موريتانيا: حملة أمنية تستهدف مدوني الخارج والشرطة تحقق مع سبعة أشخاص والحكومة تتحدث عن شبكة ابتزاز وأموال مشبوهة

منذ ساعة

نواكشوط – عبد الله السيد مولود فال

لم تعد المواجهة بين السلطات الموريتانية ومدونين متسيسين مقيمين في الخارج محصورة في البثوث المباشرة والسجالات السياسية، فقد انتقلت إلى حملة أمنية موسعة لتتبع التحويلات المالية وتوقيف أشخاص داخل البلاد، وسط روايات عن امتداد التحقيقات إلى مصادر المعلومات وقنوات التسريب.
وبين اتهامات الحكومة بوجود شبكة للابتزاز، وتوقعات مدونين بأن يطال الملف شخصيات نافذة، تتشكل قضية تتداخل فيها الأموال والمعلومات والنفوذ، وتضع العلاقة بين حرية النقد والمسؤولية الجنائية أمام اختبار حساس.
وأعلن وزير الثقافة والاتصال، الناطق باسم الحكومة، الحسين ولد مدو، أن السلطات الأمنية أوقفت ستة أشخاص ضمن حملة لتفكيك شبكة تتهمها بالابتزاز المالي، مشيرًا إلى احتمال ارتفاع العدد مع تقدم التحقيقات.
وقال إن الأنشطة محل التحقيق تشمل إنتاج أخبار كاذبة ونشرها، وتجاوزات تستهدف آخرين، وعمليات ممولة تتعلق بالتهديد والابتزاز وشراء الصمت.
وتعتير هذه التصريحات اتهامات أوردتها الحكومة، وليست أحكامًا قضائية بحق الموقوفين.
ومنح التصريح الرسمي القضية توصيفًا يتجاوز الخلاف مع محتوى سياسي معارض، لكنه يترك أسئلة أساسية معلقة: ما الوقائع المحددة المنسوبة إلى كل موقوف؟ وما الصلة بين التحويلات المالية والأفعال المشتبه فيها؟ وكيف ستُميَّز المعاملات العادية عن الأموال التي تقول السلطات إنها مرتبطة بالابتزاز؟
وكانت تقارير إعلامية قد تحدثت عن توقيف مالك وكالة صرافة في نواكشوط وأقارب مدونين بالخارج، على خلفية تتبع تحويلات مالية.
ونُقل عن سيدي ولد اكماش اعتراضه على توقيف شقيقه وشقيقته، وقوله إن شقيقه بعيد عن النشاط السياسي.
ويبرز هذا الاعتراض سؤال المسؤولية الفردية، إذ لا تكفي القرابة، بذاتها، لإثبات المشاركة في الأفعال التي يجري التحقيق فيها.
وفي الجانب المالي، أكدت مصادر صحافية أن إدارة الأمن الوطني حصلت على بيانات تتعلق بآلاف التحويلات، يُشتبه في ارتباط بعضها بمدونين موريتانيين مقيمين خارج البلاد.
وتحدثت الرواية عن مبالغ كبيرة ووجهات متعددة، وعن تحويل مئات الملايين من الأوقية، من دون تحديد ما إذا كانت الأوقية القديمة أم الجديدة، أو نشر مستندات تتيح التحقق من حجم الأموال وطبيعتها.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة؛ فوجود تحويلات مالية، مهما كان حجمها، لا يحدد وحده غرضها أو مشروعيتها.
ويتطلب إثبات ارتباطها بالابتزاز إظهار العلاقة بين الدفع والتهديد، وتحديد الأطراف وأدوارهم، بدل الاكتفاء بالتزامن بين تداول معلومات وانتقال أموال.
وأدخل المدون النشط باب الحضرمي رواية أوسع إلى النقاش، إذ كتب أن عدد الموقوفين تجاوز ثمانية أشخاص، بينهم ملاك صرافات وشخصيات عامة، وتحدث عن تجميد حسابات بنكية ووضع اليد على ملفات وأملاك ذات قيمة كبيرة ومراسلات بين جهات مختلفة.
ولا يتطابق العدد الذي أورده المدون المذكور مع الحصيلة التي أعلنها الناطق الحكومي؛ لذلك لا يمكن اعتماد رقم موحد من دون تحديث رسمي يوضح توقيت الحصيلتين ونطاقهما.
وقال الحضرمي إن المستهدفين ليسوا المدونين وحدهم، بل أيضًا من يمولهم ويزودهم بالمعلومات ويسهل مهامهم من الداخل.
وربط ما وصفه بانخفاض حدة بعض الصفحات وانحسار أخبارها بتمكن الجهات المعنية من الوصول إلى قنوات التسريب؛ غير أن هذا الربط يظل تفسيرًا لصاحب التدوينة، ولا يشكل في ذاته دليلًا على أسباب تغير نشاط الصفحات.
وتنقل روايته مركز الاهتمام من أصحاب البثوث إلى الشبكات التي قد تقف خلف تدفق المعلومات؛ فإذا أثبت التحقيق وجود تمويل مرتبط بأفعال مجرّمة أو تسريب غير مشروع، فإن الملف قد يكشف جانبًا من استخدام المنصات الرقمية في صراعات النفوذ؛ أما توقع المدون أن القضية ستطيح بشخصيات كبيرة، بينها مقربون من السلطة، فيبقى تقديرًا سياسيًا لم تسنده نتائج قضائية معلنة.
ويحضر في خلفية المشهد ثلاثة مدونين بارزين: سيدي ولد اكماش، والحافظ ولد لوبد، وعابدين محمد سالم، الذين تركز بثوثهم السياسية المباشرة على انتقاد نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وأقاربه والمقربين منه، بلغة حادة؛ وقد جعلهم اتساع المتابعة وتداول الوثائق والأخبار جزءًا مؤثرًا من النقاش العام، من دون أن يعني ذكرهم في هذا السياق ثبوت مسؤولية جنائية عليهم.
ويطرح هذا الحضور إشكالية تتجاوز الأشخاص: فحين تصبح البثوث مصدرًا للأخبار السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تزداد الحاجة إلى التحقق من الوثائق، وفهم دوافع من يسربها، وتمييز المعلومات الصحيحة من الروايات الموظفة لتصفية الحسابات؛ وفي المقابل، فإن حدة النقد أو إحراج المسؤولين لا يثبتان وحدهما وجود ابتزاز.
كما أن الحديث عن مصادر داخل دوائر السلطة يحتاج إلى تدقيق مستقل. فاحتمال توظيف التسريبات في تنافس بين مراكز نفوذ يفتح مسارًا للتحليل، لكنه لا يسمح بالجزم بوجود شبكة منظمة، أو اعتبار كل من يمد مدونًا بمعلومة مشاركًا في جريمة؛ فالفاصل هنا هو طبيعة المعلومة وطريقة الحصول عليها واستخدامها، والأدلة المتعلقة بكل حالة.
وفي تدوينته، قال الحضرمي إن تعليمات صدرت بمواصلة التحقيق حتى الإحاطة بالتفاصيل وإطلاع الرأي العام عليها، قبل إحالة الملف إلى العدالة.
وقدّم قراءة داعمة للرئيس الغزواني، معتبرًا أن هدوءه فُهم خطأ على أنه ضعف، وأن التطورات تعكس الحزم؛ وهذه قراءة سياسية لا تقوم مقام إعلان رسمي عن تعليمات الرئيس أو مقاصده.
وتكشف هذه اللغة أن معركة تفسير القضية بدأت قبل اكتمال التحقيق: خطاب يقدمها دفاعًا عن هيبة الدولة، واعتراضات تثير مخاوف بشأن نطاق التوقيفات. وبينهما، ستتوقف مصداقية المسار على وضوح الوقائع، واحترام حقوق الدفاع، وتقديم معلومات دقيقة تمنع تحول الشبهات إلى إدانات متداولة.
وهكذا يفتح «ملف مدوني الخارج» نافذة على علاقة مضطربة بين المال والمعلومة والسلطة، وقد تكشف التحقيقات الجارية أفعالًا تستوجب المحاسبة، كما قد تفرز معاملات لا صلة لها بالاتهامات.
وما سيحدد أثر القضية ليس عدد الأسماء التي تطالها، بل قدرة العدالة على إثبات المسؤوليات الفردية، بما يحمي المتضررين من الابتزاز ويصون حق المجتمع في النقد وكشف التجاوزات.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق