أول رئيسة للحكومة في المغرب: من رمزية التعيين إلى تحديات المرحلة

منذ 43 دقيقة

الطاهر الطويل

مع شروع المنصوري في عقد لقاءات تشاورية مكثّفة مع قادة الأحزاب بهدف الوصول إلى رسم ملامح التشكيلة الوزارية المنتظرة، شكّل حدث تعيينها رئيسة للحكومة مادة للعديد من المقالات والتدوينات.

الرباط ـ «القدس العربي»: يُعدّ تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة الحدث الأبرز في المغرب هذه الأيام. ومع الإشادة بهذا القرار الذي اتخذه العاهل المغربي محمد السادس، تطبيقًا لمقتضيات الفصل 47 من دستور 2011 الذي ينصّ على أن الملك يعيّن رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدّر انتخابات أعضاء مجلس النواب، فقد اختلفت القراءات حول آفاق عمل الرئيسة الجديدة للحكومة المغربية، بناءً على التحالفات التي سيقيمها حزبها «الأصالة والمعاصرة» مع أحزاب أخرى فائزة في استحقاق 23 أيلول/سبتمبر المنصرم. كما تُثار التحديات المطروحة على الائتلاف الوزاري المقبل، لتجاوز الإحباطات التي خلّفتها حكومة عزيز أخنوش، بعدما أوشكت ولايتها على الانتهاء.
واللافت للانتباه أنه بالموازاة مع شروع المنصوري في عقد لقاءات تشاورية مكثّفة مع قادة الأحزاب بهدف الوصول إلى رسم ملامح التشكيلة الوزارية المنتظرة، شكّل حدث تعيينها رئيسة للحكومة مادة دسمة للعديد من المقالات والتدوينات التي أسهبت في تحليل أبعاد المنعطف الجديد وغير المسبوق في التاريخ السياسي المغربي.
في هذا السياق، يرى الإعلامي والباحث السياسي عبد الله التورابي أن عمل فاطمة الزهراء المنصوري وجودة حكومتها المرتقبة لن يُقاسا بنوعها وجنسها، بل بأمور ستأتي سريعًا في الأيام والأسابيع المقبلة، وحدّدها أولاً في الأسماء التي ستشكّل الحكومة المقبلة؛ مؤكدًا أن هذه الأسماء من اللازم أن تكون وازنة سياسيًا وذات مصداقية أخلاقية ومشهودًا لها بالعمل وخدمة الصالح العام، وبعيدة كل البعد عن ممارسات شاهدناها في الحكومة السابقة.
أما النقطة الثانية ـ في نظر الباحث المذكور ـ فهي طبيعة التحالف الحكومي وعلى أي قاعدة سيبنى: هل سيكون فقط على قاعدة رقمية محضة أم مبنيًا على الرغبة في خلق حكومة سياسية حقيقية وقوية؟ ثم طرح التورابي في تدوينته أيضا التساؤل عن الخطوات الأولى التي ستتخذها الحكومة في قضايا القدرة الشرائية للمغاربة، وأيضًا في قوانين محاربة الفساد وتضارب المصالح، التي كانت في قلب الانتقادات الموجهة إلى الحكومة السابقة.
وإذا كانت شرفات أفيلال، الوزيرة السابقة والقيادية في حزب «التقدم والاشتراكية»، اعتبرت أن «المرأة المغربية اليوم تنتقل من المشاركة في اتخاذ القرار إلى كتابة صفحة جديدة في تاريخ المغرب الحديث»، فإن بثينة قروري، رئيسة «منتدى الزهراء للمرأة المغربية»، ذهبت إلى القول: «كون التعيين الملكي وقع على امرأة، بغض النظر عن رمزيته، فهو لا يمنحها أي ميزة تفضيلية، لأن المطلوب هو أن تضطلع مؤسسة رئاسة الحكومة بمهامها الدستورية»، ورأت أن هذا التعيين ستكون له دلالة أعمق إن اقترن بإرادة فعلية في محاربة الفساد، وبقدرة على إيجاد حلول ناجعة للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي يعانيها المغاربة، من غلاء المعيشة إلى البطالة وتراجع الخدمات العمومية.
كما أعربت عن أملها في أن تأتي رئيسة الحكومة الجديدة بأسلوب في التدبير يقطع مع تضارب المصالح والإثراء غير المشروع اللذين طبعا التجربة الحكومية السابقة، وأن تجعل من ربط المسؤولية بالمحاسبة والشفافية في تدبير الشأن العام قاعدة لعمل حكومتها. وأكدت أن «نجاح أول امرأة على رأس الحكومة لن يقاس بكونها امرأة، بل بما ستحققه للمغاربة من إنصاف وكرامة وثقة في المؤسسات».
الباحث إدريس الكنبوري يتوقع أن تشكّل رئاسة امرأة للحكومة المغربية لأول مرة تحولاً جديدًا في المواقف السياسية تجاه الحكومة. وقال «الجمعيات النسائية سوف تشهد انقسامًا بين الموقف السياسي من الحكومة والموقف النسوي، وستكون مناصرة للمرأة من باب النوع لا من باب التدبير».
وتابع في تدوينته «في ظلّ الشعبوية التي تطبع المشهدين السياسي والثقافي سوف يوظف البعض وجود امرأة على رأس الحكومة لاستهداف الإسلاميين (حزب العدالة والتنمية)، وسيتم تعويم معارضتهم داخل البرلمان، وسينبعث خطاب للعداء للنزعة الذكورية قويًا، وسيكون حظ الفقه من الهجوم محترما» على حد تعبيره.
وبعدما لاحظ أنه «منذ الآن أصبح البعض يعتبر تعيين المنصوري رئيسة للحكومة انتصارًا للمرأة والقضية النسائية»، أعرب عن توقعاتها في تغيّر المواقف من حزب «الأصالة والمعاصرة» أمام «تأنيث» رئاسة الحكومة، مضيفًا قوله: «سوف يجد الحزب وأنصاره في تعيين امرأة فرصة لتبييضه وتحويله إلى قطب حداثي في المغرب». قبل أن يختم تدوينته بالتأكيد على أن «تعيين امرأة على رأس الحكومة لأول مرة ليس مجرد تعيين وفقًا للدستور، بل يعدّ نقطة بداية لتحول سوسيولوجي وثقافي من الأعلى».
أما الصحافي حسن المولوع فكتب: «سنصفّق للمنصوري إذا جعلت قضايا الأرامل، والمرأة القروية (الريفية) وعاملات المصانع، والمطلّقات اللواتي يواجهن الحياة بدون سند، في صلب اهتمامها». وشدد على أن «حقوق المرأة تبدأ من هؤلاء النساء ومن قضاياهن اليومية، وليست حكرا على الخطابات النسوية».

هل تستطيع امرأة أن تصلح ما عجزت عنه حكومات الرجال؟

وتساءل الباحث الأكاديمي التجاني بولعوالي: «هل تستطيع امرأة أن تصلح ما عجزت عنه حكومات الرجال؟» اعتبر تعيين فاطمة الزهراء المنصوري «ليست مجرد واقعة تتعلق بتغيير اسم في رئاسة الحكومة، بل حدث يحمل دلالات سياسية ورمزية متعددة. فالمغرب، الذي ظلّ يتناوب على رئاسة حكوماته رجال من خلفيات سياسية وفكرية مختلفة، يدخل اليوم تجربة جديدة مع امرأة في موقع سياسي بالغ الحساسية والمسؤولية». وأوضح الباحث نفسه أن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: كيف وصلت امرأة إلى رئاسة الحكومة؟ وإنما أيضا: ماذا يمكن أن تضيف هذه التجربة إلى الحياة السياسية المغربية؟ وهل تستطيع أن تنجح في إدارة هذه المرحلة؟ ليؤكد أن النجاح لا تحدده هوية المسؤول، بقدر ما تحدده قدرته على العمل وحسن التدبير والاستجابة لمطالب المواطنين وتحويل الوعود إلى سياسات ملموسة. «والمرأة، مثل الرجل، يمكن أن تنجح ويمكن أن تخفق؛ والمعيار الحقيقي هو ما تقدمه للمجتمع، لا جنسها».
واستطرد قائلا: «إن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة ينبغي ألا يتحول إلى معركة رمزية بين الحداثة والمحافظة، ولا إلى معركة بين أنصار المرأة وأنصار الرجل. الأهم هو أن ننظر إلى التجربة من زاوية المسؤولية العامة: ماذا ستقدم هذه الحكومة للمغاربة؟ وهل ستنجح في معالجة الملفات التي ظلت تؤرق المجتمع؟».
وكتب الباحث عبد السلام فزازي «أن تكون المنصوري أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة، فذلك يضع مبدأ المناصفة والمساواة أمام اختبار جديد، وأن تتحول المقتضيات الدستورية من نصوص تؤسس للمبدأ إلى ممارسة سياسية تفتح الطريق أمام المرأة المغربية إلى مواقع القرار فهذه خطوة غير مسبوقة في زمن السياسة الحزبية المغربية. ولعل التاريخ سيسجل أنها كانت الأولى، أما الحكم على تجربتها فسنتركه للمستقبل ولما ستقدمه للحكومة وللمغاربة».
من زاوية علم الاجتماع السياسي، يرى الباحث الدكتور مولاي يوسف الوكيلي أن الحدث يحمل دلالة رمزية قوية تتعلق بموقع المرأة داخل الحقل السياسي. وسجل أن النقاش حول المشاركة السياسية للمرأة ظلّ، لعقود، مرتبطًا أساسًا بمؤشرات التمثيل: عدد البرلمانيات، عدد الوزيرات، الحضور داخل المجالس المنتخبة، ونسب المشاركة في الهيئات القيادية. غير أن الوصول إلى رئاسة الحكومة ينقل النقاش من مستوى التمثيل إلى مستوى القيادة. فالفرق كبير ـ كما قال ـ بين أن تكون المرأة ممثلة داخل السلطة، وبين أن تصبح في موقع قيادة السلطة التنفيذية نفسها.
وتابع قائلا إن «التعيين يمنح رئيسة الحكومة شرعية دستورية، والانتماء إلى الحزب المتصدر يمنحها امتدادًا انتخابيًا، كما أن كونها امرأة في موقع رئاسة الحكومة يولّد رأسمالاً رمزيًا مهمًا. لكن استمرار هذه الشرعية سيظلّ مرتبطًا بالقدرة على تحويل هذا الرأسمال الدستوري والسياسي والرمزي إلى نتائج ملموسة. وهنا ينتقل مركز التحليل من سؤال: من يقود الحكومة؟ إلى سؤال أكثر عمقا: كيف ستقود الحكومة؟ وما مدى قدرتها على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية؟».
ويعتقد الباحث الوكيلي أن رئيسة الحكومة الجديدة ستكون أمام تحدٍ مزدوج: تدبير التوازنات السياسية والمؤسسية داخل الأغلبية من جهة، ومن جهة ثانية تحويل البرنامج الحكومي إلى سياسات عمومية قابلة للقياس والتقييم. ويفسّر ذلك بأن الأنظمة السياسية الحديثة قد تمنح الانتخابات والتعيين الشرعية القانونية والسياسية في لحظة الوصول إلى السلطة، لكن شرعية الاستمرار تتأسس أساسا على الأداء والإنجاز والقدرة على الاستجابة لانتظارات المجتمع». وخلص إلى أن «السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة ليس فقط: من أصبحت رئيسة للحكومة؟ بل أساسا: هل سيقود هذا التغيير إلى تحول في نمط ممارسة السلطة التنفيذية، وفي علاقة الحكومة بالمجتمع، وفي مستوى الفعالية والثقة السياسية؟
في السياق ذاته، كتب الإعلامي والباحث محسن بنتاج أن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري يطرح سؤالا أوسع من مسألة التمثيلية، بل إنه سؤال أعمق ببعد تشكيكي، هل تتحول المشاركة النسائية في مواقع القرار من حضور رمزي إلى مشاركة مؤثرة قادرة فعليا على التأثير في صناعة السياسات العمومية، بما فيها القضية النسائية؟
وبعدما ذكّر بأن هذا التعيين يمثل سابقة في تاريخ المغرب، أكد أن القيمة العلمية لهذا التحول لا تقاس بالرمزية وحدها، بل بما سينتج عنه من حضور فعلي للنساء داخل مراكز القرار وفي مختلف مستويات الدولة، وتساءل: هل ستنتبه المنصوري لضرورة تأنيث الحقائب الحكومية بشكل أكبر، أم سيتغلب المحيط السياسي الذكوري على هاته الثورة المجتمعية السياسية؟
وأوضح بنتاج أن المنصوري لا تتولى فقط رئاسة الحكومة، بل أصبحت مطالبة بتشكيل أغلبية حكومية قادرة على ترجمة نتائج الانتخابات إلى برنامج حكومي، ثم تحمل المسؤولية السياسية أمام البرلمان وفق قواعد النظام البرلماني، فهل ستبرز القضية النسائية أكثر بحلول مجتمعية من امرأة تقود فعليا السلطة التنفيذية؟ يتساءل الإعلامي نفسه قبل أن يخلص إلى القول «من الخطأ اختزال الحدث في ثنائية (امرأة/ رجل). السؤال الأعمق هو: ماذا سيضيف انتقال امرأة إلى رئاسة الحكومة إلى ممارسة السلطة التنفيذية، وإلى السياسات العمومية الشمولية بما فيها القضية النسائية؟».

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق