ظل تاريخ الرسومات القديمة داخل كهف فونت دو غوم فى فرنسا لغزا لأكثر من قرن، إذ كان علماء الآثار يعرفون أن الكهف، المختبئ بين منحدرات الحجر الجيرى فى دوردونى بالقرب من لاسكو، يضم بعضا من أروع فنون العصر الجليدى فى أوروبا، لكنهم لم يتمكنوا من تحديد وقت رسمها، والآن، أتاحت التكنولوجيا الحديثة تحديد تاريخ هذه اللوحات للمرة الأولى، فى اكتشاف نشر فى مجلة "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم"، ويقدم أول تواريخ محددة للوحات الموجودة فى فونت دو غوم.
ويعد التأريخ بالكربون المشع من أبرز أدوات علم الآثار، لكنه يحتاج إلى مواد عضوية تحتوى على الكربون، مثل الفحم أو العظام، بينما لا تصلح له الأصباغ المعدنية مثل الأوكر وأكسيد المنجنيز، وعلى مدار عقود، افترض الباحثون أن الرسومات السوداء فى فونت دو غوم والكهوف القريبة، ومنها لاسكو، استخدمت هذه الأصباغ المعدنية فقط، لكن فريقا من العلماء الفرنسيين تمكن من دحض هذا الافتراض بعدما اكتشف أن الفحم كان موجودا داخل الصبغة نفسها، بحسب ما ذكر موقع my modern met.
الفحم داخل الصبغة السوداء
وقادت الباحثة إينا رايش من المركز الوطنى الفرنسى للبحث العلمى فريقا لدراسة الرسومات السوداء فى الكهف، باستخدام تقنية التحليل الطيفى المجهرى الرامانى والتصوير الطيفى الفائق، وتسمح التقنيتان بتحديد المواد الموجودة فى الرسومات دون لمسها، وهو ما يجعلهما أدوات مهمة لدراسة التراث الثقافى الهش.
وكشفت عمليات المسح عن وجود الفحم منتشرا فى أنحاء الصبغة السوداء، ولم يظهر فى صورة بقع عشوائية، وإنما امتد بصورة متناسقة داخل الخطوط المرسومة، واستبعد هذا النمط احتمال أن يكون الفحم ناتجا عن تلوث بالسخام أو الكتابة على الجدران أو عقود من الاحتكاك بالزوار، وأكد أن الفحم كان جزءا من الصبغة الأصلية التى مزجها الفنانون بالطلاء منذ أكثر من 10 آلاف عام.
تحديد عمر اللوحات بالكربون المشع
ومهد اكتشاف الفحم الطريق لاستخدام التأريخ بالكربون المشع، إذ حصل الباحثون على إذن لأخذ عينات مجهرية من لوحتين داخل الكهف، ونظرا إلى هشاشة الأعمال الفنية، اكتفى الفريق بأخذ كميات ضئيلة جدا من المادة، قبل أن يكشف التحليل المختبرى عن أول تحديد دقيق لتاريخ لوحات فونت دو غوم.
وأظهرت النتائج أن إحدى اللوحات تعود إلى فترة تتراوح بين 13461 و13162 عاما، ما يضعها ضمن العصر الحجرى القديم الأعلى، أما عينات من لوحة أخرى، فقد أعطت 3 نطاقات زمنية مختلفة تتراوح بين 8590 و15981 عاما.
لوحات تغيرت عبر آلاف السنين
تشير النتائج إلى أن البشر رسموا أو عدلوا أجزاء مختلفة من إحدى الصور فى أوقات متباينة، مع وجود فارق يزيد على 6000 عام بين أقدم العينات وأحدثها، وبذلك، قد لا تكون اللوحة نتاج لحظة واحدة من النشاط الفنى، بل ربما احتفظت بتغييرات أضيفت إليها عبر أجيال متعاقبة.
ويفتح هذا الاكتشاف منظورا جديدا على فنون كهف فونت دو غوم، إذ قد لا تقتصر جدرانه على حفظ الرسومات القديمة، وإنما يمكن أن تحتفظ أيضا بأدلة على عودة البشر إلى الأعمال نفسها وإعادة تعديلها عبر فترات زمنية مختلفة.
















0 تعليق