفرشاة، وبدأ يرسم فوق الجدار.
بحرًا وشاطئًا.
وسفينة وسط البحر يقودها قبطان.
وعجوزًا يسقي الورد، بجواره راديو.
وفتاة نائمة تبكي، وفوق المنضدة بجوارها كتاب.
استغرق في رسمه أكثر من شهر.
كل يوم، بعد عودته، لم يمنعه التعب من مواصلة رسم لوحته فوق الجدار.
نظر إليها وابتسم.
وضع رأسه على المخدة، وأطلق لخياله العنان.
يرتدي ثوبًا رياضيًا نظيفًا وحذاءً، ويجري على الشاطئ، يتأمل غروب الشمس.
ينظر إلى نفسه فوق السفينة. وقبل أن يرفع يديه يشير ألى نفسه.
تصفعه المرأة.
يقوم فزعًا.
يعود إلى النوم ثانية.
يغمض عينيه، وتسيل منهما الدموع.
في الصباح، وقبل أن يخرج إلى عمله، وقف أمام الجدار طويلًا.
اقترب من الثقب.
نظر إلى البحر.
ثم عاد إلى لوحته.
مد يده إلى الفرشاة، ورسم حول الثقب موجة زرقاء، حتى تلاشى الجدار بين الأمواج، ولم يعد يعرف أين ينتهي الجدار، وأين يبدأ البحر.
- الخارجية الأميركية: نقف إلى جانب لبنان السيد والمستقل والخالي من نفوذ حزب الله وإيران
- عملية تفجير نفّذها الجيش الإسرائيلي في مدينة الخيام بقضاء مرجعيون
- اكتشاف أسلحة سلتية تعيد رسم خارطة العصر الحديدى فى أوروبا.. ما القصة؟
- خالد دومة يكتب: جدار يريد أن ينقض
- زيلينسكي: أوكرانيا اعترضت 57% فقط من الطائرات المسيّرة النفاثة في أحدث هجوم














0 تعليق