نشرت مجلة "الثقافة الجديدة"، في عدد يونيو 2026، مقالة نقدية للدكتور علاء الجابري بعنوان "لعنة الخواجة تطارد التاريخ الرسمي"، يتناول فيها رواية "لعنة الخواجة" للكاتب والشاعر وائل السمري، رئيس التحرير التفيذي لليوم السابع.
وجاء في المقالة:
وسط عالم من الروايات التي تسمن الرفوف ولا تغني من معرفة، لا تستنكف رواية "لعنة الخواجة: مستلهمة من أحداث واقعية" عن سرد أفقي لا يناسب صرعات ما يراه البعض تجديدًا، وكأنه يريد صوغ الحقيقة دون تعقيدات، ومع إعلان المؤلف منذ مطلع الرواية أنها قائمة على أحداث واقعية، لا يقدح في خياله الشعري بالأساس، ولا يلهيك الطابع الاستقصائي للقصة فيها عن تداخل حكاياتها.
يريد وائل السمري كتابة عمل فني بالأساس، لكنه ليس للصفوة والنخبة، معادلًا للسد العالي الذي يفيض خيره على الجميع، فاستقبال الرواية يتم دون تعقيد، وكأنها أرض يباب ترويها سيولة السارد. ليس التاريخ جافًا، ولكن من يتعاملون مع سطحه الظاهر وسموه بذلك، فاختار التاريخ - فيما يبدو - أن يمنح المتعجلين قشرته الظاهرة، ويخصّ المتأملين بما لا يراه أصحاب العشى المعرفي.
بعد صفحات قليلة من الرواية الضخمة "لعنة الخواجة"، تستطيع اكتشاف سيرها في اتجاهين يلتقيان بالضرورة، وكأنهما فرعا النيل الذي يريد بطل الرواية "أدريان ألبير دانينوس" الحفاظَ على مائه، ويريد راويها "الصحفي ناصر" وصلَ القديم بالجديد، طارحًا نموذجين - هل نقول نموذجًا ذا وجهين - لمسارات محبة الوطن، دون طنطنة عالية، وإنما بإخلاص وتجرد، وتوحيد يلائمه ما يسم الشخصيتين من إخلاص متناه لمحبوبة وحيدة.
يجد الصحفي الموقوف "ناصر" في دانينوس نموذجًا مفقودًا لمحبة الوطن بتجرد عظيم، يثمنه وسط عالم مزدحم بالسماسرة، تبحث الرواية عن "النموذج" المفتقد، والذي يحمل قدرًا من التجرد في مواجهة زمن السماسرة، واستثمرت الروابط المخبوءة بين "النموذج" و"التاريخ"، على الأقل من جهة كون كليهما حقيقتين يربطهما توتر جدلي يعز إنكاره، وإذا كانت المصادفة قد أفضت بسيرة دانينوس بين يدي ناصر.
وفي سبيل توكيد النموذج، تلح الرواية على استقلال دانينوس عن تيار التاريخ، ويقوم بتوكيد تحديده النسبي، وإضفاء طابع روحي على مقولات دانينوس، كما أن إصراره على "حلمه" يؤكد تآزر الوعي مع اللاوعي، وكان عدم تحوله عنه نازعًا مظنة الآلية فيه، فتحول إلى الإنتاج التاريخي لفكرته.
سريعًا ما تتجاوز الظلال السلبية لكلمة اللعنة لتتحول إلى نوع من الولع والاندماج والانشغال عما سواها، تمامًا كما يزيح جواز السفر المصري أصوله اليونانية القديمة عن صاحب فكرة السد العالي، المهندس أدريان دانينوس "1887-1976".
كيف يغيب التاريخ الحديث عن وعينا، وكيف يصبح الواقع أكثر "تاريخية" حين يدخل الصحفي المفصول من عمله إلى الباب الخلفي لأنواع غريبة من تجارة الأنتيكات، ويقع بالمصادفة في يده أوراق "أدريان ألبير دانينوس" الذي ألح على قادة ثورة يوليو - ومن سبقهم من الحكام - بشأن ضرورة إتمام مشروع السد العالي، وكيف أنكره التاريخ المباشر، فاختبأ عن أقلام مؤرخي معجزة السد العالي، ولكنه ظل في خلفية الأحداث.
يبدو أن دانينوس تجمعت فيه الحضارة القديمة "أصله اليوناني"، وامتدادها الأوروبي "والده فرنسي"، وتلاقحها مع الحضارة المصرية التي حرص على الانتساب إليها "حصوله على الجنسية المصرية". نزعة كوزموبوليتانية تجعل الحدس بأثر السد العالي على الحضارات جميعها واردًا ومقبولًا.
وبخاصة أنه يُمسك بخيط دقيق بين الفنية والمشروعية، بين الخلق والاحتفاء، وبعيدًا عن تموجات ما بعد الحداثة، وعلى خلاف النسق السائد في مخالفة التاريخ لصنع تاريخ موازٍ، فلا بد أن نثمن جرأة السمري في "عاديته" الملبسة، لكنه ليس خارج الزمن، بل إن مراهنته على تعدد الخطابات، ورهافة الإشارات، والاحتفاء بالتفاصيل، والقفز على ما يثير الأسى، وبخاصة مع اختياره نوعًا من شاعرية التقطيع والمونتاج، وإيمانه الواضح بتعدد مظاهر البطولة وتباين مداخلها بين دانينوس الأب والجد، فيؤكد على قيمة جده وإن اختلف التوجه والمشارب. فللبطولة وجوه كثيرة.
2
يختار وائل السمري نوعًا من البناء المريح، يتسم برشاقة الانتقال دون أن يكون حجم الرواية عبئًا، وربما كان لسلاسة اللغة والتخفف من ألعاب السرد دور واضح، وللتخطيط الجيد للرواية أثره، وربما كان لتقاطع دوائر الحكي أو تحول زوجته "عالية" لمعادل للسد العالي شفافية من نوع راق، يعضدها ما تم من تجذير الشخصيات فنيًا ودراميًا بشكل جيد.
يكشف لعبته في التوازيات التي تجتاح الرواية، مثل توازيه هو شخصيًا مع شخصية دانينوس من جهة الظلم الواقع على كليهما؛ فالخواجة ظلمه التاريخ الرسمي القديم، فأهمله وغمطه حقه، وصاحبنا ظلمه الواقع فلفّق له التهم، وكان يستطيع النجاة بنكران مبادئه، تمامًا كالخواجة الذي كان يمكنه الحصول على المجد بالتغاضي عن تجرده.
لقد جنت المثالية والإخلاص للحلم تارة، ومبادئ المهنة تارة أخرى، على كليهما، ولم يكونا ضحايا التاريخ والواقع، ولكنهما نالا جوهر ما آمنا به وطارداه طوال فترات المحنة، أو اقتراب تحقق الحلم المستحيل.
ويتلاعب السمري بالزمن في الأحداث المعاصرة التي تمس "ناصر" الصحفي وما حوله من أحداث، بينما يلتزم الخط الأفقي في أحداث دانينوس، ويسير الزمن مع التتابع الخطي العادي، وينقل أحداث التاريخ القديم دون رموز مبالغ فيها أو إيماءات، ويتوقف عند حد الرصد، بينما لا يمكنك أن تتلقى أسماء "ناصر" و"عالية" و"جمال" و"شريف" ببراءة. ولعل في اختياره الزمن الأفقي لسرد حكاية دانينوس نوعًا من الإلماح إلى كونها خالية من المفاجآت بسبب عزيمة صاحبها الذي لا يلين، ولأن السد العالي نوع من القدر المخبوء لهذا البلد الأمين المصون، بينما الزمن المستدير يوحي بانسحاب قصة "ناصر" على غيرهم ممن تضمهم الدائرة، أو تعركهم الرحايا دون مبالاة أو التفات. هذه الرواية كما قال عنها إبراهيم عبد المجيد هي سيرة للزمن.
يسهل أن نربط الزمن الأفقي المستمر بحالة من تجذر الفكرة لدى صاحبها، لا يعود ليختبرها، ولا يماطل في حماسته تجاهه، على العكس من "ناصر" الذي يلوم نفسه كثيرًا، ويعود إلى ماضيه بأسى، وينظر إلى مستقبله بتخوف، ويتعامل مع مستقبله بتشاؤم. إن توظيف الزمن داخل الرواية مؤذن بتباين وجهتي النظر تجاه الأمور ويؤشر عليها، فضلًا عن كونه سبيلًا لاغتناء الفكرة وتطورها لدى المهموم بالمستقبل، وتحوله آلية جلد للذات لدى "ناصر"؛ إذ الحاضر حركة صيرورة يجمع داخله منجزات الماضي وممكنات المستقبل في تفاعل دينامي متوتر وصاعد.
تكتنز الرواية بتفاصيل لا يسكن فيها الشيطان، وإنما كتبتها محبة الشخصيات والاستمتاع بالعمل والفتنة بالكشف التاريخي، حتى ولو رأى البعض إمكان الاستغناء عنها على سبيل التركيز والتكثيف والاستثناء، وحصرًا للحفر في مركز الثقل فيها، والاهتمام بالمركز لا يعني إزاحة الأطراف أو الاستغناء عنها، ولكنه رهان الرواية واختيارها للنفس الملحمي، وتقديم الصورة الكلية بجميع تفاصيلها وظلالها، والاحتفاء بالجوانب الإنسانية في شخصية دانينوس، مثل الاستغراق في أمر التردد بين التخصص في القانون والزراعة، وكيف انحاز دانينوس للزراعة، وهو أمر شغل مساحة كبيرة من الرواية، وكان من السهل إيجازه في حوار أو مونولوج، ولكن الفتنة بتفاصيل دانينوس جعلت الكاتب يستغرق في التفاصيل، مثمنًا البطولة التي لبست روح الأسطورة المكتشفة من التاريخ الحديث.
وبعض الحكايات الجانبية التي يرد ذكرها في الرواية تضفي على دانينوس مسحة إنسانية شديدة الصفاء، أو أحيانًا مسحة قدسية، ومن ذلك حكاياته في باريس التي أفردت الرواية مساحة كبيرة لها. هذه الحكايات الباريسية قد تراها خافتة القيمة في شأن الحدث المركزي "بناء السد العالي"، ولكن الرواية لا تتعامل مع دانينوس بوصفه مصدرًا صحفيًا أو بوصفه شخصية تاريخية تتوقف قيمتها عند سطر في التاريخ، فتغدو مفردة ذات دلالة واحدة فقط.
والرواية - في جوهرها - لا ترصد تاريخ السد العالي، ولكنها تؤرخ للخواجة النبيل الذي أنس بمصر، واندمج فيها، وصارت حكاية باريس مؤشرًا لعوامل تأخر زواجه، وممهدة لإشهار إسلامه فيما بعد. بعض الحكايا الفرعية جديرة بالاستعادة أو الاهتمام؛ لأنها ذات علاقة بشخصية دانينوس، من مثل موقفه وجهده في محطة كهرباء قريبة من خزان أسوان، وبالتالي تمهد لاهتمامه بمشروعات كثيرة سبقت السد العالي الذي جاء تاجًا على رؤوس مشاريعه السابقة.
فكانت بعض التفريعات غير داخلة في المجرى الأساسي لحكاية السد، وبالتالي لا تعيق السرد أو تمنع "تدفق" الحكاية الأم، بل تمثل نوعًا من النجوى التي درأت المجاز واستمرأت العقل ولاءمت المجال، فكانت سرعة الإيقاع نوعًا من الشَرَك الذي نصبه مبدعنا لقارئه كي يقرأ الرواية الطويلة دون ملل أو انقطاع.
وربما فاته في حماسة وفائه للأحداث الواقعية أن يقيم قصة حب بين دانينوس وفتاة عربية، فاختار أن يكون نصفها بيروتي الميول ونصفها سكندري، ولكنها إنجليزية من "ويلز" استقرت مع أسرتها في الإسكندرية، وربما لو حرّف قليلًا لكان أكثر دلالة، فضلًا عن عدم القفز على معلومات لم يكن يحسن السكوت عليها، فيتحول الحوار إلى معلومات، كما هو الحال مع حديثه عن فندق شبرد، وهو مكان محوري في مسار الرواية، وشهد - قبل احتراقه في حريق القاهرة الشهير - أول مؤتمر صحفي عن مشروع السد العالي، لكن دانينوس لم يلتفت لنذير الشؤم في حرق الفندق، ولم يعبأ بصغائر الأمور والعلامات في مسار حلمه، ولم يتخوف السمري من تضخم الرواية.
ويتتبع بعض تفاصيل حياة دانينوس تخلصًا من وهميتها، أو اختلاقها، وليهب لها حياة خاصة خصبة، تفوح منها رائحة الوجود الفعلي. إنه لم يعثر على "شبح" أوحى بفكرة السد العالي وتوقف دوره عند هذا الإلهام، ولكنه عايش تجربة السد، وعايش السارد حياته باستفاضة، تمامًا كما استبد دانينوس بحياة الراوي وأثر عليها وصار مركزًا للثقل فيها.
ويشيع في الرواية أسماء تتوزع بين عصور مختلفة وأماكن متباينة، بداية من محمد حسنين هيكل ومحمود درويش، وليس انتهاء بطلال فيصل، في نزعة تخلط الأزمان ربما لإقامة السد العالي شاهدًا على عصور مختلفة، واستعراض تاريخ فكرة السد العالي منذ اقتراح ابن الهيثم.
3
ويمكن أن نعتبر الرواية مسيرة لجيل الكاتب، يتردد فيه بين الولاء لعبد الناصر والموضوعية مع أخطائه، ويتحدث عن أغاني الشباب، ويستخدم إفيهات الأفلام، ويرسم خارطة الثقافة وندوات مجلسها الأعلى. وربما لولا عديد الأسماء المعروفة داخل الرواية لاحتال الكاتب ووزع الزمن بين فترات تاريخية شتى. تعددت الأسباب ودانينوس "بصفته لا بشخصه كما يقول القانونيون" واحد.
ولأن لمبدعنا باعه في فنون أدبية عدة، فقد مزج التخطيط السردي بالوعي المسرحي الذي يتجلى في كسر الإيهام وهدم الحائط الرابع بينه وبين القارئ، ليؤكد أنه يصنع له رؤية يرشده إلى نقطة هجومها وينبهه إلى انعطافاتها، ولا يترك له فرصة التعامل مع الأحداث أو الشخصيات بوصفها خيالية، فيؤكد مرارًا أنها حقيقية وأنها مستوحاة من أحداث حقيقية، ليقيم جدلًا بين أسبقية الخيال على الحقيقة أم جدارة الحقيقة بالتفوق على الخيال، وهو ما تفاجئنا به الحياة سواء على صعيد الحلم الخالص، أو التاريخ المفاجئ.
وتتعدد في الرواية مظاهر البطولة، وتتباين مداخلها بين دانينوس الأب والجد، فيؤكد على قيمة جده وإن اختلف التوجه والمشارب. فللبطولة وجوه كثيرة، ولفهم التاريخ والوعي به مداخل عدة، وليس الأمر في البعد المعرفي قاصرًا على المعرفة التاريخية والتخطيط الجيد لدرامية الرواية لتخرج عن حد التذكر أو الاستعادة والتوقف عند السطح البائس للتاريخ، ولكن تطفر بعض المعارف الفنية المؤنسة بديلًا عن جفاف التاريخ وحدة خلافاته، فتبدو لافتة الغلاف "منقولة عن أحداث واقعية" مراوغة وسط اهتمام بتوسعة مفهوم الحدث، واهتمام بعشق الأبطال، وحكايات محبيهم، وسفرهم، وموسيقاهم، وسياراتهم، وحتى اختيار أبسط الأمور.
فإذا أضفت إلى الوعي الدرامي والتخطيط السردي ما يجتاح الرواية من شاعرية لغتها، بانت "الخلطة" شديدة التشويق. والرواية غائرة الطموح حين تقاتل على جبهات كثيرة، حتى يمكننا الزعم بأنه كان من الممكن تعميق بعض حكاياتها الفرعية لتكون رواية مستقلة، ولعل الحدس يتحقق في قابل روايات السمري إن عاود الاستجابة إلى نداهة الرواية.
4
تتردد اللغة بين الانحياز للصحافة والحنين إلى الشاعرية، بما أدخل أجواء مدهشة لم تتورط في تناقض، وإنما تكاملت وتعاضدت، ولم تنس مزج الأحلام بالحقيقة والوثائق بالحكايا الفرعية، والشخصيات التي سمعت بها بالشخصيات التي يراودك عنها دون إفصاح، فضلًا عن شغلك بتخمين بعضها مستغلًا ولع التيار السائد باستثمار الجانب السيري حال كتابة الرواية.
وخلافًا لتيار سائد من الروايات، تفرد "لعنة الخواجة" مساحة كبيرة للحوار، وتمزج السرد بالحوار الكثيف، وربما يسهل ذلك - فضلًا عن عوامل أخرى - نقلها إلى الثقافة المرئية. وجاء عزوفه عن استمراء السرد كما هي عادة الروايات المعاصرة، وكان خلط السرد بالحوار وسيلة لتشخيص دانينوس من لحم ودم، لئلا يظن القارئ المتعجل أن في الأمر شيئًا من تحكم اللاوعي، وبخاصة مع تجسيد اللاوعي في الضمير/ مدحت، وما وراء الطبيعة/ الشيخ فورة.
يريد المؤلف أن لا نتعامل مع دانينوس بوصفه شخصية من ورق، ولكنه حاضر بصوته وحواره ووثائقه ووقوفه في خلفية الأحداث الواقعية، كما تصفها الرواية في استلهامها المعلن.
ولعل جنوحه إلى الحوار يعود إلى ذائقته المسرحية السالفة، غير أن ذلك لا يخفي براعته في السرد للإيحاء بما لا يقدر الحوار على حمله، ومن ذلك ص219 وحديثه عن ارتباطه بالمتحف، فنحن - دراميًا - نرسم صورة الشخصية وهي تتحدث في موضوع آخر.
ويقصر فعل المناجاة على الذات الساردة، ومونولوجه الداخلي مع ضميره "مدحت"؛ فالرواية مكتوبة في داخله قبل أن تخرج إلى النور، تمامًا كمشروع السد العالي الذي احتل نفس دانينوس يطارده ليل نهار.
وبعض الحكايات الجانبية يمكن أن توضع في هذا الإطار العام، ومنها حكايته مع "لونا" التي يصر دائمًا على أن يغني لها أغنية يمزج فيها العربية بالإنجليزية بالفرنسية، فيبدو وكأن هذه الشخصية مثله جماع لعدد من الحضارات المختلفة.
وكان الحوار طريقته لاستحضار التاريخ والتعامل معه وكأنه جزء من الحاضر، على الرغم من أنه يمزج عددًا من الأزمنة، لكن يظل متحيزًا للحاضر أو المستقبل لديه أثيرًا، فلا يلجأ إلى الحكي فيتحايل للهروب من الماضي بالحوار، وإنما التعامل معه يستشرف المستقبل ويتحايل على الماضي.
ولم يكن من باب العبث أو الاحتفاء بالتفاصيل أن يتعرض لكثير من الاختبارات والتقاطعات مع مناهضي فكرته، لكن حسم المسألة في لا وعيه كان أكثر قدرة على تجاوز العقبات.
لقد أعرض وائل السمري عن كتابة تحقيق صحفي يكشف فيه عن اكتشافه التاريخي، ويبزغ المبدع المتحدي ربما لجدارة وثائق دانينوس، مهتزًا بإيمانه بالسد العالي. وإذا كان تلقي العمل الأدبي جزءًا من تكوينه، وواحدًا من مصادقاته الداخلية، فإن الصوت الفردي قد يتغلب، والنجاة من هالات الفنية - الزائفة أحيانًا - قد يتراجع أمام ضخامة الحدث، والتأليف الفردي - كالنجاة الفردية - وقد جاءت نجاة بطلنا وخلاصه الروحي في الورق، ربما يكون صوتًا فرديًا، ولكنه يقود جهدًا وتخطيطًا واندماجًا في العمل ليكون الواحد جوقة ليست كالجوقة.
















0 تعليق