فى زمنٍ تتسارع فيه الخُطى نحو عوالم الرقمنة والذكاء الاصطناعي، يظل السؤال الأزلى الذى يشغل فكر النقد الأدبى والسينمائي كيف يمكن للتكنولوجيا بجفاف خوارزمياتها وصمتها الآلي، أن تُستغل لنقل رسائل إنسانية عميقة تلامس الوجدان؟
لطالما نظر الكثيرون إلى الأعمال الفنية المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعى بوصفها مجرد استعراضات تقنية باردة محض تجارب بصرية جافة تعتمد على تكثيف المؤثرات دون أن تملك عمقاً فلسفياً. فالآلة لا تملك روحاً ولا تعرف المشاعر، بل هى أدوات صماء لا قيمة لها بذاتها. غير أن التجربة السينمائية التى يقدمها الفيلم القصير.. المرأة والتنين نموذجًا The Mother's Monster جاءت لتؤكد أن الذكاء الاصطناعى ليس سوى أداة، أو لوحة رقمية حديثة وأن القيمة الحقيقية تكمن دائماً فى الفكر البشرى الذى يقف خلف الشاشة ويوجه هذه الأدوات ليصنع عمقاً فنيًا يفرض حضوره على ذائقة الجمهور.
عن العلاقة بين الإنسان والحيوان تجرى أحداث الفيلم فى بيئة فانتازية قاسية قرية نائية يكسوها الثلج والجمود هذا الجمود الذى تشكل فى كل شيء فى هذا المشهد الموحش تلد امرأة شابة مخلوقاً من غير بنى البشر تنيناً صغيراً ومن هنا ينطلق العمل ليغوص فى أعمق أشكال العلاقة الإنسانية-الحيوانية، مستعرضاً المفهوم المطلق لغريزة الأمومة ذلك الشغف الرحيم الذى لا يرتهن بالأشكال أو السلالات، بل يتسامى ليكون حبّاً خالصاً وحماية مطلقة.
لكن المأساة لا تلبث أن تنبثق حين تتجلى قسوة المجتمع البشرى أمام ما يجهله. أهل القرية، المحملون بنشأة مريضة وموروثات الخوف الذاتي، يتحولون إلى أداة تجبر وطغيان. يلاحقون الأم ووليدها بأبشع الطرق من المشاعل والأسلحة، لا لشيء إلا لأنهم يحاكمون الكائن البريء بناء على فكرة افتراس لم يرتكبها، ويُسقطون أوهامهم الداخلية على وجوده. إنها مرآة صارخة تعكس كيف يُولد العداء البشرى تجاه الحيوان الضعيف
ذلك العداء الناتج عن رحم الجهل والتطرف النفسى والنشأة غير السوية .
الذروة الدرامية هنا تأتى عن دور الأمومة كحصنٍ أخير ضد الوحشية
تصل الحبكة إلى ذروة مأساوية تدمع لها العين وتتعمق معها الدلالات الفلسفية فقد كانت هذه الأم الإنسانة هى الحصن الوحيد والدرع الوجدانى الذى يمنع هذا التنين الصغير من أن يصبح "وحشاً". وبموتها الذى تم غدراً على أيدى أهل القرية الذين تجمدت مشاعرهم وتحول خوفهم الوهمى إلى حقيقة حارقة إذ يتفجر القهر فى وجدان الكائن ليحرق القرية بأكملها ثأراً لمن منحته الحياة.
ولأن الفطرة التى غُرست فيه كانت مفعمة بالحب لا بالكره، لا تنتهى القصة عند حدود الانتقام؛ بل يعود التنين فى مشهد وفاء وفداء جنائزى لافت، ليفتح قبر أمه ويمنحها قلبه وآخر ما تبقى من طاقته، معيداً إياها إلى الحياة وهو يدرك تماماً أن ثمن هذا العطاء النبيل هو موته المحقق.
مفارقة الاستجابة: لماذا يبكى الجمهور أمام شاشة تصنعها الآلة؟
إن الظاهرة الأكثر إثارة للتأمل فى هذه التجربة «الأم والتنين» لا تكمن فقط فى جودة السرد البصري، بل فى تفاعل الجمهور والمشاهدين مع الفيلم؛ تفاعلٌ وجدانى حاد يصل إلى التعاطف والدموع، على الرغم من معرفتهم المسبقة وبيقين بأن العمل ليس بشرياً فى صناعته، وبأن هذا التنين لا وجود له إلا فى معادلات خوارزمية صماء.
عن ماذا يعبر هذا التناقض العجيب؟
إن المشاهد حين يتأثر بتضحية التنين أو ألم الأم، فهو لا يتفاعل مع الخوارزمية، بل مع "الفكرة الإنسانية" المنعكسة عبرها. الذكاء الاصطناعى هنا مجرد مرآة والإنسان يتأثر بوجوده النفسى المطروح فى القصة لا ينظر إلى العمل بكونه من صنع البرمجيات والتكنولوجيا
اما بالنسبة لظاهرة الدموع والتعاطف تُثبت أن المشاعر الإنسانية الأساسية كالوفاء، وحزن الفراق، وبشاعة الظلم، وتححر الفلوب تتجاوز الشاشة الناقلة وهل كانت آلية أم بشرية، فالبشر يتفاعلون لأن وعيهم يستجيب للرمز، فالتنين الحزين المقهور يمثل كل مظلوم، والأم تدل على كل حنان وعاطفة مفقودة .
يسقط الإنسان آلامه ورغباته فى العدالة على الشاشة والذكاء الاصطناعى حين يُساق بسيناريو إنسانى ذكي، ينجح فى فتح النافذة التى يرى من خلال مشاهدها إنسانيته هو ذاتها.
الذكاء الاصطناعي.. إلى أين؟
إن الفيلم لا يقدم مجرد حكاية مشوقة، بل يضعنا أمام تساؤل جوهرى حول مستقبل الفن فى عصر الذكاء الاصطناعي. لقد أثبت هذا العمل أن الأدوات البرمجية، مهما بلغت تعقيداتها، تظل مجرد آلات بلا روح، ولا يمكنها إيجاد المعنى أو الشعور من تلقاء نفسها.
إن الإنسانية والروح والوجدان مصادرها حصرية للوعى البشرى فالإنسان هو من يكتب القصة، وهو من ينسج الصراع الأخلاقى وهو من يستغل التقنية ليطرح من خلالها أسئلته ويعبر عن مايكمن داخله .
الرهان الحقيقى فى الأيام القادمة لا يتعلق بما تستطيع الآلة أن تصنعه وتقدمها، بل كيف نُسخر هذا التطور التكنولوجى لصالح الإنسانية؟
ستتغير الأدوات، وستتطور التقنيات بسرعة مذهلة، لكن القصة الإنسانية الصادقة التى ينفخ فيها الإنسان من روحه وفكره، ستظل هى السبب الوحيد الذى يجعل الفن ينبض بالحياة، ويكسر صمت الآلة ليحرك قلوب البشر.. مهما اختلفت الوسيلة التى نُفِذ بها.
- وسائل إعلام إسرائيليّة: زيارة نتنياهو إلى الإمارات جرت على خلفية التقارير بشأن مكالمة التحذير الإماراتية لنتنياهو التي سبقت 7 تشرين الاول
- فيروس غرب النيل.. من ظهوره الأول فى أوغندا إلى إثارة الذعر فى إيطاليا
- المتحدث باسم الحرس الثوري الايراني حسين محبي: مضيق هرمز ليس مغلقاً فحسب بل هو ميدان صيد للبحرية ضد الأنظمة تحت السطحية الأميركية
- فتح رداً على حماس: اتهام السلطة بالتلاعب في إجراء الانتخابات لا يخدم مسار الحوار
- خالد دومة يكتب: كان هنا بين الضلوع لكننى لم أجده..


















0 تعليق