حسين السيد يكتب: قصة وضاح اليمن وأم البنين بين الصدق والافتراء (2)

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

إذا ذكر "وضاح اليمن" لصقت به "أم البنين"، حتى يمكنك الجزم بأنه لا يخلو كتاب يتحدث عنه من قصة الصندوق التى سبق ذكرها، ويعد محمد بن حبيب البغدادى المتوفى 245 هـ من أوائل الذين أشاروا إليها فى كتابه "أسماء المغتالين من الأشراف فى الجاهلية والإسلام"، ومن بعده البلاذرى المتوفى 279 هـ فى كتابه "أنساب الأشراف"، ثم يأتى أبو الفرج الأصفهانى المتوفى 356 هـ الذى أفرد لوضاح اليمن فى كتابه "الأغانى" فصلا كبيرا، كذلك أبو منصور الثعالبى المتوفى 429 هـ فى كتابه "ثمار القلوب فى المضاف والمنسوب"، وتبعه  ابن السراج البغدادى المتوفى 500 هـ فى كتابه "مصارع العشاق"، وهنا يختلف ابن السراج عن الآخرين فى أنه جعل زوج "أم البنين" يزيد بن عبدالملك بن مروان، وليس الوليد بن عبدالملك كما هو معروف وسائد، ويأتى ابن خلِّكان المتوفى 681 هـ فى كتابه "وفيات الأعيان"، وتبعه ابن شاكر الكتبى المتوفى 764 هـ فى كتابه "فوات الوفيات"، وأشار إليها صاحب "النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة"، وفيها حدد ابن تغرى بردى السنة التى مات فيها وضاح وهى سنة ثلاثة وتسعين هجرية، كما ذكر القصة أيضا داود الأنطاكى صاحب "تزيين الأسواق فى أخبار العشاق"، ولا أريد حصر كل الكتب التى أوردت القصة، فإن هذا سيطول ويطول، ويكفى ما أثبتُّه، فهو يغنى عن الباقى.

إن العقل يأبى أن يسلم بقصة عشق أم البنين وضاحًا، ذلك لأنها وضعت فى العصر العباسى، أى بعد انتهاء دولة بنى أمية، ما يعنى أن للسياسة دورا فيها، وكل حاقدى بنى أمية سيحاولون تشويه صورتهم، ومن المعلوم أنه بعد انتقال المُلْك من ملَك إلى ملَك آخر، أو من رئيس إلى آخر، فإن الآخر يحاول تشويه صورة سلفه، فيتهمه بأبشع الاتهامات ليس عن طريقه وإنما عن طريق آخرين يتطوعون لتشويه صورة من سبقه، وما زلت أذكر الحملة الشرسة الممنهجة للنيل من جمال عبدالناصر، ومن ذلك زعموا أنهم يبحثون عن كتاب مجهول لعباس محمود العقاد ألفه فى حقبة عبدالناصر، ويتعرض لحكمه بالنقد، رغم أن العقاد لم يؤلف شيئا عن مساوئ عبدالناصر إطلاقا، وكذلك كارهو حكم عبدالناصر من الإقطاعيين والمستفيدين من العهد البائد سيطعنون فيه، ومن ثم فلا يؤخذ بحكمهم عليه، وكذلك الحكم على الملك فاروق، والحكم على الرئيس مبارك فى عهد الإخوان. ومن ثم، فإن السياسة تؤدى دورا خطيرا فى الحكم على الأشخاص، وما يؤيد هذه النظرة ما ذكره أبو الفرج الأصفهانى نفسه فى كتابه، فيقول: "فوقع بين رجل من زنادقة الشُّعوبية وبين رجل من ولد الوليد فخارٌ خرجَا فيه إلى أن أغلظا المُسابَّة، وذلك فى دولة بنى العباس، فوضع الشُّعوبى عليهم كتابا زعم أن أم البنين عشقت وضاحا، فكانت تدخله صندوقا عندها.. هكذا ذكر خالد ابن كلثوم والزبير بن بكار جميعا".

انتبه إلى هذه الحقيقة الدكتور طه حسين، ووقف عندها، ووفَّاها حقها، فقد نشر مقالا فى جريدة "السياسة"، سنة 1924 بعنوان: "عودة إلى الغزلين.. وضاح اليمن"، تجده فى كتابه "حديث الأربعاء"، الجزء الأول، وفى بداية مقاله يؤكد أنه "من العسير حقّا أن نقطع بشىءٍ فى أمر هذا الشاعر: أوجد أم لم يوجد؟ أقال هذا الشعر أم لم يقله؟ أوقعت له هذه الأخبار أم لم تقع؟ مسائل عسيرة ولكن حلها ليس مستحيلا".

شك الدكتور طه حسين فى وجود هذا الشاعر أصلا؛ لأن كل ما يتعلق بوضاح فيه شك واختلاط، فشك فى اسمه ونسبه وعشيقته الأولى كما وضحنا فى الجزء الأول، لينتهى إلى أن "كل هذا الاضطراب لا يحمل على الاطمئنان إلى وجود وضاح"، ثم يذهب إلى أن العصبية أيضا هى السبب فى خلق شخصية وضاح، ذلك لأن العصبية بين المضريين واليمانيين كانت شديدة وقتها، فلما كان الغزلون أكثرهم من مضر كان على اليمانية أن تبنى لنفسها مجدا عن طريق الزعم بوجود شعراء لها فى الغزل يضاهون شعراء مضر، ومن ثم اخترعت شاعرا اسمه وضاح اليمن، ويتضح هذا من سهولة شعر وضاح الذى لا يعبر كما يقول طه حسين عن طبيعة القرن الأول الهجرى.

فى نهاية مقاله، يحسم طه حسين أمر وضاح فيقول: "فأنت ترى أمر وضاح هذا كله نكر فى نكر؛ فشخصه موضوع شك وشعره منحول، وأخباره متكلفة، ومع ذلك فنحن نجد فى شعره شيئا لا يخلو من جودة، وأنا أوصيك باللاميتين اللتين مدح بهما الوليد".

إذن يشك طه حسين أصلا فى وجود شاعر اسمه وضاح، وأن السياسة والعصبية لهما دور كبير فى اختراع هذا الشاعر، وبالنسبة لقصة الصندوق فإنه – طه حسين- يرى أنها موضوعة، ولا تستحق أن نقف عندها، فيقول بعد أن تطرق إليها "وأكبر الظن أن هذه القصة موضوعة كلها، ولكنها فى نفسها جيدة مؤثرة صالحة كما قلت لأن تكون موضوع مأساة موسيقية".

هذا هو طه حسين الذى عهدناه، بحاسته النقدية يرفض هذه القصة رفضا تاما، بل يرفض وجود الشاعر نفسه، وإن كنت أوافقه على رفض القصة فإننى أختلف معه فى نكران الشاعر، فهناك دلائل تؤكد وجود شاعر اسمه وضاح اليمن، ومنها مثلا كلام الجاحظ الذى استشهدنا به نهاية الجزء الأول.

ومن أسباب رفضى أيضا لقصة العشق بين أم البنين ووضاح، أن أم البنين هى أخت الخليفة الأموى الزاهد عمر بن عبدالعزيز، فتربيتها لا يمكن أن تسمح بهذا العبث الذى تناقله الرواة، فكيف تقبل أن تستقبل رجلا، ولو كان شاعرا جميلا، فى مخدعها؟! وماذا كانا يفعلان وحدهما طوال الليل؟! هل كان يعظها؟ أم كانا يرتكبان الفاحشة؟ ما أعلمه أن وجود رجل مع امرأة وحدهما فإن الشيطان ثالثهما، ومن المحال أن ترتكب ابنة عبدالعزيز بن مروان مثل هذه السخافات، كيف تفعل هذا وهى التى تابت من قبلة كانت سببها، فيروى ابن قدامة المقدسى المتوفى 620 هـ فى كتابه "التوابين" توبة أم البنين، فيقول بعد أن روى إسناده: " دخلت عزة صاحبة كُثير على أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر فقالتلها: يا عزة! ما معنى قول كثير:

قضَى كلُّ ذِى دَينٍ علمتُ غريمَه  وعزةُ ممطولٌ مُعنّى غريمُها

ما هذا الدَّين الذى يذكره؟ قالت: أعفينى، قالت: لا بد من إعلامك إياى، فقالت: عزة كنت وعدته قبلة، فأتانى لينتجزها (ليقضيها)، فتحرجتُ عليه، ولم أفِ له.

فقالت لها أم البنين: أنجزيها منه، وعلى إثمها.

ثم راجعت نفسها فاستغفرت الله، وأعتقت لكلمتها هذه أربعين رقبة.

وكانت إذا ذكرت ذلك بكت حتى تبلَّ خمارها، وتقول: يا ليتنى خرس لسانى عندما تكلمت بها! وتعبدتْ عبادة ذُكرت بها فى عصرها من شدة اجتهادها.

وكانت كل جمعة تحمل على فرس فى سبيل الله، وكانت تبعث إلى نسوة عابدات يجتمعن عندها ويتحدثن، فتقول: أحب حديثكن، فإذا قمت إلى صلاتى لهوت عنكن.

وكانت تقول: البخيل كل البخيل من بخل على نفسه بالجنة، وتقول أيضا: جُعِلَ لكل إنسان نهمة فى شىء، وجُعِلت نهمتى فى البذل والإعطاء، والله للعطية والصلة والمواصلة فى الله، أحب إلى من الطعام الطيب على الجوع، والشراب البارد على الظمأ، وهل ينال الخير إلا بالاصطناع؟
تبكى أم البنين من أجل أنها سمحت أن يقبل كثيرُ عزةَ ولا تبكى وهى توافق على أن يبيت رجل غريب عنها فى مخدعها؟! ولها قصة مشهورة مع الحجاج بن يوسف وهو يتباهى بقتله عبدالله بن الزبير، كما أن ابنها عبدالعزيز بن الوليد كان مرشحا لتولى الخلافة بعد أبيه لصلاحه وتقواه، لكن وفاة أبيه عجلت بانتقالها إلى أخيه سليمان بن عبدالملك، والكتب تفيض فى الثناء عليها والإشادة بعلمها وزهدها وتقواها، ولا غرو فى ذلك فهى أخت عمر بن عبدالعزيز.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق