في عالمنا الحاضر، تبدو الدول وكأنها ولايات ضمن دولة كبرى؛ فمصيرها واحد. إذا أصاب جزءٌ منها أذى، امتدّ أثره إلى الباقين. قد تكون الأزمة شديدة على بعض الدول وخفيفة على أخرى، لكنّها في نهاية الأمر مركبٌ واحد؛ فإذا أصاب بعضه عطبٌ أو خرقٌ، فلا جدال في أن السفينة مهددة بالغرق، ومن ثمّ، يجدر بالدول أن تتنافس تنافسًا شريفًا في رسم خطط حضارية وتقدمية، مع تعاونٍ مشترك للنهوض والارتقاء. فهذا وحده ما يعزّز فرص العيش في ظل أمنٍ يسعى إليه الجميع. أمّا أن تنعزل بعض الدول، فلا تفكّر إلا في مصيرها وأمتها بمعزل عن الآخرين، فهذه سياسة جوفاء، لا تدرك طبيعة عالمنا المعاصر، ولا تعرف كيف تُدار الأمور أو تنهض الأمم؛ إذ إن التعثّر في هذه الحالة يصبح حتميًا.
إن الذين يفكّرون بهذه الطريقة إنما يستحضرون عقول القرون الغابرة. وليس الخطر الحقيقي في امتلاك دولة للسلاح وأخرى لا تملكه، بل في منطق استخدامه؛ فحروب الأسلحة الفتّاكة لن تجلب إلا الخراب، ولن يكون مآلها إلا أن تبقى في المخازن حتى تصدأ، أو تتحول إلى خردة يُعاد تدويرها فيما ينفع، ولهذا، فبدلًا من الحروب، ينبغي أن يكون البديل هو المشاركة البنّاءة في بناء عالمٍ جديد، نتعلّم فيه أن مصير البشرية واحد، مهما اختلفت الأجناس والشعوب والألوان. فإلى جانب غرس حبّ الوطن في نفوس الناشئة، يجب أن يُغرس أيضًا حبّ الإنسانية، وأن تُجعل هذه القيمة عقيدة تُدرّس في المدارس إلى جانب اللغة وحروف الهجاء.
إن الأمة التي تنغلق داخل حدودها، وتسعى إلى نهضتها على حساب الآخرين، إنما تقوم على عقيدة زائفة متهالكة، لن تحقق ما ترجوه من رخاء أو تقدم. وإذا ما حدث تعارض بين مصالح الأمم، فلا سبيل إلا التعاون لتفادي الصدام، وتحقيق مصالح مشتركة، ولو اقتضى ذلك تنازلًا جزئيًا من كل طرف. أمّا الحرب، فلا تورث إلا خسائر فادحة، وتخلّف جراحًا قد تستغرق عقودًا لتندمل، ومن هنا، ينبغي إعادة النظر في مفاهيم الوطنية القائمة على العداء للآخرين؛ فهي تزرع في نفوس الأجيال أحقادًا تتوارثها الأجيال. أحبّ وطنك كما تشاء، لكن دون أن يستدعي ذلك كراهية الشعوب الأخرى أو احتقارها، أو التهديد إن كنت قويًا، أو الدعاء عليها إن كنت ضعيفًا.
إن التعالي على الأمم والتفاخر الأجوف يكشف أننا لم نبلغ بعدُ النضج الكافي، ولم نحسن اختيار قادة يمتلكون رؤية إنسانية واعية. فكثير من القادة يسعون إلى إشعال الفتن والتخويف، ظنًا منهم أن ذلك يمنحهم مجدًا أو نفوذًا، بينما هو في الحقيقة وهمٌ زائل، إن طريق السلام يحتاج إلى عقول تدرك قيمته، وتؤمن بأنه لم يعد هناك مجال للحروب. غير أن الجهود المبذولة لتحقيقه لا تزال دون المأمول. فجرائم الحروب اليوم مكشوفة للجميع، حكوماتٍ وشعوبًا، ومن ثمّ فإن السعي إلى السلام يجب أن يكون جهدًا عالميًا تشارك فيه الأمم والشعوب والقادة معًا.
ولو أننا بدأنا بتخفيّض نسبة ضئيلة من الإنفاق على السلاح في كل عقدٍ من الزمن، لأمكن توجيه أموالٍ طائلة نحو ما ينفع البشر: التعليم، وبناء المدارس والجامعات، وتعزيز البحث العلمي، ودعم الدول الساعية إلى النمو. ومع مرور الوقت، يمكن أن يتحول هذا الإنفاق من أدوات الدمار إلى أدوات المعرفة، التي هي الأساس الأول في قيام الحضارة.
إن السباق المحموم نحو التسلّح وصمةٌ في جبين الإنسانية، ويجب أن يتوقف. وإن لم نكن مستعدين لذلك بعد، فلنبدأ بخطوات تدريجية، تلتزم فيها كل دولة بتقليل أعباء التسلّح لصالح التنمية. فالمليارات التي تُهدر في الحروب، لو أُنفقت في البناء والنهوض، لكانت أليق بعقل الإنسان وحضارته.
فالحضارة التي نطمح إليها ليست تلك التي يعيش فيها بعض البشر في رفاهية وإسراف، بينما يرزح آخرون تحت وطأة الفقر والعوز، بل حضارةٌ تليق ببني الإنسان في القرن الحادي والعشرين، وأول ما ينبغي أن نفكر فيه، هو إزاحة الساسة المنافقين، ذوي الضمائر الميتة والنفوس الخربة، واختيار أصحاب الضمائر الحيّة، الذين ينظرون إلى الإنسان كما هو إنسان، لا إلى لونه أو موطنه.
















0 تعليق