تحل الذكرى الـ150 لميلاد الكاتب الأمريكي شيروود أندرسون، أحد أبرز رواد القصة القصيرة في الأدب الأمريكي الحديث، والذي ترك تأثيرًا كبيرًا في أجيال من الكتاب، من بينهم إرنست همنجواي وويليام فوكنر، قبل أن يتحول اسمه تدريجيًا إلى واحد من الأسماء الأقل حضورًا في الذاكرة الأدبية خارج الولايات المتحدة.
ولد أندرسون عام 1876، ونشأ في بيئة ريفية، وترك المدرسة في سن الرابعة عشرة، قبل أن يخوض تجارب مهنية متعددة، من بينها الخدمة العسكرية خلال الحرب الأمريكية الإسبانية، والعمل في مجال الإعلان.
ولم يبدأ مسيرته الأدبية باعتبارها مشروعًا واضحًا منذ البداية، بل اتجه إلى الكتابة بصورة ذاتية، بالتوازي مع عمله، حتى جاءت لحظة حاسمة في حياته عندما كان يعمل في مصنع بولاية أوهايو.
وفي أحد الأيام، غادر مكتبه فجأة من دون أن يخبر أحدًا بنيته، ولم يعد إلى عمله، متجهًا إلى كليفلاند، في قرار مثّل بداية تحوله إلى الكتابة بصورة أكثر جدية وتفرغًا للأدب.
رواية غيرت حياته
وجاءت نقطة التحول الأهم في مسيرته مع روايته ومجموعته القصصية "Winesburg, Ohio" التي صدرت عام 1919، وقدم فيها صورة دقيقة للحياة في بلدة أمريكية صغيرة، من خلال قصص شخصيات تعاني الوحدة والعزلة وصعوبة التواصل، في وقت كانت الولايات المتحدة تشهد تحولات اجتماعية وصناعية واسعة.
علاقته بإرنست همنجواي وويليام فوكنر
واعتمد أندرسون على أسلوب مختلف في كتابة القصة القصيرة، واهتم بالعالم الداخلي لشخصياته ومشاعرها أكثر من الاعتماد على الحبكة التقليدية، وهو ما جعله مؤثرًا في عدد من الكتاب الشباب الذين ظهروا بعده.
وكان من أبرز هؤلاء إرنست همنجواي وويليام فوكنر، اللذان عرفا أندرسون واستفادا من تجربته الأدبية، كما ساعد الكاتب الشاب في مراجعة أعماله والتواصل مع ناشرين. ولم يقتصر تأثيره على الكتاب الأمريكيين، إذ حظيت أعماله باهتمام أدباء خارج الولايات المتحدة أيضًا، ومن بينهم الكاتب الإيطالي تشيزاري بافيزي.
لكن العلاقة بين أندرسون وبعض الكتاب الذين تأثروا به لم تستمر على النحو نفسه، فبعد سنوات من الإعجاب، بدأ همنجواي وفوكنر في توجيه انتقادات إليه، ووصل الأمر بهمنجواي إلى السخرية من روايته "Dark Laughter" في روايته "Torrents of Spring"، رغم نصيحة زوجته الأولى له بعدم الإقدام على ذلك.
وبينما أصبح همنجواي وفوكنر من أشهر الأسماء في الأدب الأمريكي والعالمي، تراجع حضور أندرسون تدريجيًا، رغم أن تقنياته في القصة القصيرة أثرت لاحقًا في كتاب آخرين، من بينهم ريموند كارفر وجون تشيفر.
ويقدم أندرسون في أعماله صورة أدبية خاصة للولايات المتحدة، تجمع بين البيئة الريفية التي نشأ فيها والتحولات التي فرضها التصنيع والتحديث على المجتمع الأمريكي.
وظلت هذه الثنائية حاضرة في كتاباته، التي ركزت على الإنسان العادي وما يختبئ خلف حياته اليومية من عزلة ورغبات وإحباطات.
وعلى الرغم من المكانة التي احتلها في بدايات القرن العشرين، أصبح أندرسون أقل شهرة لدى الجمهور العام، خصوصًا خارج الولايات المتحدة، بينما بقي تأثيره حاضرًا في تاريخ الأدب الأمريكي وفي تطور فن القصة القصيرة.
نهاية غريبة
وجاءت نهاية حياته على نحو لا يقل غرابة عن بعض تفاصيل مسيرته، ففي عام 1941، وخلال رحلة بحرية إلى أمريكا الجنوبية، ابتلع أندرسون عن طريق الخطأ عود أسنان كان جزءًا من حبة زيتون، وتسبب ذلك بعد أيام في إصابته بالتهاب الصفاق نتيجة ثقب في الأمعاء، ليفارق الحياة عن عمر 64 عامًا.
وبعد 150 عامًا على ميلاده، تعود سيرة شيروود أندرسون لتطرح سؤالًا عن الأدباء الذين كان تأثيرهم أكبر من شهرتهم، وعن كاتب ساهم في تشكيل أساليب جيل كامل من الأدباء، قبل أن يجد نفسه خارج دائرة الضوء التي احتلها لاحقًا بعض من تأثروا به.










0 تعليق