بعد خمس دورات جمعت موزعي الكتب والناشرين وبائعي الكتب من أسواق وثقافات مختلفة، أسهم مؤتمر الشارقة للموزعين في بناء مساحة مهنية متخصصة لتبادل الخبرات ومناقشة تحديات التوزيع وبيع الكتب، وربط العاملين في صناعة الكتاب بشركاء وتجارب من أسواق مختلفة، مؤكدًا مكانته كأول مؤتمر مخصص لموزعي وبائعي الكتب في المنطقة والعالم العربي.
ويرصد مشاركون في دورته الخامسة كيف انعكست نتائج المؤتمر ونقاشاته المهنية على تطوير أعمالهم، من التعرف إلى موزعين وأسواق جديدة، إلى الاستفادة من حلول جُرّبت في بلدان أخرى وتطوير أدوات الوصول بالكتاب إلى القارئ.
وتظهر شهادات المشاركين أثراً يتجاوز فرص التعارف التي توفرها أيام المؤتمر؛ فبالنسبة إلى بعضهم، قادت المشاركة إلى اتصالات مع أسواق جديدة، فيما وجد آخرون في تجارب موزعين وبائعي كتب من دول أخرى حلولاً لمشكلات واجهوها في أعمالهم، في وقت أتاحت المشاركات المتكررة متابعة التحديات التي تتغير من دورة إلى أخرى، والعودة إلى قضايا سبق طرحها ومناقشة الحلول التي تطورت بشأنها.
وأقيمت الدورة الخامسة من مؤتمر الشارقة للموزعين، الذي تنظمه هيئة الشارقة للكتاب منذ أيام قليلة في مركز إكسبو الشارقة، بمشاركة مهنيين من دولة الإمارات العربية المتحدة والوطن العربي والعالم، ضمن برنامج يركز على واقع توزيع وبيع الكتب والتحولات التي تؤثر في وصولها إلى الأسواق والقراء.
أطراف الصناعة في مكان واحد
أكد محمد هادي، مدير عام دار الرافدين في بيروت، أن من أبرز ما يميز المؤتمر قدرته على جمع موزعين وناشرين من أسواق مختلفة في مكان واحد، مشيراً إلى أن برنامج مشاركته أتاح له لقاء موزعين من ألمانيا والمغرب والسعودية.
وقال: "هذه فرصة نادراً ما تتوافر، وأعتقد أن المؤتمر هو الحدث المتفرد في المنطقة الذي يتمتع بهذا الزخم والتنوع في المشاركات، وهنا تكمن خصوصية المؤتمر وانفراده بهذا النوع من اللقاءات في العالم العربي".
وأشاد بالطابع العملي للورش، موضحاً أن قيمتها تنبع من تقديمها على أيدي مهنيين يعملون مباشرة في القطاع ويعرفون مشكلاته اليومية.
وأشار هادي إلى مشاركته في ورشة حول مستقبل توزيع الكتاب العربي، مؤكداً أن مناقشة التحديات مع أصحاب التجارب تتيح الوصول إلى حلول أكثر ارتباطاً بواقع السوق.
علاقات تفتح الطريق إلى أسواق جديدة
وإذا كانت إحدى وظائف المؤتمر جمع أطراف صناعة الكتاب في مساحة مهنية متخصصة، فإن شهادات المشاركين تكشف كيف يمكن لهذه اللقاءات أن تتحول إلى علاقات وفرص عملية للوصول إلى أسواق وقراء جدد.
وفي هذا السياق، أكد عبد العزيز المطيري، مؤسس دار جسور دانة للنشر والتوزيع في السعودية، أن مشاركة الدار للمرة الثانية في المؤتمر أثمرت، منذ بداية أعماله، اتصالات مع أسواق جديدة، معرباً عن أمله في أن تتطور هذه الاتصالات إلى صفقات توسع انتشار إصدارات الدار وتصل بها إلى قراء جدد.
وربط المطيري هذه الفرص بالدور الذي يؤديه الموزع في مساعدة الناشر على الوصول إلى السوق. وقال: "لا نستطيع القيام بكل العمل؛ فالموزع يملك الخبرة وقنوات الوصول إلى القارئ في أبعد نقطة، ويوفر على الناشر خطوات كثيرة، وبذلك أهتم بعملي ويتولى هو توزيع إصداراتي".
مساحة أوسع للفرص
ولا يقتصر دور اللقاءات على بناء علاقات جديدة، بل يشمل أيضاً التواصل مع الشركاء القائمين وتوسيع مجالات العمل معهم. وفي هذا الاتجاه، أوضح شون أبراهام، من مجموعة "هاشيت للكتاب" الأميركية، أن المؤتمر يمثل فرصة مهمة للقاء شركاء المجموعة في المنطقة، إلى جانب التعرف إلى جهات جديدة يمكن تطوير العمل معها.
وقال: "نلتقي هنا أشخاصاً نعرفهم منذ سنوات، وآخرين نتعرف إليهم للمرة الأولى، ونبحث عن طرق جديدة للعمل معاً"، لافتاً إلى أن طبيعة البرنامج تتيح للمشاركين مساحة أوسع للحوار وبحث فرص التعاون خارج قنوات التواصل المعتادة.
حلول تعبر من سوق إلى أخرى
وإلى جانب بناء العلاقات، تبرز في تجارب المشاركين قيمة الاطلاع على طرق مختلفة لمعالجة التحديات نفسها في أسواق متعددة، خصوصاً في ظل التحولات التي تشهدها قنوات بيع الكتب ووصولها إلى القراء. وحول هذه الفكرة أشاد تشاندر شيخار، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "سبرينغ تايم سوفتوير" من الهند، بالمعرفة التي يقدمها المتحدثون، مؤكداً أهمية الاطلاع على تجارب الأسواق المختلفة في التعامل مع تحديات بيع الكتب، خصوصاً مع توسع قنوات البيع الإلكتروني.
وقال: "يستطيع بائعو الكتب، عبر هذا النوع من المؤتمرات تكوين صورة جيدة عن كيفية استخدام المنصات الرقمية في البلدان الأخرى". وأوضح أن تبادل التجارب يمنح العاملين في القطاع أفكاراً يمكن الاستفادة منها في مواجهة التحديات التي يواجهونها في أسواقهم.
وتكتسب هذه المعرفة بعداً أكثر عملية عندما يجد المشاركون في تجربة قادمة من سوق أخرى إجابات عن تحديات سبق أن واجهوها في أعمالهم، وهو ما يظهر بصورة خاصة لدى المشاركين الذين واكبوا أكثر من دورة للمؤتمر.
فمن خلال مشاركته الرابعة، يحضر مؤنس حطاب، مدير ألف باء تاء للنشر والتوزيع في الأردن، مؤكداً أنه رأى كيف واكب المؤتمر خلال دوراته المتتالية التحديات التي تواجه قطاع التوزيع، وطرح في كل دورة موضوعات جديدة مرتبطة بالمتغيرات التي يشهدها السوق.
وأضاف حطاب: "في كل دورة نسمع شيئاً جديداً ونجد حلولاً لمشكلات طُرحت سابقاً، وهذا ما يمنح المؤتمر أهميته". وأشار إلى أن من أبرز ما استفاد منه في هذه الدورة تجربة موزع كتب من الفلبين، موضحاً أنها قدمت حلولاً عملية لنقاط واجهتها الدار سابقاً، إلى جانب مناقشة فكرة تأسيس شركة توزيع على مستوى الوطن العربي تنطلق من احتياجات الكتاب العربي وتحديات وصوله إلى الأسواق.
حلول قابلة للتطبيق
وتتكرر فكرة نقل الخبرة من سوق إلى أخرى في تجربة إيهاب محمد، المدير العام لدار سؤال للنشر والتوزيع في لبنان، الذي أشار إلى أن مشاركته تركز على الاستفادة من خبرات التوزيع العالمية، وخصوصاً التجارب الأوروبية في الوصول إلى القارئ وتطوير قنوات البيع.
وقال: "بالنسبة لي، أهم ما يتيحه المؤتمر هو الاحتكاك بالخبرات العالمية والتعرف إلى طريقة عمل الموزعين في أوروبا؛ فنحن نرى كيف يعالجون تحديات التوزيع، ونأخذ من هذه التجارب ما يمكن أن نطوره في أسواقنا"، مشيراً إلى أن بعض التجارب التي عُرضت خلال المؤتمر قدمت حلولاً قابلة للتطبيق، خصوصاً في توظيف وسائل التواصل الاجتماعي للوصول بالكتاب إلى القارئ العربي.
ويجمع "مؤتمر الشارقة للموزعين" في دورته الخامسة المتخصصين في صناعة الكتاب والنشر والتوزيع من أسواق متعددة، ضمن برنامج يضم كلمات رئيسية وورش عمل وطاولات مستديرة وعروضاً متخصصة، تركز على تطوير أعمال التوزيع وبيع الكتب، ومواكبة التحولات التي تشهدها السوق، وتعزيز التعاون بين العاملين في القطاع.











0 تعليق