أربع نقاط من مباراتين، بداية بانتصار بثلاثية أمام زامبيا، ثم تعادل مثير للجدل بهدفين لمثلهما أمام بوروندي في بوجمبورا، هي هذه هي الحصيلة الرقمية الأولى لإبراهيم حمداني مع المنتخب الجزائري في تصفيات كأس أمم إفريقيا 2027، وهي حصيلة لا يمكن وصفها بالفشل، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بالاطمئنان الكامل، لأن الأرقام تخفي خلفها منتخبا ظهر بوجهين مختلفين خلال أربعة أيام فقط، ففي تيزي وزو، ظهر “الخضر” بشخصية هجومية وقدرة على العودة بعد التعادل، وفي بوجمبورا، تغير المشهد بصورة كبيرة، حيث تأخر المنتخب الجزائري 2-0، ثم نجح في العودة إلى المباراة وانتزع التعادل 2-2، ليخرج بنقطة ثمينة من ملعب صعب، ويحافظ على صدارته للمجموعة.
الفوز على زامبيا لم يكن مجرد ثلاث نقاط، بل كان مهما جدا للطاقم الفني الجديد الذي كان يخوض أول مباراة رسمية له، بدأها بطريقة مثالية تقريبا، عندما كان متقدما في النتيجة، ثم واجه ردة فعل زامبية أدت إلى التعادل في الشوط الثاني. لكن ما يحسب للخضر أنهم لم ينهاروا بعد اهتزاز شباكهم، بل ردوا بهدفي مازة ثم حاج موسى، وأنهوا المباراة بثلاثية، وسط مؤشرات إيجابية في بداية عهد حمداني، لأنها أظهرت قدرة على التعامل مع لحظة صعبة داخل المباراة بدل فقدان السيطرة عليها، لكن الانتصار لم يكن كاملا من الناحية الفنية، إذ ظهرت بعض النقائص، خصوصا في التعامل مع التحولات والمساحات خاصة في المباراة الثانية.
إذا كانت مباراة زامبيا منحت حمداني بعض الهدوء والثقة، فإن مباراة بوروندي أعادته سريعا إلى مربع الأسئلة، بعد التأخر بهدفين بعد 13 دقيقة فقط ما وضع المنتخب في موقف بالغ الصعوبة، وكشف عن هشاشة دفاعية لا يمكن تجاهلها، خصوصا أن المنتخب كان مطالبا بإدارة المباراة بعيدا عن الضغط الجماهيري في الجزائر، لكن العودة من 0-2 إلى 2-2 تحسب للمنتخب ولشخصية اللاعبين، رغم الاختلالات الدفاعية التي كشفت أن بعض مشاكل المنتخب ليست مرتبطة فقط بتغيير المدرب على غرار الهشاشة الدفاعية الموروثة، اضافة الى الخيارات المثيرة لعلامات الاستفهام، والتغييرات غير الموفقة أثناء سير المباراتين، في انتظار وضوح أسلوب اللعب والخيارات التكتيكية.
من السهل النظر إلى جدول الترتيب والقول إن حمداني جمع أربع نقاط من ست، وهذا صحيح، لكن التحليل الفني لا يتوقف عند النقاط، و هناك فرق كبير بين أن تحصل على أربع نقاط من أداء مقنع ومستقر، وبين أن تحصل عليها بعد مباراة جيدة نسبيا وأخرى عانى فيها المنتخب كثيرا قبل أن ينقذ نفسه، وهنا تكمن أهمية المباراتين، فالفوز على زامبيا والتعادل في بوروندي حصيلة تسمح للمدرب بالاستمرار دون ضغط النتائج المباشر، لكنها في الوقت نفسه كشفت له بوضوح أين توجد المشاكل التي يجب معالجتها، اذ من غير الممكن أن يظل المنتخب يمنح منافسيه أهدافا سهلة أو يدخل المباريات بهذه الدرجة من الارتباك.
الجمهور الجزائري بدأ بالفعل في التعبير عن غضبه من المستوى الدفاعي ومن بعض الاختيارات، كما ظهر في ردود الفعل الواسعة عقب التعادل في بوجمبورا، لكن هنا أيضا يجب الحذر من الأحكام السريعة والنهائية على الطاقم الفني بعد مباراتين فقط، كما لا يمكن اعتبار كل هدف مستقبَل دليلا على أن الحل يكمن في تغيير الأسماء وحدها، لأن المشكلة قد تكون في منظومة الدفاع ككل، وليس في التمركز، الضغط، المسافات بين الخطوط، التعامل مع الكرات الثانية، والتحولات الدفاعية، لذلك يبقى التحدي الأكبر للمدرب حمداني ليس فقط أن يضع تشكيلة جيدة، وإنما أن يصنع منظومة مستقرة، خاصة وأن الفريق القوي لا يكون جيدا عندما تكون الأمور في صالحه فقط، وإنما يظهر مستواه الحقيقي عندما يتلقى ضربة أو يتأخر في النتيجة أو يواجه ضغطًا من المنافس.
من هذه الزاوية، مباراة بوروندي قدمت لحمداني درسا مهما أكثر مما قدمته مباراة زامبيا، لذلك لا ينبغي جلد المدرب، ولا حمايته من النقد بعد مباراتين فقط، نقول اثرها أن حمداني نجح أو فشل ، لكن منح المدرب الوقت لا يعني منحه حصانة من النقد، بل على العكس، النقد الفني ضروري إذا كان مبنيا على ما يحدث داخل الملعب، وليس على موقف مسبق من شخص المدرب أو اختياراته، خاصة في وجود أشياء إيجابية يمكن البناء عليها، وفي المقابل هناك ملفات واضحة تحتاج إلى العمل: الاستقرار الدفاعي، بداية المباريات، إدارة التقدم، التعامل مع الضغط، والتوازن بين الجرأة الهجومية والحماية الدفاعية.
الحكم على حمداني مؤجل، لكن الإنذار وصل، بعد بداية إيجابية رقميا، لكنها غير مكتملة فنيا، كشفت أن الطريق أمام حمداني أطول مما قد توحي به النقاط الأربع.
إعلامي جزائري










0 تعليق