"خُدني على جِناحك يا أثير.. نطير سوا ولاّ نبحّر.. ونملى من الدنيا عينينا.. وشوف فيها على قَدّ من نقدر.."
كان الراديو الصغير رفيق دربي لسنوات. أستيقظ على صوته، وأنام وهو فوق رأسي. أعشق تلك الساعات التي أخلو فيها به كل مساء؛ وفي الشتاء، مع لياليه الطويلة، كنت أحتضنه وأعيش معه.
في السابعة والنصف يأتيني صوت سلوان محمود عبر برنامج قطرات الندى، يرسل إليّ عبر نبراته الرقيقة دفقة حب، توقظني من نومي العميق. أقوم إلى الحمام، وصوته لا يزال يتردد، ثم أرتدي ملابسي وأقف أمام المرآة، فتودعني كلماته: بالسلامة يا حبيبي, وإن تمهلت قليلًا، استمعت إلى صوت المهندس في كلمتين وبس تدق الثامنة، فيقرع أذني صوت نادية صالح في صباح الخير، وكانت وجبة صباحية دسمة لا أملّها.
"الليل جفون للأسرار.. وقلوب عطشى.. وحكايا أشواق ...الليل مدينة كل العشاق"
أما في المساء، فكنت أنتقل بين الإذاعات والأصوات، أعيش بخيالي معهم، أتخيل ملامح كل صوت، وأمنحه درجة كاملة؛ فكأن كل صوت يأخذ عشرة من عشرة. أتابع فاروق شوشة في لغتنا الجميلة، وأصغي إلى نادية صالح في زيارة لمكتبة فلان، وإلى بثينة كامل في اعترافات ليلية، وإلى صلاح سرحان في مسرحياته على موجة البرنامج الثاني… وغيرها من البرامج التي تعلّقت بها.
كانت الإذاعة بالنسبة لي عالمًا مفتوحًا أطلّ منه على حياة حقيقية أفتقدها في عالمي الضيق؛ عالمٍ جامدٍ تقتله الرتابة، وتملؤه أحاديث الغيبة والنميمة. لم يكن هذا الجهاز الصغير مجرد وسيلة، بل كان إمدادًا لنفسي، غذاءً لروحي.
مع الوقت، صحبت هؤلاء جميعًا، وصاروا كأنهم قرناء لا يتركونني ولا أتركهم. أنصت إليهم، أستمع، وأستشيرهم في معضلاتي، والحق أنهم لم يقصّروا تجاهي في نصيحة أو أثر. تعلمت منهم الكثير، وأحاطوني برعاية خفية، وأحسنوا تربيتي.
وحين كنت أستمع إلى المسرحيات العالمية، كانت تنكشف لي حيوات أخرى في بلاد بعيدة، وروائع أدبية صنعتها قرائح فذة. تقبلتها بنهم شديد، وامتلأت امتنانًا لكل ما أتحفونا به من أدب رفيع، يقرّب الإنسان من الإنسان رغم اختلاف البيئات والأمكنة.
هناك، التقيت في خيالي بـ فيودور دوستويفسكي، وألكسندر بوشكين، وألبير كامو، وجورج أورويل، وآرثر ميلر، وويليام شكسبير، وهنريك إبسن… أحببتهم جميعًا، وتخيلتهم في تفاصيل حياتهم، فكان لهم فضل كبير في تكويني العقلي والروحي.
ولا أدري كيف كان يعيش من سبقونا قبل اختراع الراديو! كيف تكون الحياة دون أدب، أو شعر، أو موسيقى؟ كنت أجد في الموسيقى راحة لا توصف حين تشتد بي الحياة، وتثقلني الأحزان، وتغشاني الكوابيس. فإذا أدرت الموجة، واستمعت إلى كلاسيكيات فولفغانغ أماديوس موزارت أو سيمفونيات لودفيغ فان بيتهوفن، انتقلت من عالمي إلى عوالم أخرى؛ عوالم تبسط لي يد الطمأنينة، وتهدّئ أعصابي، وتعيد إليّ توازني.
كانت تلك اللحظات بمثابة شفاء؛ جرعات من الجمال ترفعني فوق مكدرات الحياة، وتلهمني أن هناك ما هو أرقى مما نظنه كل الحياة. كانت تمنحني قوة خفية، تجعلني أقاوم تيار الأيام وعواصف الزمن، فأضرب جذورًا عميقة لا تقتلعها رياح اليأس.
هؤلاء كانوا أصدقائي الذين لا يعرفهم أحد. صداقة روح، وأحاديث عبر الأثير؛ أتلقاها من الهواء، وأبعث إليهم عبره أمنياتي وخواطري، وكل ما يجيش في صدري. لا تحتاج إلا لأنفاس تحملها الرياح لتصل إليهم… من كان منهم على قيد الحياة، أو رحل. كأنها تزورهم في قبورهم، تحمل سلامي، وقبلات حارة، ودعاءً بأن يطيب الله ثراهم أينما كانوا.
















0 تعليق