الدكتور محمود إبراهيم يكتب: مصر وإشكالية الهوية (7)

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

القوة الناعمة المصرية الأزهر نموذجا

تنوعت القوة الناعمة المصرية على مر العصور، وصارت هذه القوة الناعمة عنوانًا للشخصية المصرية وجزءًا من الهوية، وفي مقدمة هذه القوة الناعمة لمصر كان الأزهر، والأزهر منذ إنشائه على يد جوهر الصقلي، القائد العسكري للخليفة المعز لدين الله الفاطمي، صار رمزًا ومنارةً للعلم، رغم أن إنشاء هذا الجامع كان في الأصل لأداء فريضة الصلاة وإقامة الشعائر وفقًا للمذهب الشيعي الإسماعيلي، وبعيدًا عن جوامع أهل السنة في ذلك الوقت، وهي جامع عمرو بن العاص، وجامع العسكر، وجامع أحمد بن طولون.

وكان الخلفاء المعز لدين الله وابنه العزيز بالله يذهبان إلى الأزهر للصلاة بالناس، ويقيمان الخطبة بانتظام، إلى أن قرر الخليفة العزيز بالله أن يحول الجامع الأزهر إلى معهد لتخريج الدعاة حسب المذهب الشيعي الإسماعيلي، وأنشأ مسجدًا جديدًا في شمال العاصمة القاهرة سُمي باسم ابنه الحاكم بأمر الله.

وأصبح الأزهر مكانًا لبث التعاليم الشيعية والفاطمية بصفة عامة ونشرها، وهكذا أصبح الجامع الأزهر واجهةً ورمزًا للدولة، وليس مجرد مسجد تؤدى فيه الصلوات، على أن الأزهر شهد فترة إغلاق على يد الأيوبيين الذين حاولوا محو كل أثر للفاطميين.

واستمر الأزهر معطلًا من إقامة خطبة الجمعة أو الصلاة فيه نحو قرن من الزمان حتى كادت جدرانه تنهار، فلما تولى الحكم الملك الظاهر بيبرس، أحد سلاطين الدولة المملوكية، اهتم بأمر الأزهر، وزاد في بنائه، وشجع التعليم فيه، وأعاد إليه الخطبة والصلاة الجامعة، وسار الأمراء المماليك على سياسة الظاهر بيبرس في توسيع اختصاصاته وإدخال الزيادات المعمارية.

ومنذ إعادة افتتاح الأزهر صار منارةً للعلم وحافظًا للفقه الإسلامي المعتدل والوسطي، ونظرًا للأهمية الكبرى التي أولاها المصريون للأزهر عبر العصور كمؤسسة تعليمية، نجد أن كل حكام مصر، ومنذ تأسيس هذا الجامع في أيام الفاطميين، زادوا فيه وأضافوا إليه، فمنهم من أضاف رواقًا، ومنهم من أضاف مدرسة، مثل الأمير علاء الدين طيبرس الخازندار نقيب الجيوش، وسميت بالمدرسة الطيبرسية، وبناها سنة 709هـ/1309م، وبنى الأمير الطنبغا عبد الواحد المدرسة الأقبغاوية سنة 740هـ/1340م، وشيد الطواشي جوهر القنقبائي، المتوفى عام 844هـ/1440م، مدرسة سميت بالمدرسة الجوهرية وتقع بالقرب من الباب الشمالي للمسجد.

وتعكس مآذن الأزهر هذا الاهتمام من قبل حكام مصر عبر العصور، فمنها مآذن خاصة بالسلطان قايتباي، ومنها مآذن خاصة بالملك الأشرف قنصوه الغوري. وهناك مآذن لعبد الرحمن كتخدا، وإن كانت المآذن الفاطمية قد اندثرت.
وهناك من الحكام من أوقف الغذاء على طلاب الأزهر، مثل الخبز وعصيدة اللحم، مثل السلطان الغوري، ومنهم من تصدق على فقراء المجاورين، ومنهم من أنشأ مطبخًا للجامع بجوار الرواق الذي سُمي باسم رواق الصعايدة المنقطعين لطلب العلم، وهذا الباب اشتهر أيضًا باسم باب الشوربة.

أصبح كل رواق يعرف بالجنسية الوافدة، مثل رواق الشوام، ورواق المغاربة، ورواق الأكراد، ورواق الهنود، ورواق اليمنيين، ورواق الترك، وغيرهم من خارج وداخل مصر.
وأصبح الأزهر أشهر جامع بين جوامع العالم الإسلامي، وأعظم معهد للعلوم الإسلامية تقصده الوفود من جميع أنحاء العالم الإسلامي لتعلم العلم الذي أمرهم به دينهم الحنيف، وأصبح الأزهر مكانًا يجتمع فيه المسلمون مع اختلاف جنسياتهم.

ومن جملة اعتناء الحكومة المصرية بعد ثورة 23 يوليو 1952 بالجامع الأزهر، تحويله إلى جامعة تُدرس العلوم الحديثة، مثل الطب والهندسة والعلوم بمختلف أنواعها، وكذلك العلوم الإنسانية وغيرها، وأصبح هناك العديد من التخصصات النادرة التي يدرسها الأزهر بجوار وظيفته الأساسية، وهي الفقه والشريعة الإسلامية، وهكذا بدأ الأزهر يشكل مؤسسة عالمية على أرض مصرية يتخرج منها طلاب من كل أنحاء العالم الإسلامي، ويقصدها الوافدون من كل أنحاء العالم الإسلامي، فأغدقت الحكومات المصرية المتعاقبة المنح المجانية للدراسة في الأزهر، وقامت ببناء مدينة البعوث الإسلامية لإيواء وإعاشة طلاب الأزهر الوافدين إليه من مختلف أنحاء العالم، وصار من طلاب الأزهر القدامى من تولى زمام الأمور في بلاده، حيث صار منهم حكام.

ولم يكن للأزهر في عصوره الأولى شيخ يتولى أمره، كما هو اليوم، بل كان يرعاه مباشرة الملوك والأمراء، ويدير شؤونه مشايخ المذاهب الأربعة عند أهل السنة ومشايخ الأروقة.
وفي القرن الحادي عشر الهجري رأى ولاة الأمور أن مؤسسة الأزهر أصبحت تستدعي وجود رئيس يراقب الأمور ويدير الشؤون، يكون هذا الرجل بلقب شيخ الجامع الأزهر، ويُنتخب من بين كبار العلماء الممتازين مهما كان مذهبه الديني من مذاهب أهل السنة.

وكما هي العادة، يستمر هذا الشيخ قائمًا بأعماله حتى وفاته، حتى إنه لو كبر هذا الرجل وعجز عن القيام بأعباء منصبه، يستطيع حاكم الدولة أن يأمر بأن تقوم مجموعة من المشايخ بإدارة حركة الجامع بطريقة الوكلاء، أي أنهم يكونون وكلاء عن شيخ الجامع الأزهر الذي يحتفظ بالمشيخة، ويحتفظ بالسلطة الموكولة إليه طيلة حياته.

ومن أهم المشايخ الذين تولوا مشيخة الأزهر "أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخرشي"، وجاء من بعده الشيخ "إبراهيم محمد البرماوي الشافعي"، ثم شيخ الإسلام الشيخ "محمد النشرتي المالكي"، ثم غيرهم من المشايخ، مثل "محمد شنن" المتوفى سنة 1133م، وكان صاحب ثروة طائلة، ترك له أبوه 40 ألف جنيه من الذهب غير الفضة وغير الأملاك الأخرى والأطيان، وهذه الثروة أوقفها فيما بعد على الأزهر حتى مات مدينًا.

على أن العصر الحديث شهد اهتمامًا من الدولة لم يكن هذا الاهتمام قد شهده الأزهر قبل ذلك، فعلى سبيل المثال، مع بداية ثورة يوليو تحول الأزهر كنوع من أنواع القوة الناعمة لمصر، وأدركوا هذا، فحولوا الجامع الأزهر من مجرد مكان لدراسة العلوم الشرعية والفقهية إلى جامعة حديثة بكل المقاييس كما أسلفنا.

وكانت هذه المباني تحتوي على أحدث المعامل وأحدث المختبرات فيما يتعلق بالكليات العلمية، ولكن كان يشترط أن يقضي الطالب الذي سوف يتخصص في التخصصات العلمية الحديثة سنة تعرف باسم السنة التأهيلية، يتعلم فيها العلوم الشرعية وعلوم القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وهكذا أصبح الجامع الأزهر بمنشآته الحديثة وكلياته التي تدرس أحدث العلوم أيضًا ملتقى لعلماء يأتون إليه من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وطلاب يأتون إليه أيضًا، وطالبات يأتين إليه من كافة أنحاء العالم الإسلامي، من إفريقيا وآسيا وأوروبا، للدراسة في الأزهر، سواء الدراسات العلمية البحتة أو الدراسات الشرعية أو الدراسات الإنسانية.

وتوسع الأزهر في الفترة الأخيرة في إدخال علوم تفيد الدعاة في سفرهم وترحالهم، حيث إنه من المعروف أن الأزهر يتحمل مسؤولية الدعوة الإسلامية في معظم العالم الإسلامي، سواء في أوروبا أو في إفريقيا أو في آسيا.

ومن هنا كان لا بد من تزويد الدعاة بالأدوات أو الآليات التي تمكنهم من إيصال صوت ودعوة الإسلام، وإعطائهم الآليات الخاصة بلغات هذه المناطق كلها، فأنشئت مراكز الترجمة ومراكز تعليم اللغات الحديثة واللغات الآسيوية واللغات الإفريقية المختلفة في معاهد الأزهر في العصر الحديث.

هكذا نرى أن الأزهر والدولة، وخاصة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، لم يألوا جهدًا في الدفع بالأزهر في اتجاه التأثير في المحيط الإقليمي والعالمي كقوة مصرية ناعمة.

وهكذا لعب الأزهر دورًا محوريًا في تشكيل ملامح الشخصية المصرية، وأصبح أحد العناوين البارزة لقوتها الناعمة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق