الكيان الصهيوني و»أيقنة» الوقائع التاريخية

منذ ساعة

العالم الموسوعي الراحل عبد الوهاب المسيري من المفكرين الذين اهتموا بدراسة الصهيونية واليهودية، وخلص في أبحاثه عن البعد التاريخي والإنساني للمسألة اليهودية أنها لم تكن مسألة عالمية، وإنما كانت متعلقة بيهود شرق أوروبا، خاصة في روسيا، بل لم تكن مشكلتهم وحدهم بمعزل عن بقية المكونات، وإنما كانت جزءا من مشكلة الأقليات في روسيا القيصرية بشكل عام.
على الرغم من ذلك، نجحت الصهيونية في عزل الوقائع التاريخية عن سياقها وتحويل الوقائع التاريخية إلى أيقونات تصبح هي موضوع الحلول، وتمكنت من فرض هذا السياقات المبتورة وتوظيفها لخدمة مصالحها وأهدافها، وهي ظاهرة سماها المسيري «أيقنة الوقائع التاريخية».
هذه الأيقنة دعمت استبداد الرواية الصهيونية والإسرائيلية وبناء حبكتها والوصول إلى تشويه الحقائق، والأدهى من ذلك إجبار المجتمع الدولي على التعامل مع تلك الرواية على أنها حقيقية، بل الأمرّ من ذلك هضم بعض العرب لهذه السردية وتبنيها.
ولدينا مثالان على أيقنة الوقائع التاريخية وبتر الأحداث من سياقها التاريخي والإنساني لدى الصهيونية، وتحويلها إلى روايات غير قابلة للنقاش، تنال الدعم والغطاء الدولي، وتدخل في صلب الخطاب الإسرائيلي في المحافل الدولية.
المثال الأول هو الهولوكوست، الذي يعد ورقة رابحة تستغلها دولة الكيان بتعاملها مع الدول الغربية، وتضغط بها على الحكومات لدعم السياسات الإسرائيلية، أو على الأقل تحييد هذه الحكومات، وعدم إبداء المعارضة للرواية الإسرائيلية المتطرفة.

نجحت الصهيونية في عزل الوقائع التاريخية عن سياقها وتحويل الوقائع التاريخية إلى أيقونات تصبح هي موضوع الحلول، وتمكنت من فرض السياقات المبتورة وتوظيفها لخدمة مصالحها وأهدافها

في السياق الإنساني والزمني الواسع تعتبر جرائم الإبادة الجماعية – دينية أو عرقية – على كثرتها صفحات سود في التاريخ البشري، يتم استدعاؤها من وقت لآخر كماضٍ مؤلم، من دون أن يترتب على هذا الاستحضار تغيير على أرض الواقع، كما حدث في الإبادة الجماعية التي نفذتها الحضارة الغربية بحق السكان الأصليين في الأمريكتين.
لكن الصهاينة قاموا باقتطاع الهولوكوست من التماثل والتشابه، وتعاملوا معه على أنه لم يحدث في التاريخ إلا بحقهم وحدهم، وأنه على العالم بأسره تحمل تبعات المحرقة ودفع ثمنها، علما بأن الزعيم النازي هتلر قتل من الشيوعيين والغجر أكثر مما قتل من اليهود.
وبهذا الاجتزاء قام الصهاينة بمواجهة العالم عن طريق طلبات التعويضات الضخمة، وادعوا المظلومية وأن العالم بأسره يكرههم ويتآمر عليهم، فصار لِزاما على كل من ينفي عن نفسه تلك التهمة، أن يثبت براءته عن طريق التعويضات والتجاوز عن محاسبة اليهود بأي قوانين دولية أو محلية.
حتى الأمم المتحدة كهيئة دولية، كان عليها أن تنفي عن نفسها التهمة، فعندما أقيم في تل أبيب معرض عن الهولوكوست عام 2005، دعت الحكومة الإسرائيلية الآلاف من الشخصيات الفكرية والسياسية والفنية، فكان ممن لبّوا هذه الدعوة كوفي أنان الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة.
غدا الهولوكوست محفورا في ذاكرة العالم، الذي يتجاهل الإبادة التي يرتكبها الإسرائيليون بحق الفلسطينيين أصحاب الأرض منذ عقود، لأن الصهيونية نجحت في إجبار المجتمع الدولي على التعامل مع الهولوكوست وفقا لهوى السياسة الإسرائيلية، وليس باعتبار مراعاة البعد الإنساني الذي يظهر في تناول جرائم الإبادة الأخرى.
الصهاينة وظفوا الهولوكوست جيدا لخدمة تهمة معاداة السامية، فكل من يتناوله بالتشكيك يُرمى بهذه التهمة، وربما حوكم بسببها، فالمفكر الفرنسي روجيه غارودي لاحقته فرنسا واتهمته بمعاداة السامية، وسجنته وصادرت كتبه، فقط لأنه شكّك في عدد ضحايا المحرقة، حيث قال إن عدد القتلى يتراوح بين 900 ألف إلى مليون ومائتي ألف وليس كما يقول الصهاينة بأنهم ستة ملايين. الكاتب السويدي رينيه لويس عاقبه القضاء السويدي بالسجن 17 عاما لتشكيكه في عدد ضحايا المحرقة. الكاتب البلجيكي فيريبكيه، اعتُقل في هولندا لتشكيكه فيما تُدرّسه المدارس الأوروبية من مُذكّرات عن المحرقة. عام 2005 كذلك قامت أمريكا بترحيل الكيميائي الألماني جيرمان رودلف لإعداده بحثا يقول فيه إن نوعية الغاز الذي تحدث الصهاينة أنه قد استخدمه هتلر ضدهم في أفران الغاز، ليس موجودا على الحقيقة بالخواص التي ذكروها، فسُجن لما يزيد عن عام.
المثال الآخر على النهج الصهيوني في أيقنة الوقائع التاريخية، هو ادعاء الحق التاريخي والديني في فلسطين، من خلال الترويج لأقدمية السكنى وإثبات الوجود اليهودي في بعض حقب التاريخ الفلسطيني، وإبراز أي أثر يهودي في فلسطين على أنه إثبات لحقهم في أرض فلسطين.
الحقائق التاريخية الثابتة أن اليهود حكموا أجزاء من فلسطين، وليس كلها لمدة أربعة قرون فقط، والوجود العربي المتمثل في الكنعانيين يسبق مملكة داود بحوالي ألف وخمسمائة عام، واستمر وجود العرب أثناءها وبعد انقطاع صلة اليهود بها. هذا إن سلمنا لمزاعم الإسرائيليين بأنهم من نسل إسرائيل (يعقوب)، فكثير من المؤرخين الغربيين، أثبتوا أن يهود اليوم لا نسبة لهم لبني إسرائيل، الذين بعث إليهم موسى، وليسوا من سلالة إبراهيم، ومن هؤلاء العالم اليهودي فردريك هيرتس في كتاب «الجنس والحضارة»، وأوجين بتار في كتاب «الأجناس والتاريخ».
نجح الصهاينة في اجتزاء هذا الوجود الظرفي اليهودي في فلسطين، لإثبات الحق في هذه الأرض التي يدعون أنهم أصحابها بموجب الهبة الإلهية المزعومة، فهم أصحاب الأرض لا ينازعهم فيها أحد، وليس هذا خطابا شائعا في أوساط المتدينين والحاخامات والمدارس الدينية فحسب، إنما أصبح من صلب الخطاب السياسي لنتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة، ولم يعد الطرح الديني في قضايا الصراع بعيدا عن الساسة الإسرائيليين.
تمثل هذا النجاح في إيجاد مظلة دولية داعمة لهذا الحق المزعوم، والتعامل مع الادعاءات والرواية الإسرائيلية على أنها حقيقة، وأصبح أكثرهم اعتدالا من يطالب بوجود دولة للفلسطينيين إلى جوار الدولة الإسرائيلية على مبدأ حل الدولتين لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وهو – وإن صار ذروة الطموح العربي – إقرار بحق الصهاينة في هذه الأرض.
المشكلة الأكبر لم تعد في الغطاء الغربي لهذه الأيقنة، وإنما في هضم العقلية العربية لها، وعدم تجاوز كثير من العرب هذه الادعاءات الصهيونية، ما يعني توثيق ما يدعيه العدو وترديد رواياته وبناء المواقف على أساسها، وهي حالة يتلاشى معها الحق الفلسطيني بشكل تراكمي.
أسباب نجاح الكيان الصهيوني في أيقنة الوقائع التاريخية هي ذاتها أسباب بقاء هذه الدولة المزعومة: الدعم الغربي، والغياب العربي.

كاتبة أردنية

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق