خالد دومة يكتب: العمل الفردي

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

إن اختلاف الطبائع، وتنوع الأمزجة، وتباين العقول والمشارب، هو سرُّ الإبداع والتجديد في حياة الأمم. أما حين تحتكر فئةٌ بعينها قيادة مجال من المجالات، ثم تتوارثه جيلًا بعد جيل، فإنها تمضي على النهج نفسه، وتكرر الأساليب ذاتها، فتؤول إلى الركود والتأخر، وتصبح نتائجها هزيلة لا تسهم في نهضة المجتمع أو تقدمه. إنها دائرة مغلقة يعيد فيها الفكر إنتاج نفسه، حتى يتحول إلى آفة راسخة الجذور، ثابتة الأركان، لا تثمر جديدًا.

إن التنوع في الرؤى، وتعدد الأصوات، واختلاف وجهات النظر، هو الذي يخلق الأفكار المبتكرة، ويجدد الثقافة، ويثري الآداب والعلوم، ويضخ في المجتمع دماءً جديدة تدفعه إلى النمو والارتقاء. فكل فكرة مختلفة تضيف بعدًا جديدًا، وكل عقل متميز يفتح أفقًا لم يكن مطروقًا من قبل، غير أن ما يحدث في كثير من مؤسساتنا هو النقيض تمامًا؛ إذ تختار القيادات من يوافقها الرأي، ويشابهها في التفكير، ويؤيد قراراتها دون نقاش. فتكون النتيجة غيابًا للإبداع، وحضورًا للتكرار، ونظرًا بعين الريبة إلى كل رأي جديد أو اجتهاد مخالف. وهكذا تتحول المؤسسات إلى جماعات مغلقة، أو إلى أعمال فردية ترتدي ثوب الجماعة.

ومن أكبر المآسي التي نعانيها أننا لم نعتد ثقافة العمل الجماعي القائم على الحوار، والاختلاف، والمناقشة، ثم اختيار الرأي الأفضل. بل نصنع أصنامًا فكرية نطوف حولها، تملي علينا ما تراه، ونأتي بمن ينفذ، ونقرب من يصفق ويؤيد، حتى تُنسب كل فضيلة إلى القيادة، ويُصوَّر نجاح المؤسسة وكأنه ثمرة عقل فرد واحد، لا ثمرة جهود جماعية، وهكذا ندور في دوائر ضيقة، تدور حول شخص لا حول فكرة، بينما العمل المؤسسي الحقيقي يقوم على مشاركة العقول، وتكامل الخبرات، ودراسة البدائل، ومناقشتها، ثم اختيار أفضلها. وعندئذ يذوب الجميع في إطار هدف واحد، ويخرج العمل أكثر نضجًا وإتقانًا، لأن كل فرد أسهم فيه بفكره وخبرته.

وقد قال الأستاذ عباس محمود العقاد قولًا بليغًا في هذا المعنى حين تلتقي فكرة بفكرة، لا تكون النتيجة فكرتين، وإنما قد تكون آلاف الأفكار، فالأفكار تتلاقح، ومن هذا التفاعل يولد الإبداع.

ولذلك فإن الاجتهاد الجماعي أرجح بكثير من الاجتهاد الفردي؛ لأنه ينظر إلى المشكلة من زوايا متعددة، ويحيط بجوانبها المختلفة، فيكون أقرب إلى الحل الصحيح، شريطة أن يكون الهدف هو الوصول إلى المصلحة العامة، لا تحقيق مجد شخصي أو صناعة بطل يُنسب إليه كل نجاح، إن كثيرًا من القيادات في واقعنا لا تسعى إلى بناء مؤسسات قوية بقدر ما تسعى إلى بناء صورتها الشخصية. فهي تبحث عن الثناء، وتحرص على احتكار القرار، وتخشى مشاركة الآخرين، فتتحول القيادة إلى لون من الاستبداد المقنع، يظن صاحبه أنه وحده يمتلك مفاتيح الحل، وأن آراء الآخرين لا قيمة لها.

ومن هنا يبدأ التراجع؛ لأن القيادة التي لا تستمع، ولا تتحاور، ولا تؤمن بالشراكة، إنما تورث الجمود، ويعيدها الخلف عن السلف، فتظل الأمة تراوح مكانها، وتبقى محلك سر، بينما تتقدم الأمم التي جعلت العمل الجماعي، واحترام الرأي، وتبادل الخبرات، أساسًا لنهضتها وتقدمها إن بناء الأوطان لا تصنعه العبقريات الفردية وحدها، وإنما تصنعه العقول المتعاونة، والقلوب المؤمنة بالمشاركة، والمؤسسات التي تفتح أبوابها للنقد والحوار، وتجعل الكفاءة معيارًا، لا الولاء، والفكرة حجة، لا صاحبها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق