بعد سنوات من رحيله.. منزل بدر شاكر السياب يتحول إلى متحف

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يستعيد منزل الشاعر العراقى الكبير بدر شاكر السياب فى قرية جيكور بمحافظة البصرة جزءًا من ذاكرته الغائبة، بعدما بدأت أعمال ترميمه وتأهيله تمهيدًا لتحويله إلى مركز ثقافى ومتحف أدبى يوثق حياة واحد من أبرز رواد الشعر العربى الحديث، بعد سنوات طويلة تعرض خلالها البيت للإهمال ومحاولات ترميم لم تنجح فى استعادة صورته الأصلية.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «ذا ناشيونال»، فإن المشروع تنفذه منظمة اليونسكو بالتعاون مع وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية، وبتمويل من الاتحاد الأوروبى، ضمن برنامج أوسع يستهدف إحياء المناطق التاريخية وعدد من المعالم المهمة فى مدينتى البصرة والموصل. ووصلت أعمال ترميم منزل السياب إلى نحو 60%، ومن المتوقع الانتهاء منها فى أبريل 2027.

منزل شهد بدايات بدر شاكر السياب

ولد بدر شاكر السياب عام 1926 فى قرية جيكور القريبة من البصرة، وارتبط المكان بصورة وثيقة بعالمه الشعرى، إذ حضرت أشجار النخيل والمياه والبساتين والبيئة الريفية فى عدد كبير من قصائده، قبل أن يصبح واحدًا من أبرز الأسماء التى أسهمت فى إحداث تحول كبير فى القصيدة العربية خلال القرن العشرين.

وكان السياب، إلى جانب عدد من الشعراء وفى مقدمتهم نازك الملائكة، من رواد حركة الشعر الحر التى خرجت بالقصيدة العربية من نظام البيت التقليدى ذى الوزن والقافية الموحدة إلى أشكال جديدة من البناء الشعرى، وأصبحت أعماله لاحقًا جزءًا أساسيًا من تاريخ الشعر العربى الحديث، كما ترجمت قصائده إلى عدد من اللغات. وتوفى السياب فى الكويت عام 1964 عن عمر بلغ 38 عامًا.

حفيدة السياب تشارك فى استعادة البيت

يحمل المشروع جانبًا عائليًا لافتًا، إذ تشارك المهندسة المعمارية ديمة الخضير، حفيدة بدر شاكر السياب، فى عملية ترميم المنزل واستعادة تفاصيله القديمة.
وتبلغ ديمة 25 عامًا، وتخرجت فى تخصص العمارة بتركيا عام 2024، وانضمت إلى المشروع فى إطار برنامج يستهدف أيضًا تدريب جيل جديد من المهندسين والحرفيين العراقيين على ترميم المبانى التراثية.

ولم تعش حفيدة السياب داخل المنزل، كما أن والدتها كانت طفلة صغيرة وقت وفاة الشاعر، ولهذا اعتمدت معرفتها بتاريخ البيت على الروايات التى تناقلتها الأسرة، وهو ما جعل عملية الترميم تتحول أيضًا إلى رحلة للبحث عن ذاكرة العائلة واستعادة تفاصيل الحياة التى كانت تدور بين جدران المنزل.

لا صور قديمة للمنزل

واجه فريق الترميم مشكلة أساسية تمثلت فى عدم وجود صور كافية يمكن الاعتماد عليها لمعرفة الهيئة الأصلية للبيت، ولذلك لجأ المهندسون إلى أفراد الأسرة وأشخاص عرفوا المنزل قديمًا، وجمعوا شهاداتهم حول تقسيماته وحدوده ووظائف غرفه.

وكان المنزل قد ظل مغلقًا ومهملًا لسنوات، كما تعرض لمحاولات ترميم فى ثمانينيات القرن الماضى، ثم قرابة عام 2000، ومرة أخرى عام 2013، لكنها لم تنجح فى إعادة المبنى كاملًا إلى صورته الأولى.

وبحلول ثمانينيات القرن العشرين لم يكن قد بقى من المنزل سوى الجزء الشمالى، بينما تعرضت أجزاء واسعة من الداخل للانهيار، كما أجريت بعض التدخلات اللاحقة دون معرفة دقيقة بالحدود والتقسيم الأصلى للمكان.

الحفاظ على الطين والخشب القديم

يسعى القائمون على المشروع إلى الاحتفاظ بالطابع الريفى التقليدى للمنزل، باستخدام أنواع المواد نفسها التى كان البيت يعتمد عليها قديمًا مع الاستعانة بمواد أحدث وأكثر قدرة على التحمل.
وكان سقف المنزل من أصعب الأجزاء التى واجهت فريق الترميم بسبب حالة العوارض الخشبية، ولذلك جرى جلب أخشاب جديدة من النوع المعروف محليًا باسم «الجندل»، مع الحفاظ على استخدام الطوب الطينى والأرضيات التقليدية المعروفة باسم «الفرشى".

مكتبة وقاعات لعرض تراث السياب

ومن المقرر الحفاظ قدر الإمكان على الغرف الأصلية للبيت، مع تغيير وظائف بعضها لتناسب دوره الجديد كمركز ثقافى ومتحف أدبى.
وستتحول بعض الغرف إلى مساحات للعرض، بينما ستخصص أجزاء أخرى لمكتبة تضم مواد مرتبطة بحياة بدر شاكر السياب وإنتاجه الشعرى، إلى جانب توثيق مسيرته منذ طفولته وحتى سنواته الأخيرة.
ويهدف المشروع إلى الحفاظ على روح المبنى التراثية، وفى الوقت نفسه منحه وظيفة ثقافية حية، حتى لا يتحول المنزل بعد ترميمه إلى مبنى تاريخى مغلق بلا دور حقيقى فى الحياة الثقافية.

حكايات الياسمين فى فناء منزل السياب

ومن التفاصيل التى حاول فريق المشروع استعادتها الحكايات المرتبطة بالفناء الداخلى للمنزل، الذى كان مزروعًا بالياسمين العربى.
وتتناقل الأسرة ذكريات عن جلوس نساء العائلة فى الفناء خلال فترات ما بعد الظهر وقبل الغروب، لصناعة عقود من زهور الياسمين، وهى التفاصيل الصغيرة التى يسعى المشروع إلى الحفاظ عليها باعتبارها جزءًا من ذاكرة المكان، وليست عملية الترميم مجرد إعادة بناء للجدران والسقف.
كما يتضمن المشروع توثيق تاريخ المنزل نفسه، وكيف بُنى، ومن عاش داخله، وكيف انتقلت ملكيته بين أجيال الأسرة، وما الذى حدث لأفراده بمرور السنوات.


 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق