في عام 1187، بدأ السلطان صلاح الدين الأيوبي حصار مدينة القدس، بعدما أمضى سنوات في توحيد جبهته العسكرية والسيطرة على عدد من المدن والمواقع المحيطة بالمدينة، في إطار الاستعداد لاستعادة بيت المقدس من الصليبيين.
وفي النصف الثاني من سبتمبر عام 1187، حاصرت قوات صلاح الدين الأيوبي مدينة القدس، بعدما أصبح الطريق إليها مفتوحًا عقب انتصاره في معركة حطين واستعادة عدد من المدن والقلاع المحيطة بها. وكانت حامية المدينة محدودة العدد مقارنة بالقوة العسكرية التي حشدها صلاح الدين، واستمر الحصار نحو ستة أيام قبل التوصل إلى اتفاق على التسليم.
وفي 2 أكتوبر 1187، فُتحت أبواب القدس ودخلت قوات صلاح الدين المدينة، وارتفعت رايته فوقها، لتنتهي بذلك السيطرة الصليبية على القدس التي استمرت منذ استيلاء الصليبيين عليها عام 1099.
ولم يتوقف الأمر عند القدس، إذ واصل صلاح الدين حملته لاستعادة المواقع والقلاع التي بقيت تحت سيطرة الصليبيين. ففي نوفمبر 1188 استسلمت حامية الكرك، ثم استسلمت حامية كراك دي مونريال خلال أبريل ومايو 1189، بينما استمر الصراع حول عدد من الحصون والمواقع الأخرى.
وبعد سلسلة الانتصارات، أصبحت معظم الأراضي التي كانت تشكل مملكة القدس اللاتينية تحت سيطرة صلاح الدين، ولم يبق للصليبيين سوى عدد من المراكز المهمة، من بينها صور وطرابلس، إلى جانب بعض القلاع والتحصينات، ومنها قلعة الحصن «كراك دي شيفاليه».
وأدى سقوط القدس وتراجع الوجود الصليبي في المنطقة إلى تحرك أوروبي جديد؛ إذ دعا البابا إلى حملة صليبية جديدة لاستعادة الأراضي التي فقدها الصليبيون، لتبدأ الحملة الصليبية الثالثة عام 1189، وشارك فيها عدد من أبرز ملوك أوروبا، ومنهم ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا.
كيف تعامل صلاح الدين مع سكان القدس؟
كان دخول صلاح الدين إلى القدس مختلفًا في صورته عن دخول الصليبيين إليها عام 1099، وفق ما تذكره المصادر التاريخية عن الحدثين. فعند سقوط القدس في الحملة الصليبية الأولى، تعرض سكان المدينة لعمليات قتل واسعة، بينما اتجه صلاح الدين عند استعادتها إلى التفاوض مع سكانها والسماح لهم بالمغادرة وفق شروط محددة.
وبموجب الاتفاق، مُنح سكان المدينة مهلة للخروج، وحددت فدية على من أراد المغادرة، مع إعفاء أو مساعدة عدد من الفقراء الذين لم يستطيعوا دفعها. كما تذكر الروايات أن صلاح الدين أصدر عفوًا عن بعض السكان، وسمح لعدد من الفئات بمغادرة المدينة دون دفع الفدية.
وتذكر المصادر أيضًا أن صلاح الدين لم يسمح بتحويل استعادة القدس إلى عملية انتقام جماعي، ولم يأمر بتدمير المدينة، بل عمل على إعادة تنظيمها وإزالة آثار الاحتلال السابق من المسجد الأقصى وقبة الصخرة.
وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة عند مقارنة الحدثين: سقوط القدس في أيدي الصليبيين عام 1099، ثم استعادتها على يد صلاح الدين عام 1187. فبينما ارتبط سقوطها الأول بمذبحة واسعة للسكان، ارتبط استردادها الثاني بالتفاوض على خروج السكان والفدية والعفو عن غير القادرين على الدفع.
وبذلك لم يكن فتح القدس نهاية المعارك، وإنما كان نقطة تحول كبرى في تاريخ الحروب الصليبية؛ فقد أدى سقوط المدينة إلى تغيير موازين القوى في بلاد الشام، ودفع القوى الأوروبية إلى تنظيم الحملة الصليبية الثالثة، التي استمرت لسنوات وانتهت باتفاق بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد أبقى القدس تحت السيطرة الإسلامية، مع السماح للحجاج المسيحيين بالوصول إليها.
















0 تعليق