لم يكن تحذير وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بانزلاق العراق نحو «البلقنة»، مجرد ملاحظة عابرة، بل جاء في توقيت بالغ الحساسية، يسبق بأيام معدودة، فترة انتهاء الوجود العسكري للتحالف الدولي المقرر في الثلاثين من سبتمبر/ أيلول، الذي قد يعيد فتح ملف تقسيم بلاد الرافدين، الذي جاءت به إدارة الرئيس السابق جو بايدن.
رسمياً يأتي تحذير وزير الخارجية الأمريكي عند لقائه مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتذكير المسؤولين العراقيين بأهمية الإسراع بالعمل على نزع سلاح الميليشيات الولائية الخارجة عن نطاق الدولة، التي يراها بمثابة الخطر الذي سيعرض العراق إلى «التفتيت»، ومن ثم تحوله إلى كيانات صغيرة متنافسة على أسس عرقية أو دينية، في الوقت الذي تستعد فيه الولايات المتحدة لمغادرة العراق في 30 سبتمبر.
منذ اليوم الأول الذي وطأت فيه قدماها أرض العراق، سعت الولايات المتحدة إلى صياغة مشروع طائفي ومذهبي، عزّزت من خلاله مفهوم المحاصصة الطائفية، وزرع بذور الانقسام في المجتمع العراقي
وعلى الرغم من احتمال تفسير هذا التحذير على أنه مجرد وسيلة ضغط لدفع الحكومة العراقية للإسراع في عملية نزع سلاح الميليشيات، بيد أن رؤية وزير خارجية الولايات المتحدة وتحذيره في احتمال انزلاق العراق نحو «البلقنة» لم تختلف مع رؤية الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، في المطالبة بتقسيم البلاد إلى ثلاثة كيانات عرقية ومذهبية. وتوافقا مع هذه الرؤى لم تجد هذه الطروحات شيئا جديداً إلا الطعن بالعراق وتاريخه والتشكيك بوجوده، محاولين بين حين وآخر الزج بالتشكيك عن هذا الأصل الثابت في التاريخ، ومن ثم إنكار المسؤولية والأسباب على استمرار الأزمة السياسية العراقية، وإلقاء اللوم على قدرة الإنسان العراقي على الحفاظ على إرثه وإخفاء ما كتبته الأحداث عن عملية غزو العراق والسماح لإيران في التأثير على وحدة العراقيين. ولمعرفة الحقيقة عن طبيعة الأهداف السياسية والاقتصادية والعسكرية، التي تم تنفيذها ضمن خطوط الاستراتيجية الأمريكية المرسومة في بلاد الرافدين، وجب على كل من له بصيرة وطنية دراسة الوضع السياسي والاجتماعي للبلاد بعد أكثر من عقدين على غزوه.
سياسيا، ومنذ اليوم الأول الذي وطأت فيه قدماها أرض العراق، سعت الولايات المتحدة إلى صياغة مشروع طائفي ومذهبي، عزّزت من خلاله مفهوم المحاصصة الطائفية، وبالتالي زرع بذور الانقسام في المجتمع العراقي. ومن خلال هذا التقسيم الطائفي أصبح الوجود الأمريكي ـ الإيراني حليفا رئيسيا تتسابق إليه الأحزاب، ويتقاتل من أجله أمراء الطوائف ونخبة العراق الجديدة. ومن خلال هذا التقسيم العرقي والمذهبي عمدت الإدارات الأمريكية إلى إرساء ديمقراطية فيدرالية بين المكونات العراقية، ومن ثم البدء بانسحاب القسم الكبير من قواتها من العراق عام 2011، ما دفع إيران إلى إفشال هذا المشروع، والعمل على ملء الفراغ الناتج عن غياب الدولة التي أسقطها الاحتلال، من خلال سيطرة الأحزاب التابعة لها على المؤسسات الحكومية والعسكرية العراقية، إلى درجة ربط الدولة العراقية ومؤسساتها السيادية والاقتصادية بالحرس الثوري الإيراني، مستغلة تجاهل إدارة باراك أوباما ومن ثم إدارة جو بايدن للدور الإيراني الخبيث في العراق، لظروف ترتبط وتتعلق بإرادة الولايات المتحدة والغرب الأوروبي للوصول إلى اتفاق للملف النووي الإيراني. من هنا، أضحت عملية بناء عراق ديمقراطي مستقر عابر للطوائف والقوميات وحليف لواشنطن، أشبه بحلم لا يمكن تحقيقه، خلافا للمؤشرات في إقليم كردستان الذي استطاع أن يكون الحليف والحارس الأمين الذي يضمن للولايات المتحدة وأوروبا، الحفاظ على مصالحها في مواجهة المد الصيني الذي يدعم إيران. ونتيجة لذلك يبدو أن تحذير وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من احتمال انزلاق العراق نحو «البلقنة»، أشبه باعتراف صريح يكشف حدود الرسالة الأمريكية وأبعادها الحقيقية في استراتيجية الغرب لمستقبل العراق والشرق الأوسط. فالتصريح الذي جاء عقب لقائه مع رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في نيويورك، لم يكشف حقيقة الأسباب الأولية التي قد تدفع البلاد لانزلاق نحو «البلقنة» ناهيك من دور إدارتي أوباما ومن ثم بايدن في السماح لإيران بالتغلغل في العراق، بل يرى في أن هذه الإشكالية ترتبط مباشرة بمصداقية الدولة العراقية والنظام السياسي الجديد الذي فرضته أجندة الإدارات الأمريكية المتعاقبة في العراق على حسم معادلة السلاح بيد الدولة وحدها.
إن استمرارية بقاء العراق في دائرة النفوذ الإيراني، ستصطدم عاجلا أم آجلا بحقيقة الجغرافية السياسية المتغيرة في المنطقة، توافقا مع الواقع المقبل لجيران العراق، بعد أن تنتهي الحاجة من استمرار النظام الطائفي لملء الفراغ الذي خلفه إسقاط الدولة العراقية، الذي كان الخيار المُفضل لإدامة الوجود الأمريكي واستمراره، من خلال كونه الحارس الأمين للنظام الطائفي الذي أوجده هو نفسه. وهنا تكمن قدرة العامل الأمريكي وأهميته كطرف مُنظم، فعال ورئيسي في إبعاد البلاد من الانزلاق نحو «البلقنة» ، ومن ثم رسم خريطة طريق جديدة وتحديد مسارها وفقا للسياقات والظروف المحلية والإقليمية، خصوصا أن رؤية رئيس الوزراء العراقي، عمدت من خلال خطابه الرسمي في البيت الأبيض والأمم المتحدة على التأكيد على وحدة العراق الثابتة النابعة من تاريخه وحضارته، وهذا ما قد يدفع بالتالي الجانب الأمريكي إلى إعادة رؤيته للأمور، عن طريق ترتيب خريطة طريق سياسية عراقية جديدة، تبطل ادعاءات «البلقنة» وتبعد البلاد عن خطورة الانزلاق نحو التفتيت.
كاتب عراقي











0 تعليق