أثارت الجمعية العامة للأمم المتحدة جدلًا واسعًا بعد اعتمادها قرارًا بعنوان «تصحيح الخريطة.. إعادة التوازن إلى التمثيل الخرائطي العالمي وتعزيز التمثيل المنصف لمناطق العالم، ولا سيما أفريقيا»، بأغلبية 164 دولة مقابل دولة واحدة، مع امتناع 6 دول عن التصويت، في مبادرة تقودها توجو نيابة عن المجموعة الأفريقية.
لكن القرار لا يعني أن الأمم المتحدة قررت ببساطة استبدال خريطة العالم الحالية بخريطة جديدة، ولا أنه يعيد رسم الحدود السياسية للدول. فجوهره تقني وتعليمي، ويتعلق بالطريقة التي تمثل بها الخرائط المسطحة أحجام القارات على سطح مستوٍ، مع تشجيع استخدام الإسقاطات التي تعطي صورة أكثر دقة عن المساحات.
المشكلة تبدأ من إسقاط مركاتور
يرتبط الجدل أساسًا بما يعرف بإسقاط مركاتور، وهو إسقاط خرائطي وضعه عالم الخرائط البلجيكي جيراردوس مركاتور في القرن السادس عشر، وكان هدفه الأساسي خدمة الملاحة البحرية، إذ يحافظ على الزوايا والاتجاهات بصورة مفيدة للبحارة.
لكن هذه الميزة تأتي على حساب المساحة؛ فكلما ابتعدنا عن خط الاستواء باتجاه القطبين، تكبر الأجسام على الخريطة بصورة متزايدة لا تعكس حجمها الحقيقي.
ولهذا تبدو جرينلاند، مثلًا، على كثير من خرائط مركاتور قريبة من حجم أفريقيا بصريًا، بينما أفريقيا أكبر منها بنحو 14 مرة، كما تبدو الدول والمناطق القريبة من القطبين أكبر بكثير من حجمها الفعلي مقارنة بالمناطق الواقعة حول خط الاستواء.
وهذه ليست «خدعة» في حد ذاتها، لأن إسقاط مركاتور لم يصمم أصلًا ليكون مقياسًا دقيقًا لمساحة القارات؛ بل هو نتيجة رياضية حتمية لمحاولة نقل سطح الكرة الأرضية إلى ورقة مسطحة مع الحفاظ على خصائص أخرى، خصوصًا الاتجاهات والزوايا.
لماذا تبدو أوروبا أكبر مما هي عليه؟
من أبرز الأمثلة التي تكشف مشكلة الإسقاطات التقليدية أن أوروبا تبدو على الخريطة أكبر بكثير من حجمها الحقيقي مقارنة بأفريقيا، بينما تبلغ مساحة أوروبا نحو 10.18 مليون كيلومتر مربع، مقابل أكثر من 30 مليون كيلومتر مربع لأفريقيا.
وينطبق الأمر على مناطق أخرى؛ فروسيا وألاسكا والدول الإسكندنافية تظهر على خرائط مركاتور بأحجام بصرية أكبر من حجمها الحقيقي النسبي.
ومن هنا جاء حديث الأمم المتحدة عن أن التمثيلات الخرائطية الموروثة يمكن أن تؤثر في الفهم والتعليم والثقافة والتصور الجغرافي والسياسي والاجتماعي، خصوصًا عندما تستخدم الخريطة نفسها في الكتب المدرسية ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية لعقود طويلة.
هل تتهم الأمم المتحدة مركاتور بالعنصرية؟
هنا تظهر أكثر النقاط إثارة للجدل. فالقرار الأممي يشير إلى أن استمرار بعض التمثيلات الخرائطية يمكن أن يسهم رمزيًا في تقليص الحجم المتصور لأفريقيا ومناطق أخرى، ومن ثم فإنه يرى أن تصحيح هذه الصورة يخدم قدرًا أكبر من العدالة والدقة في تمثيل العالم.
لكن القرار نفسه لا يتهم مركاتور بالعنصرية، ولا يدين الإسقاط نفسه؛ بل تؤكد الوثيقة أن استخدامه التاريخي في الملاحة لا يمكن تجاهله، وأن المقصود ليس إلغاء إسقاط معين، وإنما تشجيع تمثيلات أكثر دقة للمساحات عندما يكون الهدف هو مقارنة أحجام القارات.
أما القول إن مركاتور تعمد تصغير أفريقيا أو تكبير أوروبا وأمريكا الشمالية لأسباب عنصرية، فهو تفسير سياسي لاحق لا يثبته القرار الأممي نفسه.
ما هو البديل؟
يدعو القرار إلى الاهتمام بالإسقاطات متساوية المساحة، التي تحافظ على النسبة الحقيقية لمساحات القارات، ومن بينها إسقاط Equal Earth الذي ورد بالاسم في نص القرار.
ويختلف هذا النوع من الخرائط عن مركاتور في أنه يضحي ببعض خصائص الشكل أو الاتجاه من أجل الحفاظ على التناسب الصحيح بين المساحات؛ فإذا كانت أفريقيا أكبر من أوروبا بعدة مرات في الواقع، يجب أن تظهر كذلك على الخريطة.
ومع ذلك فإن الأمم المتحدة لم تقل إن هناك إسقاطًا واحدًا يصلح لكل الاستخدامات، فالخرائط المستخدمة للملاحة تختلف عن الخرائط التعليمية، والخرائط التي تركز على المسافات تختلف عن تلك التي تركز على المساحات، وهذا ما شددت عليه دول عدة خلال جلسة التصويت.












0 تعليق