الدكتور محمود إبراهيم يكتب: مصر وإشكالية الهوية (2)

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في المقال السابق تعرضنا للعلاقات بين مصر ومحيطها الإفريقي، وفي هذا المقال نعرض لعلاقة مصر وآسيا، ولا شك أن اتصال مصر بالجزيرة العربية بدأ منذ مراحل تاريخية مبكرة، ومنها انتقلت مصر إلى عالم آسيا الرحب الواسع.

وعلاقات مصر الآسيوية كانت في مد وجزر في العصور القديمة؛ ففي عصر الدولة القديمة عاشت مصر ما يقرب من ألف عام تغرد منفردة، باعتبارها الدولة المركزية الوحيدة في العالم المعروف في ذلك الوقت. وفي الدولة الوسطى أصبحت مصر إمبراطورية كبرى توغلت في آسيا الغربية، ثم أتاها الغزو من الشرق الآسيوي فيما يعرف باسم غزو الهكسوس، وثأر أهل مصر لأنفسهم بقيادة أحمس، وتمكن من طرد الهكسوس، وتبدأ الدولة الحديثة، وخلالها بلغت الدولة المصرية أقصى اتساع لها في آسيا، بل في العالم المعروف في ذلك الوقت، والذي كان في مجمله خاضعا للسيطرة المصرية بشكل أو بآخر.

ثم يظهر أخناتون بتصور ديني جديد يمكن اعتباره الأرقى من كافة التصورات الدينية لتلك العصور، ومرت مصر بفترات ضعف تعاقب عليها الغزاة من آشوريين وبابليين وفرس وإغريق.

إلا أن الهوية المصرية استطاعت أن تطبع هؤلاء الغزاة بطابعها المميز، وكانت هذه الأسر الأجنبية تعمل وفقًا لروح الحضارة المصرية ووفقًا للنظرية السياسية المصرية، وكان المعتقد الديني المصري هو المهيمن على الخلفية الفكرية لكل تلك الأسر.

ولم يكن وصول الإسكندر الأكبر إلى مصر نهاية للحضارة المصرية، بل تم إحضار الإسكندر نفسه إلى قدس الأقداس في معبد آمون بسيوة ليتم تكريسه باعتباره ابنا لآمون، كما كان البطالمة يحكمون وفقا لهذه النظرية السياسية وبصفتهم أبناء آمون-رع، كما تم تكريم قيصرون ابن يوليوس قيصر من كليوباترا السابعة باعتباره ابن رع، وهو ما جعل مصر البطلمية امتدادا لمصر الفرعونية، وهكذا احترم الحكام ذوو الأصل الأجنبي العادات والتقاليد المصرية، وعملوا وفقا للنظرية السياسية المصرية، ويمكن القول نفسه على العناصر الإفريقية التي حكمت مصر.

على أن اتصال مصر بالجزيرة العربية مع ظهور الإسلام كان تطورا عميقا، بل وترك آثاره على جوانب الحياة المصرية؛ فقد ظهر الإسلام في الجزيرة العربية، وترتب على ذلك خروج مكثف للقبائل العربية في كل الاتجاهات لنشر الإسلام، وهكذا اتصلت مصر بآسيا من جديد، وتمثل هذا الاتصال في فتح العرب المسلمين لمصر.

وأصبحت مصر جزءا من دولة عربية إسلامية موحدة مركزها الجزيرة العربية، واستطاعت هذه الدولة أن تقضي على القوة العالمية الشرقية متمثلة في الدولة الساسانية التي كانت تسيطر على شرق العالم وتنازع النفوذ مع القوة الغربية الكبرى متمثلة في الدولة البيزنطية، وأصبحت بلاد فارس بعد الفتح العربي جزءا من الدولة الإسلامية، واستطاعت هذه الدولة الجديدة أن تفرض حالة من الانكسار والتقوقع وانحسار النفوذ على الدولة البيزنطية التي كانت بدورها تمثل القوة العالمية الأولى في ذلك الوقت.

أما مصر فقد كانت في ذلك الوقت مستعمرة بيزنطية، وكانت أوضاعها الداخلية شديدة السوء، سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الدينية، مما ساعد على سرعة استجابة أهل مصر للفتح العربي الإسلامي، ورأى أهل مصر في ذلك الوقت في العرب الفاتحين إنقاذا لهم من الاضطهاد البيزنطي، مما جعل أهل مصر من الأقباط يلعبون دورا هاما في مساعدة الجيش العربي بقيادة عمرو بن العاص، وقد جاء هذا الجيش من فلسطين إلى منطقة غزة والعريش ثم الفرما، وسار في اتجاه صحراء مصر الشرقية، واستطاع العرب هزيمة الجيش البيزنطي وتحرير مصر.

وهكذا وجدت صلة قوية لمصر مع آسيا والعالم الآسيوي، وارتبطت مصر مع الجزيرة العربية برباط جديد قوي وهو رباط الإسلام، ولأن مصر بحكم موقعها الجغرافي مهيأة أكثر من غيرها لكي تلعب دورًا إيجابيًا في المحيط الإقليمي الآسيوي، بدأت بالفعل في لعب هذا الدور في مرحلة مبكرة من عمرها كولاية عربية إسلامية تابعة لعاصمة الخلافة الموجودة في المدينة ثم دمشق ثم بغداد.

فعلى الرغم من خضوع مصر للحكم المركزي العربي، إلا أنها لعبت دورا إيجابيا من خلال إمكاناتها الزراعية؛ فقد أمدت الجيوش العربية المحاربة بالتموين اللازم من القمح والشعير، كما انتشر الصناع والحرفيون من أهل مصر في أنحاء الدولة العربية، بل وكانت مصر من أهم قواعد الفتح العربي في إفريقيا؛ فمنها انطلقت الجيوش لفتح بلاد المغرب والأندلس، ومنها انتقلت الجيوش لفتح بلاد النوبة، كما كانت القواعد البحرية المصرية مصدر إزعاج للسيطرة البيزنطية على البحر المتوسط، فقد هزمت القوات البحرية العربية الوليدة الأسطول البيزنطي في موقعة الصواري.

وتأثرت مصر تأثرا عميقا بكل الحركات السياسية والدينية في عاصمة الدولة العربية الإسلامية طيلة عصور الخلفاء الراشدين والعصر الأموي والعباسي، على أن مصر بحكم موقعها الجغرافي وشخصيتها المستقلة ما لبثت أن تركت أثرًا بالغًا في مجرى أحداث التاريخ الإسلامي، وخاصة فيما يتعلق بالتأثير في محيطها الشرقي الآسيوي.

وتمثل ذلك في ظهور دول مستقلة مثل الدولة الطولونية والإخشيدية، وما حققته هذه الدول اعتمادًا على القدرات المصرية من حالة الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي، وكان ذلك سببا أساسيا في أن تخرج مصر عن حدودها الجغرافية وتكون جيشا قويا يؤكد نفوذها، بل ويفرض سيطرتها على بلاد الشام وأجزاء من العراق، وكادت القوات المصرية في ذلك الوقت أن تنجح في دخول عاصمة الخلافة العباسية.

وتأكدت ملامح وهوية الشخصية المصرية في العصور الإسلامية من خلال قيام الدولة الفاطمية التي استطاعت فهم موقع مصر وتكوينها السكاني فهمًا صحيحا، ومن هنا انطلقت هذه الدولة بالنفوذ المصري لتحقق الاستقلال التام، وتؤسس خلافة جديدة مقرها القاهرة، ويمتد نفوذ هذه الدولة وتتعاظم قوتها حتى أصبحت تتألف من مصر والشام والحجاز واليمن وصقلية والمغرب، وشهد هذا العصر انطلاقة قوية في بلورة هوية الشخصية المصرية، وخاصة في مجالات الحياة المختلفة.

ولم يقتصر دور مصر على مجرد تأكيد شخصيتها فحسب، بل قدر لها أن تكون مسئولة عن حماية الدولة العربية الإسلامية ومخزونها الفكري والثقافي، حينما أصبحت درعا يحمي الإسلام ويدفع شر الأعداء عنه، سواء كان ذلك إبان الحملات الصليبية أو في التصدي للأخطار المغولية التي دمرت حواضر دول الشرق الإسلامي في آسيا.

ودافعت مصر وشعبها من خلال موقعها ومواردها عن الدول العربية، بل استطاعت أن تحرر كل بلاد الشام من الاحتلال الصليبي، وإيقاف الزحف المغولي الآسيوي، وهزيمة أطماعه عند عين جالوت، ولا نبالغ أن خريطة العالم كله كانت ستتغير لو أن مصر لم تنجح في التصدي لهذا الغزو الآسيوي، ذلك لأن زحفه لم يكن ينتهي إلا بعد أن يغزو أوروبا كلها من جهة بلاد الشام ومن جهة مصر حتى الغرب مرورا ببلاد الأندلس.

ولم يقتصر النفوذ المصري حدود الشام والحجاز حتى العصر المملوكي، بل امتد إلى أرمينيا، حيث بسط السلطان الظاهر بيبرس وخلفاؤه سلطانهم على بلاد الأرمن، والولايات والإمارات الواقعة شمال الموصل، وبعض مناطق أواسط آسيا الصغرى، واستمر هذا الأمر حتى العصر العثماني.

وكان قدر مصر أن تتصدى للأطماع الأوروبية في جنوب البحر الأحمر وبلاد اليمن، ودارت معارك شرسة بين القوات المصرية والبرتغالية المدعومة من الأحباش للسيطرة على مداخل البحر الأحمر وتهديد التجارة العالمية التي تمر بمصر.
ولم تكن مصر إبان العصر العثماني مجرد ولاية تابعة، بقدر ما كانت لها شخصيتها التي كانت تجعل السلطان العثماني يعتمد عليها لتثبيت أركان حكم الدولة العثمانية والمحافظة عليها وتأديب الخارجين عليها.

وقد تجدد ذلك الإشعاع الثقافي المصري في آسيا في العصر الحديث، عندما وصلت حاميات مصرية إلى الخليج العربي في أيام محمد علي، الذي فرض سلطان مصر على المنطقة أو أجزاء كبيرة منها ما بين 1830-1840.
وخاضت مصر حروبا طويلة لبناء دولة عربية جديدة تضم مصر والشام وجزءا من العراق وتكون مستقلة عن الدولة العثمانية، ويقال إن الفكرة قد جاءت لابن محمد علي، وهو إبراهيم باشا، بناء على اختلاطه بأبناء مصر، أو كما كان يطلق عليهم "أولاد العرب"، وخاصة العسكريين منهم، وهذه الطائفة من الجيش هي التي استطاعت فتح الشام وإبعاد العثمانيين عنه، بل وطاردوا العثمانيين إلى آسيا الصغرى حتى شواطئ البوسفور، وأعاد الجيش المصري لبلاد الشام الشمالية وأعالي العراق، وأعاد لهذه المناطق عروبتها بعد أن الأمل في بعثها قد كاد ينقطع. وتمتع الناس هناك، وفي ظل الحكم المصري، بحرية لم يعرفوها من قبل.

وبعد ثورة 23 يوليو 1952 اتسع مفهوم الشرق الآسيوي بالنسبة لمصر، وتجلى هذا الدور في مؤتمر باندونج الذي شهد اجتماع مصر بالهند والصين وإندونيسيا وغيرها من الدول الآسيوية، وكان هذا بداية لانتقال مركز الثقل من أوروبا إلى آسيا.

وظلت مصر وفية لدورها الآسيوي بعد حركات الاستقلال في جنوب الجزيرة العربية، والتي كان لها دور في احتضان زعماء هذه الحركات الثورية، وكذلك في الاندفاع بكل قوتها لإخراج الاحتلال الإنجليزي منها، ثم مساندة اليمن عسكريًا وثقافيًا واقتصاديًا بكل طاقاتها بعد ثورة اليمن، والتدخل لحماية استقلال الكويت بعد تهديد عبد الكريم قاسم، حاكم العراق، لها، ثم بلغ ذروة هذا الدور في التصدي للتدخل الأجنبي الزاحف إليها، وربما كانت الأحداث التي تمر بها المنطقة سببا في بداية ظهور الجدل حول دور مصر، ومن جهات عدة وبدوافع مختلفة؛ فمنهم من اعتقد، عن جهل أو سوء نية، وبدافع التشكيك في كل شيء، أن دور مصر تآكل أو تراجع، ولكن هذه التصورات ربما لا يقبلها المنطق والعقل في ضوء حجم وثقل الميراث التاريخي لهذا الدور؛ فلا يمكن لمصر أن تغيب عن دورها، لأنها في هذه الحالة تتراجع عن جغرافية موقعها وعن تاريخها وعن التراث الإنساني والحضاري، وعن الضرورات الأمنية ومقتضياتها وفقًا للمصالح المصرية البحتة، وهذا غير ممكن وغير محتمل.

ولكن الدور المصري يوازن نفسه في ضوء الأخطار المحيطة من كافة الجهات، والصدامات التي تزاحمت في المنطقة، وحركة الصراع الدولي سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو حتى العسكري.
وفي ضوء حجم النفوذ الأجنبي والاختراق الأجنبي لحياة الأمة بأسرها، ربما تكون كل هذه العوامل قد جعلت حركة الدور المصري محكومة بالمنطق والعقل، ولكن لم يعنِ ذلك أي تخلي لمصر عن دورها التاريخي الفاعل والإيجابي والمؤثر للتعامل مع التطورات المتلاحقة والمتشابكة والمتناقضة في بعض الأحيان، فمصر تجاهد من أجل ألا تقع المنطقة بأسرها في الفوضى، وتجاهد من أجل صيغة مقبولة للتعايش بين أقطار المنطقة، بعيدا عن خطأ التقدير في الفعل والفكر، وتحاول مصر، قدر استطاعتها، لجم التطرف في التصرف، والذي لا شك سيجعل المنطقة بأسرها رهينة لأطماع من يتربص بها وبخيراتها.

ولا يستطيع أحد أن يتغافل عن هذا الدور، لأنه من ثوابت جغرافية موقعها وتاريخها، فمصر، رغم كل ما يقال، قوة إقليمية مؤثرة فيما حولها، قوة أكبر من مجرد دولة لها خطوط وحدود.
والدور المصري لا ينكره سوى جاحد أو ظالم، ولعل في رحلات رئيسها وقائدها في مناطق الخطر في الخليج والمملكة العربية السعودية، في طائرة مدنية في سماء ممتلئة بالصواريخ والمسيرات والطائرات من كل جانب، ما أثبت للجميع أن مصر لم ولن تفرط في علاقاتها مع الأشقاء في الشرق العربي، وهي معهم لأن أمنهم هو أمنها، ولذا فإنه من الخطأ، بل والخطيئة الكبرى، أن نتعامل مع دور مصر برؤية سطحية وقاصرة ومن زاوية واحدة فقط، لأن مفهوم الدور المصري أكبر وأشمل، تراعي فيه مصر الأمن العربي وضرورات المصلحة القومية.

ولم يكن هذا الدور، ولن يكون، رد فعل طارئا لأزمة طارئة، ولا جهدًا سياسيًا لدولة في مرحلة زمنية عابرة فرضته أحداث أو أزمات حلت بالمنطقة، فتاريخ مصر وقدر مصر هو الذي يملي عليها دورها، وهو نتاج مباشر للجغرافيا والتاريخ منذ الأزل وإلى الأبد، مهما كانت تصورات البعض التي تخلط الأوراق وتشكك في دور مصر وتحكم على هذا الدور من زاوية ضيقة.

فلا يمكن أن تحذف من الشخصية المصرية هويتها العربية، ولا يمكن للشخصية المصرية أن تكون مكتملة الأركان بغير عمقها العربي.

(يتبع)

....

أ.د. محمود إبراهيم حسين أستاذ الآثار والفنون الإسلامية ورئيس قسم الآثار الإسلامية الأسبق بكلية الآثار جامعة القاهرة

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق