كتب الناقد والمترجم السوري فراس حيمو مقالا عن رواية فوق رأسي سحابة للكاتبة دعاء إبراهيم، بعنوان حين يتحول الألم إلى ذاكرة مقيمة، وفيه:
تأتي رواية «فوق رأسي سحابة» للكاتبة المصرية دعاء إبراهيم كعمل روائي نفسي كثيف، يغوص في المناطق المظلمة داخل الإنسان، حيث الألم حين لا يجد طريقًا للخروج يتحول إلى قوة مشوهة، والجرح القديم قد يصبح سجنًا يرافق صاحبه طوال العمر.
صدرت الرواية عن دار العين للنشر، وتدور أحداثها بين مصر واليابان، في رحلة داخلية وخارجية تكشف طبقات معقدة من الذاكرة والصدمة والبحث عن الخلاص.
تختار دعاء إبراهيم عنوانًا شديد الدلالة، فالسحابة هنا ليست مجرد غيمة عابرة، بل رمز للثقل النفسي الذي يرافق البطلة، ذلك الظل الدائم الذي يحجب عنها النور حتى في أكثر لحظات حياتها هدوءًا. إنها سحابة من الذكريات المؤلمة، والخوف، والشعور بالذنب، والأسئلة التي لا تجد إجابات.
الرواية تنتمي إلى الأدب النفسي والواقعي الممزوج بلمسات رمزية وسريالية، وتعتمد على أسلوب سردي يجعل القارئ قريبًا جدًا من اضطرابات الشخصية الرئيسية، وكأنه لا يراقب حياتها من الخارج، بل يعيش داخل عقلها المضطرب.
نُهى.. جرح الطفولة والبحث عن الخلاص
تتمحور الرواية حول «نُهى»، امرأة تحمل داخلها جرحًا قديمًا يعود إلى طفولتها، جرحًا غيّر مسار حياتها بالكامل بعدما تعرضت لحادثة قاسية على يد أحد أفراد العائلة. تلك التجربة لم تنتهِ بانتهاء لحظتها، بل بقيت تسكنها وتعيد تشكيل نظرتها إلى نفسها وإلى الآخرين.
تكبر نُهى وهي تحمل إحساسًا عميقًا بالاغتراب، وكأنها منفصلة عن العالم وعن ذاتها. تنتقل حياتها بين مصر واليابان، وبين الماضي والحاضر، لتبدأ رحلة بحث ليست فقط عن الانتقام، بل عن تفسير لما حدث لها، وعن معنى وجودها بعد أن سُلب منها الكثير في سنواتها الأولى.
تعمل نُهى في المجال الطبي، وهناك يتحول الألم القديم إلى طاقة مظلمة، إذ تصبح قادرة على ممارسة القتل ضد من تراهم امتدادًا للظلم الذي عانت منه. وهنا تضعنا الرواية أمام سؤال أخلاقي صعب: هل يمكن للضحية أن تتحول إلى جلاد؟ وهل الألم يفسر الجريمة أم يبررها؟
لا تقدم دعاء إبراهيم شخصية نُهى باعتبارها ضحية فقط، ولا باعتبارها مجرمة فقط، بل تقدمها كإنسانة ممزقة بين طفلة تعرضت للكسر وامرأة تحاول استعادة السيطرة على حياتها بطريقة مأساوية.
وهذه من أهم نقاط قوة الرواية، أنها لا تمنح القارئ إجابة سهلة أو حكمًا جاهزًا، بل تتركه في مواجهة تعقيد النفس البشرية.
الغراب وقابيل وهابيل.. رمزية الموت والخطيئة
من العناصر اللافتة في الرواية حضور الغراب بوصفه رمزًا ملازمًا للبطلة، فهو ليس مجرد طائر مرتبط بالموت، بل يصبح صوتًا داخليًا وشاهدًا على الألم والذنب والذكريات.
كما تستعيد الرواية بشكل رمزي قصة قابيل وهابيل، لتناقش فكرة القتل الأول، والخطيئة، وكيف يمكن للعنف أن ينتقل من شخص إلى آخر عبر الزمن.
لغة شاعرية تكتب الألم
تمتلك دعاء إبراهيم قدرة واضحة على كتابة الألم دون الوقوع في المباشرة. لغتها شاعرية لكنها قاسية، مليئة بالصور التي تجعل القارئ يشعر بثقل التجربة النفسية للشخصيات.
الرواية لا تعتمد على الأحداث السريعة بقدر اعتمادها على الغوص في الداخل، في الأفكار، والذكريات، والمخاوف، والانكسارات. لذلك قد يشعر بعض القراء بأنها رواية ثقيلة، لكنها في الوقت نفسه تمنح تجربة مختلفة لمن يبحث عن الأدب الذي يطرح الأسئلة بدلًا من أن يقدم الإجابات.
من أجمل ما في الرواية قدرتها على تحويل الألم إلى مادة تأملية، فالألم ليس مجرد حدث وقع في الماضي، بل كائن يكبر داخل الإنسان ويؤثر في اختياراته ونظرته للحياة.
اقتباسات من الرواية
«أتعجب من قدرة الإنسان على التكيف، ككائن هُلامي كلما وضعوه في إناء أصغر، اقتطع جزءًا من جسده، وألقى به بعيدًا ليعيش، دون أن يبكي على أجزائه الكثيرة المقطوعة، يتحسس المكان الجديد الضيق بشغف أنه لا يزال حيًّا».
«الألم له مراحل كثيرة مرهونة دومًا بالوقت. أول الألم الإنكار وآخره الإذعان».
«ما أسوأ أن يُشعرك أحدهم أنك شيطان!».
«نحن لا نرى ما هو أمامنا، نحن نرى ما نريد أن نراه».
«وددتُ أن أخبر المحقق الغبي أن هناك آلاف القتلة لم يطلبوا الغفران من ضحاياهم، وأنهم ربما تقلدوا المناصب وحكموا دولًا ضاربين أعداءهم وأولياءهم بالعصا نفسها. ولم يُشر التاريخ بإصبعه إليهم ليقول: هؤلاء قتلة! لكنها ستبدو فلسفة فارغة. محاولة خائبة لعقد مقارنات لن تهم البشرية في شيء. البشرية التي جاءت من نسل قاتل لا مقتول!».
«الموت صدفة جميلة، وسيكون الوضع أجمل كثيرًا لو صار الموت إرادة، فالصدفة حظ الضعفاء».
رواية تطرح أسئلة الطفولة والعدالة والانتقام
«فوق رأسي سحابة» ليست رواية سهلة أو مريحة، فهي تأخذ القارئ إلى أماكن مظلمة داخل النفس البشرية، وتجعله يواجه أسئلة مؤلمة عن الطفولة، والعدالة، والانتقام، وحدود الرحمة.
نجحت دعاء إبراهيم في بناء شخصية رئيسية معقدة لا يمكن اختصارها في كلمة واحدة، فنُهى ليست ملاكًا ولا شيطانًا، بل إنسانة صنعتها ظروف قاسية، ثم دفعتها تلك الظروف إلى خيارات أكثر قسوة.
ما يميز الرواية أنها لا تكتفي بحكاية مأساة، بل تحاول فهم كيف يتحول الجرح إلى هوية، وكيف يمكن للإنسان أن يحمل ماضيه فوق رأسه كسحابة لا تمطر إلا ألمًا.
هي رواية مؤلمة، لكنها مكتوبة بحس أدبي عميق، وتترك أثرًا بعد الانتهاء منها، ليس لأنها تقدم قصة حزينة فقط، بل لأنها تجعل القارئ يسأل نفسه: كم من الأشخاص حولنا يحملون فوق رؤوسهم سحبًا لا نراها؟
نهايةً، يُنصح برواية «فوق رأسي سحابة» جدًا، لأنها رواية قوية، مختلفة، ومليئة بالأسئلة الإنسانية، لكنها تحتاج إلى قارئ مستعد لمواجهة نص ثقيل نفسيًا.
- ذاكرة اليوم.. وصول النبي للمدينة المنورة وفك رموز حجر رشيد ورحيل حسن نصر الله
- أثناء شق طريق سريع.. اكتشاف 16 منزلا وقبورا أثرية تعود لـ 7000 عام في التشيك
- "غرام" تحيي ليلة موسيقية روحانية بقبة الغوري الاثنين المقبل
- بيت الهراوي يستضيف ورشة ولقاءً حول آلة القانون الثلاثاء المقبل
- بالاميديس.. العبقرى المنسى فى حرب طروادة

















0 تعليق