وصل كتاب "صعود وسقوط الدولة الاصطناعية" إلى قمة هرم المبيعات في الولايات المتحدة ويتناول كتاب المؤرخة الأمريكية جيل ليبور، الحائزة على جائزة بوليتزر، التهديد الذي يُشكّله الذكاء الاصطناعي على الديمقراطية الليبرالية ووفقًا لليبور، فإن القوة الهائلة لشركات التكنولوجيا الخاصة، التي يقودها رجالٌ قد لا تتوافق أولوياتهم مع مصلحة الأرض أو سكانها، تُنذر بتدمير الحضارة كما نعرفها.
مفهوم ليبور عن الدولة الاصطناعية واسعٌ، يشمل كلاً من الخيال الذي تتوق إليه فئةٌ قليلةٌ مختارة، والواقع الذي نعيشه بالفعل. يتمثل الخيال في مجتمع مُجزأ تستطيع فيه نخبةٌ تجاوز القيود البيولوجية والكوكبية، "متخلّين عن الديمقراطية الدستورية، والدولة القومية الليبرالية، بل وحتى الإنسانية نفسها، لصالح الحكم الآلي، والحكومة الآلية، والاستبدال بالذكاء الاصطناعي" أما الواقع فهو تحوّل الخطاب العام إلى منصات مملوكة للقطاع الخاص، حيث تُقدّر قيمة الاهتمام المُربح فوق كل شيء.
منصات التواصل والتلاعب بالعقول
وتؤكد ليبور فكرة مركزية وهي أنه من المسلّم به الآن أن منصات التواصل الاجتماعي مُصممة للتلاعب بسلوك المستخدمين، سواءً لاستهلاك منتج أو لتغيير مواقفهم السياسية "وهو هنا يشير لفكرة اللجان الإلكترونية" فمواقع التواصل مليئة بالحسابات الآلية التي تُسيطر عليها جهات فاعلة مختلفة - حكومية وغير حكومية، إجرامية أو شركات - تُساهم أنشطتها في فيضان خوارزمي من المحتوى المُثير للغضب، والذي يُؤدي إلى استقطاب المواطنين.
ووفقًا لليبور، فإن الدولة الاصطناعية ليست مجرد حلم، بل هي "الخطة الفعلية لعدد قليل جدًا من أمراء التجارة ذوي النفوذ الهائل في القرن الحادي والعشرين، مليارديرات وادي السيليكون".
وتقول: في حين أن أولويتنا يجب أن تكون تغير المناخ، يُفضّل هؤلاء "الأمراء" إيلون ماسك، ومارك زوكربيرج، وجيف بيزوس، وبيتر ثيل، وسام ألتمان التركيز على السفر إلى الفضاء أو تطوير قدراتهم الحاسوبية للتغلب على الصين في سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي مشيرا إلى أنه بعد تدمير الأرض بمراكز بيانات تستهلك كميات هائلة من الطاقة، فإن خطتهم هي الهروب إلى المريخ، أو الاختباء في ملجأ في نيوزيلندا، أو تحميل أدمغتهم المجمدة.
قصص من التاريخ
ينتهي كل فصل تقريبًا بعبارة تنذر بالسوء ومع ذلك، فهي ليست متشائمة بشأن الذكاء الاصطناعي فالقصص الآسرة والفريدة هي سمة ليبور المميزة حيث تقدّم ليبور العديد من القصص التاريخية المصغّرة التي تربط الماضي بالحاضر، بما في ذلك جذور فلسفة التحرر التكنولوجي، التي تبدو حديثة للغاية، في الخيال العلمي المريب خلال الحرب الباردة.
وتستعرض ليبور أصول التعداد السكاني في بلاد ما بين النهرين القديمة، مؤكدا أن إحصاء السكان يمنح أصحاب السلطة "القدرة على حصرهم وتعذيبهم وفرض الضرائب عليهم".
ويُعدّ استعراضها المُعمّق لأفكار الخيال العلمي في القرن العشرين، والتي شكّلت الكثير من آمال وأحلام النخبة التقنية، كاشفًا للغاية. وبينما تُفسّر ليبور العديد من أعمال الخيال العلمي الكلاسيكية، مثل أعمال إسحاق أسيموف، على أنها تحذيرية، فإنها تُلاحظ أن "مهندسي الدولة الاصطناعية يبدو أنهم قرأوا هذه القصص، بجدية تامة، كأدلة إرشادية لبناء روبوتات ستُسيطر على العالم يومًا ما".
وباعترافها، كتبت ليبور "كتابًا مُتشائمًا" إذ يكاد كل فصل ينتهي بعبارة تنذر بالسوء ومع ذلك، فهي ليست متشائمة بشأن الذكاء الاصطناعي حيث تُوضّح أن المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في افتقارنا إلى استراتيجية متماسكة، مُصاغة ديمقراطيًا، حول كيفية تطويرها واستخدامها.
وتختتم كتابها بدعوة إلى "الانقطاع عن العالم الرقمي" والتواصل مع الطبيعة والحيوانات، لكنها لا تُقدم أي توصيات أخرى، ولا شك أن هذه فكرة جيدة لكن في مواجهة ثورة تكنولوجية تهدد بتقويض النظام العالمي بأكمله، فإن قطع الاتصال بالإنترنت للمس العشب لا يمكن أن يكون سوى الخطوة الأولى.















0 تعليق