تتسلل ذكرى الرحيل في التاسع من سبتمبر لتطرق باب الذاكرة المصرية، لتذكرنا بـ شيخ الحكائين " خيرى شلبي" الذي اتخذ من الرصيف وطناً، ومن العابرين والبسطاء أبطالاً أزليين، فلم يكن "شلبي" مجرد روائي يخط الكلمات، بل كان أنثروبولوجياً مشاغباً، ومؤرخاً وجدانياً لمصر الخفية التي تنبض في العشوائيات، والموالد، والمنافي الاختيارية، والوكالات المنسية.
من صقيع الريف إلى دفء الحكايات
ولد خيري شلبي في قرية "شباس عمير" عام 1938 بمحافظة كفر الشيخ، وظلت طفولته هناك، حيث عاشها ببساطة وقسوة ودفء ريفي، فكانت البوصلة التي وجهت قلمه طوال حياته.
لم يكن " خيري " يكتب ليتعالى على قرائه، بل كان يكتب وكأنما يجلس معهم على مصاطب القرى أو المقاهي الشعبية، يحكي بصوت منخفض مشبع بالشجن، والتهكم الساخر، والمحبة الجارفة للإنسان مهدراً كان أو مكافحاً، وحين رحل صاحب وكالة عطية، ترك خلفه مكتبة كاملة من الحنين والألم الإنساني النبيل.
انحيازه الجذري للمهمشين
كانت الزاوية الإنسانية الأجمل في مسيرة خيري شلبي تتمثل في انحيازه المطلق لعالم "الصعاليك" والمسجونين والأيتام وبائعي الهامش، لم يتخذ منهم مادة لدراسة استعراضية، بل لانه كان واحدًا منهم روحيًا، عاش حياة خشنة وصعبة حتى نال قسطه من الشقاء قبل أن تلتفت إليه منصات التتويج، فحاز جائزة نجيب محفوظ عام 2003، وجائزة الدولة التقديرية عام 2005. ومع كل تكريم، ظل طفلاً شقياً يبحث عن حكاية جديدة لم تروَ بعد.
أرواح تسكن الشارع والورق
في أعماله الخالدة مثل الوتد، وأضواء زدان، وصالح هيصة، لم يكن يوثق مكاناً جغرافياً، بل كان ينقش ملامح النفس البشرية في أقسى اختباراتها، كان يؤمن أن الأدب الحقيقي هو الذي يمنح صوتاً لمن لا صوت له، ولهذا ظلت شخصياته تنبض كأنها تشاركنا الشارع والجريدة وفنجان القهوة الصباحي.
اليوم، ونحن نستعيد سيرته، نتذكر أن خيري شلبي لم يغادر حقاً، فكلما مررنا بوكالة شعبية، أو سمعنا بائعاً ينادي على بضاعته بنبرة شجية، ندرك تماماً أن خيري شلبي كان هنا، يكتبنا، ويحبنا، ويترك لنا وصية أبدية بأن نكون أوفياء للبساطة ودفء الحكايات.












0 تعليق