هل الإنسان ابن نفسه وعقله، أم أنه ابن بيئته وظروف حياته، أم ابن أعصابه وخلاياه؟ أم هو خليط من ذلك كله، يفرز لنا كائنًا نستطيع أن نتنبأ بأحواله وسنن معيشته، ونعرف من أين يأتي ضعفه وقوته، وخيره وشره؟
هل ندرك بالفعل ما يصدر عنا من أفعال، أم أنها حركة باطنية تملي علينا ما تريد؟ ومن أين لها هذه القوة التي تخضعنا لفعل ما لا ندركه، ونحن نظن أن ما نفعله وليد الإرادة والاختيار؟ هل نحن نتيجة مواقف قديمة مررنا بها ونحن على غير إدراك، ثم تحكمت فينا بعد ذلك؟ وهل ندرك ذواتنا حقًا، أم أن هذه الذات هي التي تتصرف وتخدعنا وتوهمنا بقدرتنا على الاختيار والفعل؟
أين هو الإنسان الحقيقي إذن، ذلك الذي نبحث عنه في زوايا النفوس وطواياها؟ هل نحن ظلال لأشياء خفية تقودنا نحو ما تريد، أم أن الأمر صراع دائم يسوقنا إلى إثبات أنفسنا؟ وبين أقطاب النفس البشرية، نحاول أن نجد أنفسنا، وأن نضع أيدينا على حقيقة ذواتنا.
يرى فرويد إن الدوافع الجنسية قوة أساسية في حركة حياتنا، وإن الكبت الجنسي وما يخلّفه وراءه من أعراض، وتجارب الطفولة والاضطرابات، كلها تشكل جانبًا مهمًا من حياة الإنسان.
ويرى يونج إن هناك جانبًا خفيًا في الإنسان يتصدر المشهد دون وعي، وهو الذي يتحكم في بعض تصرفات الشخص؛ نخاف منه، ذلك الظل الذي نفر من ملاقاته، لكنه يطاردنا دومًا حتى يسبب لنا الاضطرابات، فيدفع الإنسان إلى التطرف، فيغضب ويثور ويتشدد، ويحكم أحكامًا قاطعة.
أما أدلر، فيرى أن الإنسان يسعى بشدة إلى إثبات نفسه، لأن في داخله شعورًا عميقًا بالنقص، وبأنه أقل من الآخرين، فيبحث عن الشهرة والمال والسلطة المحمومة، محاولًا أن يعوض ذلك الشعور.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف أمامه هو: هل الذي دفع هؤلاء الأقطاب إلى تعريف الإنسان بنفسه من خلال نظرياتهم، هو في الأساس ما صنعهم هم أنفسهم؟ هل كانوا ضحايا لوعيهم الباطن، الذي كشف لهم عن قراءة جديدة للإنسان وماهيته، فراحوا يدرسون النفس كما لو أنهم يشرّحونها ويفندون خفاياها؟ هل كانت نظرياتهم قابلة للتطبيق على أنفسهم قبل الآخرين؟ هل آراؤهم نابعة منهم شخصيًا، أم أنها ابنة بيئاتهم وظروف معيشتهم والعصر الذي عاشوا فيه؟
كان عصر فرويد يضع قيودًا شديدة حول الحديث عن الجنس، ويحاصر الموضوع بالمحرمات الاجتماعية والأخلاقية. فهل عانى فرويد نفسه من الكبت والحرمان؟ وهل كان مأخوذًا بهذه المحرمات إلى الحد الذي جعلها تحتل هذه المساحة في تفسيره للإنسان؟ وهل كان مرضاه يعانون الكبت نفسه؟ أم أن تجاربه الشخصية هي التي أملت عليه ما وصل إليه من تحليل؟
وكيف بدأ يونج بحثه؟ ومن أين انطلق؟ هل كانت بدايته من نفسه على وجه الخصوص، أم من النفس الإنسانية عامة، من جوهرها وأعماقها؟ وهل كان لمفهوم الظل واللاوعي الجمعي أثر في تكوينه وفي رؤيته للإنسان وأفعاله؟
أما أدلر، وهذا الشعور بالنقص والسعي إلى فهم الطبيعة الإنسانية، فهل كانت تجاربه المبكرة وشعوره بالتفوق دافعًا إلى البحث عن النقص الكامن في الإنسان؟ وهل أخرج ما كان في أعماق نفسه إلى العالم، أم أنه اكتشفه من خلال تجاربه وعمله وملاحظاته للآخرين؟
فهل كانت هناك نظريات اخترعوها، أم أن أنفسهم أملت عليهم ما وصلوا إليه؟ هل كانوا يفسرون الإنسان، أم يصفون أنفسهم دون أن يشعروا؟ وهل كان وعيهم الباطن هو صاحب الفضل في اكتشاف نتائجهم؟ أم أنهم خاضوا مواجهة مع ذلك الوعي، وحاولوا إظهاره إلى السطح، فابتكروا نظرياتهم في معرفة حركة النفوس وأفعالها؟ وربما كان الإنسان، حين يحاول أن يفسر نفسه، لا يستطيع أن يخرج تمامًا من نفسه.
فقد يكون الباحث هو نفسه جزءًا من الظاهرة التي يبحث فيها، وقد تكون الأسئلة التي يطرحها عن الإنسان قد ولدت أولًا من جرح قديم في داخله، أو خوف، أو رغبة، أو تجربة، ثم اتسعت بعد ذلك حتى أصبحت نظرية تفسر الآخرين.
وهنا يصبح السؤال أكثر إرباكًا: حين يكتشف عالم النفس حقيقة عن الإنسان، هل يكون قد اكتشف الإنسان، أم اكتشف شيئًا من نفسه في الإنسان؟
















0 تعليق