زعيم من الخليفة.. رحلة فى حى صنع ضحكة عادل إمام وملامحه الشعبية

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى زمنٍ يموج بالهتافات، وتفوح منه رائحة الحلم الكبير، زمن كانت الأحلام تصنع بالكلمات والأفكار، ويصوغ ملامحه شعراء عظام، وأسطوات كتابة، وصحفيون ومذيعون ومطربون وملحنون وممثلون، كانت أحلام الاستقلال تسيطر على المناخ العام، فى أحضان نهضة فكرية وثقافية وفنية لم تعش البلاد مثلها، وبينما يلوح فجر جديد فى الأفق كحلمٍ جماعى لشعبٍ كامل يحاول أن يعيد تعريف نفسه بعد عقود طويلة من الاحتلال والانكسار. فى هذا الزمان، وفى حى شعبى عتيق، ولد الزعيم.

داخل بيئة شعبية مزدحمة بأبناء الطبقة المتوسطة وأحلامها البسيطة، وبالتحديد 17 مايو 1940، فى حى الخليفة، وعلى بعد خطوات من مسجد السلطان حسن العريق، وُلد عادل إمام فى أسرة وحى لم يكن أحد فيهم يتخيل أن هذا الطفل النحيل سيصبح يومًا «زعيمًا» للمصريين، ليس زعيمًا سياسيًا على طريقة سعد زغلول بالتأكيد، بل زعيم من نوع آخر؛ التف حوله الناس بمحبة نادرة، حتى صار وجهًا يوميًا، وصوتًا حاضرًا فى ضحكهم وغضبهم وخوفهم وسخريتهم من العالم، ليُتوج زعيمًا للكوميديا المصرية، والفن العربى كله.

من هذا الحي الشعبي، خرج عادل إمام محمّلًا بأحلام طبقته، معبرًا عن الناس الذين نادرًا ما كانوا يرون أنفسهم أبطالًا على الشاشة، ملايين ظلوا منسيين ومهمشين قبل ظهوره، فكان البطل السينمائي في البداية ينتمي لطبقة أرستقراطية؛ شابًا أنيقًا، مترفًا، بعيدًا عن ملامح الناس الحقيقية، كأن السينما تخص عالمًا آخر لا يشبه أغلب العوام من المصريين. لكن عادل إمام الذي جاء من روح حى الخليفة؛ والحارات القديمة، والوجوه المرهقة التي تضحك رغم التعب، بدا وكأنه واحدا منهم لا نجمًا هبط عليهم من عالم بعيد.

في حضوره، رأى العامل والصنايعي والموظف البسيط أنفسهم للمرة الأولى داخل هيئة «النجم». ربما لم يكن يمتلك المواصفات التقليدية للبطولة؛ ولا الوسامة المعتادة، ولا الطول الفارع، لكنه امتلك ما هو أندر وأبقى؛ كاريزما تجعل العادي استثنائيًا، وتجعل الجمهور يشعر أن هذا الرجل يشبهه ويعرفه ويتحدث بلغته.

استطاع عادل إمام وأبناء جيله أن يصوغوا معنى جديد للبطل، وأن تتحول صورة البطل من صاحب المواصفات البراقة، (الوسامة والأجساد المثالية المتناسقة والأسنان اللامعة)، إلى الإنسان القريب الذي يشبه الناس، دون أن يفقد وهجه أو حضوره الطاغي، تمامًا مثل الحي الذي خرج منه السيدة زينب والخليفة، تلك الأحياء الشعبية التي جاءت متخمة بالتناقضات، ومحاصرة بتخوم عوالم أكثر أناقة مثل عابدين ووسط البلد وجاردن سيتي، ظهر عادل إمام في السينما بالطريقة نفسها؛ ابن الحارة الذي اقتحم عالم النجومية، ليس ليذوب فيها بحسب، بل ليعيد تشكيل عالمه على صورته هو.

هكذا كان عادل إمام معادلاً بصريًا لناسه وأهله الذي خرج بينهم، حتى شخصياته السينمائية والمسرحية تشبههم تماما، ففي «الواد سيد الشغال»، بدا عادل إمام وكأنه يستعيد روح تلك الحارات القديمة بكل ما فيها من خفة ظل وجدعنة وفطرة شعبية حادة الذكاء. فـ «سيد» لم يكن مجرد خادمًا بسيطًا يدخل قصرًا للأثرياء ويقلب موازينه فحسب، بل كان صورة مكثفة للرجل الشعبي الذي يعرف كيف ينجو بخفة دمه، وكيف يفرض حضوره وسط عالم لا يشبهه. كانت طريقته في الكلام، وتعليقاته السريعة، وحتى مشيته ونظراته، تحمل شيئًا من روح أهالي السيدة زينب والخليفة؛ تلك الروح التي تمزج السخرية بالطيبة، وخفة الظل بالقوة، وتجعل الإنسان البسيط قادرًا دائمًا على مقاومة قسوة الحياة بالضحك.

ربما كان ذلك هو ما دفعنى، بالتزامن مع عيد ميلاد عادل إمام (السادس والثمانين)، إلى محاولة العودة للبداية الأولى؛ والبحث عن المكان الذى خرج منه هذا الرجل، وتشكلت فيه روحه الساخرة وخفة ظله وطريقته الخاصة فى فهم الناس والحياة.

فى البداية كان البحث عن منزل الزعيم عبارة عن رحلة وراء عنوان قديم، ومحاولة لفهم الطفل الذى خرج من حارات السيدة زينب والخليفة البسيطة، وتحول إلى واحد من أكثر الوجوه حضورًا فى الوجدان المصرى والعربى.

حين بدأ البحث عن منزل عادل إمام، بدا الأمر ضربًا من الخيال، فلا يوجد مكان واضح أو عنوان محدد ومدوّن يقول إن «الزعيم» وُلد هنا، بدا الأمر كأنى أطارد أثرًا تائهًا بين أماكن غيّرها الزمن، أو حكاية شعبية صنعها المصريون بكثرة الترديد حتى تحولت، مع الوقت، إلى أسطورة، لا يسأل أحد عن مدى دقتها.

بدأت الرحلة من خلف مسجد عقيلة بنى هاشم السيدة زينب بنت على بن أبى طالب، مخترقًا شوارع وأزقة «بركة الفيل»، وصولًا إلى الحلمية الجديدة، بحثًا عن حارة تُدعى «النظارة»، قيل إنها شهدت مهد الزعيم.

كان الحى يبدو وكأنه صراع مفتوح بين ماضٍ عريق بتراثه المتنوع وحضارته القديمة، وبين واقع حداثى جاف يبدو فى خصومة دائمة مع كل معانى الجمال. بقايا قصور من العصر المملوكى والأسرة العلوية تقف فى مواجهة طوفان من المبانى الأسمنتية الصامتة، التى لا يخرج منها سوى ضجيج الورش والمحال التجارية.

هكذا بدا الحى الذى خرج منه عادل إمام وتشكل فيه وعيه؛ حىٌ يشبهه كثيرًا، ويشبه رحلته نفسها، بما فيها من تحولات وتناقضات ونضج طويل.

المكان عند عادل إمام، ليس مكانًا عاش فيه طفولته فقط، بل جزءًا من تكوينه النفسى والإنسانى والفنى، لذلك ظل حاضرًا فى أعماله دون افتعال أو استعراض، وربما لهذا بدا الوصول إلى الحارة أشبه بمحاولة للبحث عن تلك التفاصيل الصغيرة التى ظلت تسكن أعماله طوال الوقت.

حين وصلت إلى الحارة «النظارة»، سألت بعض الشباب الصغير عما إذا كانوا يعرفون المنزل الذى وُلد فيه الزعيم، لكنهم ظهروا فى حالة دهشة، كأن السؤال يخص زمنًا أقدم من ذاكرتهم بكثير، لم يملكوا إجابة واضحة، قبل أن يشير أحدهم إلى زقاق صغير ربما أجد فيه ضالتى، وفجأة، لاح أمامى محل ابتلع الشارع نصفه بفعل الزمن، حتى بدت ملامحه غير واضحة للمارة إلا من لافتة تحمل اسم «الزعيم»، يزينها صورة عادل إمام من المسرحية الشهيرة التى منحته اللقب الذى لازمه حتى اليوم.

محل الزعيم
محل الزعيم

للحظة، تصورت أننى وصلت أخيرًا إلى المكان المقصود، قبل أن يفاجئنى رجل عجوز بأن الزعيم ليس من مواليد «النظارة» وأنه يسمع أنه وُلد فى مكان يبعد حارتين من هنا.. وبسؤاله عن سر حمل المحل اسم وصورة عادل إمام، لفت إلى أنه اشترى المحل كما هو، وبنفس اسمه الذى أطلق عليه منذ سنوات طويلة، رغم تغيّر نشاطه من محل لألعاب «البلاى ستيشن» إلى نصبة شاى.

وحدها اللافتة بقيت كما هى، كأنها أثر صغير من آثار الخلود الذى التصق بعادل إمام حتى صار اسمه ولقبه شيئًا واحدًا.
فى الحارة التى دلّنى عليها العجوز، بدأت أبحث عن شيوخ أو رجال كبار ربما التقت ذاكرتهم يومًا بعادل إمام، ربما رأوا ذلك الطفل الذى خرج من هذا الحى البسيط ليصبح «الزعيم»، ولم تتأخر الإجابة كثيرًا، بل بدا أن الإجابات نفسها هى أول دليل على الاقتراب من المكان المنشود.

جاءت البداية من شيخ ملتحٍ تبدو عليه ملامح الوقار، كان يضحك وهو يقول: «أيوه.. هو من هنا، وكان بيلعب وهو صغير فى الحارة دي.. بس بيته بالظبط مش فاكره»، ثم اتجه إلى بقالة قديمة، اكتست ببعض مظاهر الحداثة من ثلاجات وفترينات مضيئة، وسأل عجوزًا يجلس بداخلها: «هو بيت عادل إمام فين؟».

قبل أن يجيب الرجل، خرج رجل أربعينى من المكان محاولًا بث بعض الفكاهة، مشيرًا إلى العجوز ضاحكًا: «الراجل ده عادل إمام خد النجومية منه.. كان هيبقى ممثل كبير»، ابتسم العجوز، وكأنه استدعى من ذاكرته زمنًا بعيدًا، وقال بهدوء: «عادل إمام اتولد فى الحارة اللى قدامنا.. حارة الماس»، هكذا بدت روح الدعابة جزءا أصيلا من المكان.

تحركت فورًا نحوها. كانت الحارة عبارة عن ممر متعرج، بانحناءات متصاعدة، كأنه طريق جبلى قديم، اكتسبت اسمها من جامع أثرى يُعرف بـ «الماس» نسبه إلى أمير مملوكى يدعى الماس الحاجب، وأمامه بيوت قديمة تبدو عليها آثار الزمن، وفى نهايتها ورشة صغيرة لمصنوعات بدائية يجلس بداخلها رجل عجوز.

سألته عن منزل الزعيم، وفى تلك اللحظة خرج «عم محمد»، رجل نحيل أسمر يبدو فى العقد السابع من عمره، كأنه خرج فجأة من قلب المكان نفسه، وأشار إلى حارة أخرى ملاصقة لجامع «الماس» من الخلف، قائلا بثقة: «عادل إمام اتولد هنا فى حارة سليمان.. لكن البيت القديم اتهد، وطلع مكانه العمارة الطويلة دى».

أشار بيده إلى برج سكنى مرتفع، بلا أى ملامح جمالية، ولا شىء فيه يوحى بأنه أقيم فوق بيت خرج منه واحد من أهم رموز الفن العربي. لكن صورة الحى الآن وبداخله البرج السكنى الذى احتل مكان منزل الزعيم، لم تكن أبدًا كما كانت وقت ميلاد عادل إمام، فبحسب رواية «عم محمد»، كانت المنطقة فى الأربعينيات لا تزال تحتفظ ببقايا عالم قديم؛ قصور وبيوت كبيرة وآثار طبقة أرستقراطية لم تكن قد اختفت تمامًا بعد، قبل أن تبتلعها لاحقًا التحولات العمرانية والزحف التجارى الذى غيّر ملامح المكان بالكامل.

برج سكني في في منتصف الصورة احتل مكان منزل الزعيم القديم
برج سكني في في منتصف الصورة احتل مكان منزل الزعيم القديم

لذلك بدا عادل إمام وكأنه ابن طبقة تقف فى المنتصف؛ ليس ابن ثراء حقيقى، ولا ابن فقر قاسٍ، بل ابن بيئة شعبية مفتوحة على عوالم وطبقات مختلفة، وهو ما انعكس لاحقًا على حضوره الفنى وقدرته الغريبة على مخاطبة الجميع دون أن يبدو غريبًا عن أى طبقة.

وربما هذا التناقض والتحول الكبير فى المكان يفسره عادل إمام بنفسه، حين تحدث فى أحد لقاءاته التليفزيونية عن طفولته فى حى الخليفة، مؤكدًا أن أسرته مرت أحيانًا بضوائق مالية، لكنهم لم يصلوا يومًا إلى مرحلة العوز، قائلاً ببساطة إن «عينه كانت مليانة»، وهى جملة تبدو كأنها تختصر شخصيته كلها؛ ابن طبقة متوسطة قريبة من الشارع، لا تملك سوى القليل، لكنها تعرف قيمة عزة النفس جيدًا، وربما لهذا ظل عادل إمام، حتى وهو يقترب من صورة النجم الأسطورى، ظل محتفظًا بروح الرجل الشعبى الذى يعرف الناس جيدًا ويشبههم.

ظل «عم محمد» يستطرد فى حديثه، وبدا واضحًا أن الحارة نفسها لا تزال تتعامل مع عادل إمام باعتباره واحدًا منها، وليس مجرد نجم خرج منها ذات يوم.. كانت حكايات «عم محمد» تنساب وكأنها خارجة لتوّها من الذاكرة، فكلما مر الوقت انهمرت التفاصيل أكثر، وكأن الحديث عن عادل إمام يعيد إليه زمنًا كاملًا وليس سيرة شخص.

كان عم محمد يتحدث بحماس طفولى عن الزعيم، وهنا حاولت استغلال الفرصة وسؤاله عن موقع زاوية الشيخ أحمد التى قيل إنه ولد بالقرب منها، وكانت والدته تعطى النذور عندها، لكن هذا المقام كان غريبًا على الرجل وأغلب من طرحت عليهم السؤال، قبل أن يلوح بالقرب منا مسجد قديم يحمل اسم «عبدالله والست ملك» لكنه يعرف بين الناس باسم «مسجد ملك» ولا يوجد بداخله أى مقامات أو زوايا.

استكمل عم محمد حديثه عن ذكريات المكان وعادل إمام، قائلا: «بيته القديم مبقاش له وجود طبعًا، لكن القهوة اللى كان بيقعد عليها لسه موجودة.. قهوة الجمهورية، ولغاية قبل ما تقفل بسنين قليلة كان بيجى هنا ويزورنا».

قهوة الجمهورية قيل إن الزعيم كان يجلس عليها قديمًا
قهوة الجمهورية قيل إن الزعيم كان يجلس عليها قديمًا

غير أن هذه الرواية، مثلها مثل مكان الحارة واسمها، لم تمر دون تشكيك، عجوز آخر كان يجلس قريبًا قاطع الحديث قائلًا إن صلة الزعيم بالمكان انتهت منذ سنوات الدراسة الثانوية، وإنه لم يعد يزوره كما يقال. وهكذا، بدا عادل إمام، داخل الحارة أقرب إلى أسطورة حيّة؛ تتعدد حوله الروايات، وتختلط فيها الحقيقة بالخيال، حتى وإن بدت كل الحكايات على لسان أصحابها صادقة بما يكفى لتُروى، لكنها جميعًا لا يمكن أن تكون قد حدثت بالطريقة نفسها وفى الوقت نفسه.

00
 
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق