عبد الرحمن الرافعى يكشف أخطاء عرابى فى هزيمة التل الكبير

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تمر اليوم الذكرى الـ144 لمعركة التل الكبير، التى وقعت فجر 13 سبتمبر 1882، وانتهت بهزيمة الجيش المصرى بقيادة أحمد عرابى أمام القوات البريطانية، وبينما ارتبطت المعركة فى الذاكرة الشعبية بحكايات الخيانة، فإن المؤرخ عبد الرحمن الرافعي قدم فى كتابه "الزعيم الثائر أحمد عرابي" قراءة أكثر تعقيدًا، وضع فيها الخيانة إلى جانب مجموعة من الأخطاء العسكرية والتنظيمية التى ساهمت فى الوصول إلى الهزيمة.

ويشرح عبد الرحمن الرافعي، فى كتابه، الذي صدر للمرة الأولى عام 1952، أن عرابى وجّه جزءًا كبيرًا من اهتمامه إلى تحصين الجبهة الغربية فى كفر الدوار، بينما أُهملت الجبهة الشرقية الممتدة من الإسماعيلية إلى التل الكبير، ويعتبر الرافعي هذا الإهمال من الأسباب الكبرى التى مهدت للهزيمة.
ويكشف الكتاب أن المؤلف لم يحمل نتيجة التل الكبير للخيانة وحدها، وإنما عدد أخطاء واضحة فى توزيع القوات والتحصينات والاستطلاع والقيادة.

الجبهة الشرقية لم تحصل على الاهتمام الكافي

يرى الرافعي أن أحد الأخطاء الأساسية سبق المعركة نفسها، إذ ركز عرابى على تحصينات كفر الدوار، حيث أنشئت خطوط دفاع قوية لمواجهة احتمال تقدم القوات البريطانية من ناحية الإسكندرية، لكن البريطانيين غيروا اتجاه الهجوم، وجعلوا الإسماعيلية نقطة انطلاق نحو القاهرة، بينما ظلت الجبهة الشرقية أقل استعدادًا.
ويقول الرافعي إن عرابى «أهمل الميدان الشرقي إهمالًا تامًا»، معتبرًا أن ذلك كان من أكبر أسباب الهزيمة، خاصة أن الإنجليز استغلوا قناة السويس والإسماعيلية للوصول إلى التل الكبير، بينما كانت أفضل التحصينات المصرية موجودة فى اتجاه آخر.

الإنجليز كانوا أكثر عددًا من الجيش المصري

وضع الرافعي أيضًا فارق القوة بين الطرفين ضمن الصورة العامة للحرب، فبحسب الأرقام التى أوردها، بلغ عدد القوات البريطانية قبيل معركة التل الكبير نحو 50 ألفًا و600 مقاتل، بينما لم يزد عدد الجيش المصرى النظامى على نحو 19 ألف مقاتل موزعين على مواقع مختلفة، منها كفر الدوار وأبو قير ورشيد ودمياط.

ويرى الرافعي أن هذا الفارق الكبير كان فى حد ذاته مؤشرًا سيئًا، خاصة أن القوات المصرية لم تكن مجتمعة فى التل الكبير، بينما كانت قطاعات مهمة من الجيش بعيدة عن موقع المعركة.
كما أورد تقديرًا آخر للمستر بلنت، يرى أن الجيش المصرى النظامى الفعلى ربما لم يكن يزيد على 13 ألف جندي، وأن جزءًا من المجندين الجدد لم يكن قد حصل على التدريب الكافي للقتال.

تحصينات التل الكبير لم تكن مكتملة

عند وصوله إلى وصف موقع المعركة، يشير الرافعي إلى أن خطوط الدفاع المصرية فى التل الكبير امتدت بطول نحو ستة كيلومترات، وتكونت من خنادق واستحكامات، لكنها لم تكن قد اكتملت قبل الهجوم البريطاني.
كما يرى أن مواقع الدفاع لم تكن محكمة بالقدر المطلوب، ولم يتوافر فيها عدد كافٍ من الجنود القادرين على صد هجوم واسع.
ويشير كذلك إلى أن عرابي لم يستدعِ القدر الكافي من القوات المدربة الموجودة فى مناطق أخرى، وخصوصًا القوات المرابطة فى دمياط، رغم الحاجة إليها فى التل الكبير.

خيرة الجنود لم يكونوا فى ميدان المعركة

ينقل الرافعي عن المستر بلنت أن أفضل عناصر الجيش المصرى لم تكن موجودة فى التل الكبير لحظة المواجهة.
فقد كانت قوات مهمة فى كفر الدوار بقيادة طلبة باشا عصمت، وأخرى فى دمياط بقيادة عبد العال باشا حلمي، ولم تشترك هذه القوات فى المعركة.
ويعلق الرافعي بأن حسن التدبير كان يقتضى استدعاء القوة المرابطة فى دمياط، لأنها كانت تضم عددًا من خيرة الجنود المدربين، لكن ذلك لم يحدث إلا بصورة محدودة.

من كان يقود الجيش فعليًا؟

يكشف الرافعي نقطة أخرى تتعلق بالقيادة نفسها، فعرابي كان يشرف على حركة القتال، لكنه لم يتولَّ القيادة الميدانية الفعلية، إذ عهد بها إلى علي باشا الروبي.

ويرى الرافعي أن الروبي لم يكن يمتلك الكفاية الحربية المطلوبة لهذه المهمة، فضلًا عن أنه وصل إلى التل الكبير قبل المعركة بيوم واحد فقط، بعد إصابة راشد باشا حسني فى القصاصين، وهي مدة لم تكن كافية للتعرف إلى طبيعة الميدان ووضع خطة دفاع متماسكة.
وهذه النقطة تحديدًا تكشف أن المؤرخ لم يفسر الهزيمة بمؤامرة واحدة، وإنما تحدث صراحة عن خلل فى القيادة الميدانية واختيار القائد فى توقيت حرج.

غياب الاستطلاع سمح للإنجليز بالوصول دون إنذار

من أكثر ما أثار استغراب الرافعي أن القوات البريطانية قطعت المسافة بين القصاصين والتل الكبير، التى تبلغ نحو 15 كيلومترًا، فى ظلام الليل دون أن تواجه طلائع مصرية تكشف تقدمها.
ويرى أن الدفاع المحكم كان يقتضى وجود طلائع متقدمة على مسافات بعيدة تراقب حركة الجيش البريطاني وتبلغ القيادة المصرية بما يحدث.
لكن القوات البريطانية وصلت إلى مسافة قريبة جدًا من المواقع المصرية قبل أن يبدأ الهجوم، وهو ما منحها عنصر المفاجأة الكامل.

الهجوم وقع والفجر لم يكتمل

تحرك الإنجليز ليلًا فى صمت، مع إطفاء الأنوار، ووصلوا إلى مواقع المصريين قبيل الفجر.
ويذكر الرافعي أن الهجوم بدأ نحو الساعة الرابعة وخمس وأربعين دقيقة صباحًا، وأن المصريين فوجئوا بالضرب قبل أن ينتظموا فى مواقعهم.
وأدى عنصر المفاجأة إلى اضطراب قطاعات من الجيش، واستولى البريطانيون سريعًا على الاستحكامات الأمامية ثم تقدموا إلى الخطوط التالية.

ثلاثة آلاف جندي فقط دخلوا القتال الفعلي

ورغم الصورة القاسية للهزيمة، سجل الرافعي وجود وحدات مصرية قاتلت بقوة، فقد صمد آلايان من الجنود السودانيين بقيادة الأميرالاى محمد عبيد حتى قُتل معظم رجالهم واستشهد قائدهم، كما قاتلت وحدات بقيادة أحمد بك فرج وعبد القادر عبد الصمد، وأظهر حسن رضوان شجاعة كبيرة فى استخدام المدفعية.
لكن الرافعي يقدر أن عدد الجنود الذين شاركوا فعليًا فى المعركة لم يزد على نحو ثلاثة آلاف، بينما أصاب الذعر قطاعات أخرى فتراجعت وتركت مواقعها.

معركة لم تستمر سوى دقائق

يشير الرافعي إلى أن معركة التل الكبير لم تستمر طويلًا، وأن الحسم جاء سريعًا بسبب عنصر المفاجأة وانهيار أجزاء من خطوط الدفاع.
ويذكر أن الخسائر البريطانية بلغت 57 قتيلًا و402 جريح، بينما تراوحت خسائر المصريين، وفق الأرقام التى نقلها، بين 1500 و2000 قتيل، واستولى البريطانيون على المدافع والذخائر والمؤن الموجودة فى الموقع.

 

وماذا عن الخيانة؟

لم ينف الرافعي وجود الخيانة، وتحدث عنها فى أكثر من موضع من أحداث الحرب العرابية، وأشار إلى تعاون أفراد من حزب الخديوي وبعض العربان مع القوات البريطانية، كما تناول خيانة الضابط علي يوسف خنفس فى وقائع القصاصين السابقة على التل الكبير.
لكن قراءة الرافعي الكاملة تجعل من غير الدقيق اختصار هزيمة التل الكبير فى الخيانة وحدها، فإلى جانب الاختراق والتجسس، كانت هناك جبهة شرقية لم تحصل على التحصين الكافي، وقوات موزعة فى أماكن بعيدة، ونقص فى الاستطلاع، وتحرك بريطانى ليلي لم يُكتشف، وخطوط دفاع غير مكتملة، واختيار قيادة ميدانية لم تحصل على الوقت الكافي لفهم أرض المعركة، بالإضافة إلى التفوق العددي والعسكري البريطاني.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق