خالد دومة يكتب: حقيقة الحرية

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

هل أنت حر عندما تولد في مكان ما، وفي زمن ما، وفي مدينة ما، لأب وأم لم تخترهما؟
هل أنت حر حين تصادق؟ حين تتعلم؟ حين تتلقى أفكارك ومعتقداتك؟ هل أنت حر حين تميل؟ وإذا كان هناك خيار بين جبرين، ثم ملت بقلبك وشعورك إلى أحدهما، فهل كنت حرًا حقًا؟
هل أنت حر حين تتحدث لغة ما، وتعتنق دينًا ما، وتتنفس هواء أرض ما؟
حين تحب، وحين تغضب، وحين تضحك... هل أنت حر؟ أم أنك مسيَّر حتى في اختيارك؟
هل الحرية أن تعارض موضوعًا ما ترفضه، وتعصي طاعته؟ وهل الحرية حرية حقًا، أم أنها أحيانًا حرية جبرية يُساق إليها المرء دون أن يدري؟
أن تقول ما تريد دون خوف، وألا يرهبك ما يرهب غيرك؛ فهل هذه هي الحرية؟ وهل التحرر من الخوف هو الحرية، أم أن العبودية قد تكمن فيه؟
لماذا لا أخاف ويخاف غيري؟
ولماذا أقاوم حين يضعف غيري عن المقاومة؟
لماذا أرفع في وجه الخوف والجموع عصياني، حين ينقاد الأكثرية ويلتحقون بالركب دون أن يشعروا بالمهانة؟ أليس في دواخلهم شيء يدعوهم إلى المسالمة، بينما في قلبي مارد يثور؟
هل أنا الذي دعوته؟ ولماذا أدعوه أنا ولا يدعوه غيري؟
هل الغريزة هي التي تحركنا، فنلقي بأنفسنا في ما جُبلنا عليه؟
وأين توجد الحرية؟ هل هي واقعة خارجنا، أم أنها نابعة من دواخلنا؟ هل نستدعيها حين نريد، أم نتركها هائمة في ضباب الخوف؟
ومن يوقظها إذا قامت وأرادت الخروج؟ ومن يتركها نائمة، لا تعبأ بشيء مما يدور حولها من انتهاكات؟
فهل الحرية حرية، أم أنها قيود من نوع آخر؟
حين تحملنا على شيء لا نملك ردَّه، فإن بقينا على حالنا فلا حرية، وإن تحررنا فربما كانت تلك حرية موهومة نخدع أنفسنا بها؛ لأنها ليست حرية حقيقية.
فهل الحرية عبث حين نطلبها، وعبث حين نتركها؟
هل الحرية أن أستطيع؟
ولماذا أستطيع ولا يستطيع غيري؟
أهي الدماء؟ أهي العقول؟ أهي الأعصاب؟
وما كل هذا من اختياري؛ إنما أنا مقيد بها، لأنها هي أنا، وهي كما هي، دون إرادة مني.
فليست الحرية حرية إرادة إذا كانت الإرادة نفسها قد كوّنتها طبيعة الجسد الذي خُلقت به، دون أن تكون لي يد في صناعتها.
وهل من يكره الآخرين، حين يكرههم على عمل ما أو على قبول شيء ما، يكون حرًا؟
وهل الإرهابي حر حين يسوقه قلبه وعقله إلى اغتيال حرية من يخالفونه الرأي؟
ومن هو الذي يستطيع أن يتحرر من ربقة اللحم والدم؟
إنما هي مقدمات لوهم صناعة الحرية؛ الحرية التي يرضى بها الإنسان عن نفسه، ويمنحها قيمة ووجودًا، بينما هو في الحقيقة مقيد بأحابيل باطنية تتحكم فيه وتوجهه دون وعي، وفق أحكام مسبقة تشكلت فيه قبل أن يعرفها.
فهل الحرية اختراع اخترعناه لتسلية النفس، ولجعلها تشعر بذاتها وقيمتها ووجودها؟
وهل ما تراه العيون من اختيار وإرادة، ليس إلا انعكاسًا لتكوين سابق، وأسباب خفية، وقوى داخلية تتحرك فينا قبل أن نتصور أننا نحن الذين نحركها؟
فأين توجد الحرية حقًا؟
هل هي في أن أفعل ما أريد؟
أم في أن أعرف لماذا أريد ما أريد؟
وهل أكون حرًا حين أختار، أم حين أستطيع أن أسأل نفسي: من الذي اختار داخلي؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق