تجميد التفاوض وحوار بشروط.. أيّ مساحة يتركها قاسم للتفاهم مع الدولة؟

منذ 38 دقيقة
جمع الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، في كلمته بمناسبة الذكرى الثانية لاغتيال السيد حسن نصرالله، بين الدعوة إلى تجميد المفاوضات المباشرة مع إسرائيل والعودة إلى التفاوض غير المباشر، وبين إعلان الاستعداد للحوار الداخلي حول حصرية السلاح. غير أنّ العبارتين جاءتا محاطتين بشروط واضحة: مراجعة المسار التفاوضي من جهة، وتحرير الجنوب وعودة الأهالي قبل التفاهم على السلاح من جهة أخرى. بذلك، لم يغلق قاسم بابَي التفاوض والحوار، لكنه اعترض بوضوح على الطريق الذي تسلكه السلطة للوصول إليهما.

 
قد تطغى حدّة هجومه على السلطة على هذه المساحة في الخطاب، فتبدو الكلمة إعلانًا لمزيد من القطيعة. لكنّ التوقف عند مضمونها يكشف خلافًا يتجاوز التصعيد الكلامي، ويتصل بمن يحدد شروط المرحلة المقبلة: هل تدخل الدولة إلى النقاش الداخلي انطلاقًا من قراراتها والتزاماتها، أم يُعاد التفاوض على هذه المنطلقات نفسها قبل البحث في التنفيذ؟ وهل اعتراض الحزب على المفاوضات يتعلق بصيغتها، أم بالنتائج والالتزامات التي يمكن أن تترتب عليها أيضًا؟
 
أهمية هذه الأسئلة أنّها تحدد إمكان تحويل الاستعداد المعلن للحوار إلى مسار فعلي. فالاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة تمنح النقاش إلحاحًا يتجاوز السجال بين الحزب وخصومه، فيما لا يستطيع لبنان انتظار انتهاء الخلاف الداخلي كي يبحث عن وسائل حماية أرضه وسكانه. من هنا، يستحق خطاب الشيخ قاسم أن يُقرأ من زاوية ما يتركه متاحًا للتفاهم، وما يضعه من شروط قد تجعل هذا التفاهم مؤجلًا إلى أن تتغير الوقائع التي يُفترض أن يساعد أصلًا على تغييرها.
 
تغيير صيغة التفاوض أم تغيير قواعده؟
 
في ملف التفاوض، ميّز الشيخ قاسم بين حق رئيس الجمهورية في التفاوض وبين الطريقة التي يُمارَس بها هذا الحق. فقد أقرّ به، مع التشديد، بحسب قوله، على الالتزام بالدستور واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري وعدم التنازل عن حقوق لبنان، ثم دعا إلى تجميد المسار المباشر والعودة إلى المفاوضات غير المباشرة، معتبرًا أنّ الجولات السبع السابقة لم تحقق نتيجة. بهذا المعنى، لا يطرح الخطاب إغلاق المسار الدبلوماسي، بل مراجعة صيغته وما يعتبره الحزب تنازلات رافقته.
 
لكنّ الانتقال من التفاوض المباشر إلى غير المباشر لا يجيب وحده عن المشكلة التي يطرحها الحزب. فوجود وسيط أو تبدّل شكل الجلسات لا يضمنان انسحابًا إسرائيليًا، ولا يحددان تلقائيًا ما يستطيع لبنان تحصيله أو ما سيُطلب منه في المقابل. لذلك، يحتاج الاعتراض على الصيغة إلى استكمال سياسي يوضح عناصر الضغط التي يمكن للدولة استخدامها، والضمانات المطلوبة، وكيفية تحويلها إلى نتائج قابلة للتحقق في ظل استمرار إسرائيل في فرض وقائع ميدانية. من دون ذلك، يبقى تغيير شكل التفاوض أقلّ من أن يشكّل بديلًا مكتملًا للمسار القائم.
 
ويزداد الخلاف تعقيدًا عندما ينتقل من شكل التفاوض إلى تفسير نتائجه. فقاسم استبعد أن يكون أي انسحاب إسرائيلي محتمل ثمرة المسار التفاوضي، وربطه بما سمّاه المقاومة ومذكرة التفاهم، في إشارة إلى المذكرة بين إيران وأميركا التي قال إنها ساهمت في خفض مستوى التصعيد. هنا تصبح المسألة أيضًا خلافًا على مصدر أي إنجاز محتمل: فالسلطة قد ترى في الانسحاب، إذا حصل، دليلًا على جدوى مسارها، فيما يضعه الحزب في رصيد عوامل أخرى. وقد تصعّب هذه المنافسة على تفسير النتيجة بناء موقف مشترك إذا تحول الاعتراف بفاعلية أي أداة، دبلوماسية كانت أم ميدانية، إلى مكسب سياسي لطرف وخسارة للآخر.
 
حوار متاح وشروط تؤجّله
 
ينتقل المنطق نفسه إلى الداخل. فالاستعداد للحوار بشأن حصرية السلاح لا يعني موافقة مسبقة على تسليمه، كما أنّ الدعوة إلى التفاهم لا تعني قبول الحزب بالمنطلقات التي تعتمدها السلطة. وقد اعترض قاسم على الدخول في حوار فيما يُصوَّر الحزب وجمهوره، وفق تعبيره، باعتبارهم خارجين عن القانون. لذلك، يمكن قراءة كلامه باعتباره مطالبة بالاتفاق على شروط الجلوس إلى الطاولة قبل الانتقال إلى الملف الموضوع عليها.
 
تظهر العقدة الأساسية في ترتيب الخطوات. فربط التفاهم على السلاح بتحرير الجنوب وعودة الأهالي يطرح عمليًا سؤالًا عن موقع الحوار نفسه في تحقيق هذين الهدفين. فإذا انتظر النقاش الداخلي اكتمال الانسحاب، فقد يفقد جزءًا من دوره في بناء الموقف اللبناني الذي يفترض أن يواكب مسار استعادة الأرض. وفي المقابل، فإن مطالبة الحزب بالانتقال إلى خطوات حاسمة في ملف السلاح من دون معالجة مخاوف استمرار الاحتلال والاعتداءات لا تكفي وحدها لإنتاج توافق. المساحة الممكنة تقع، بالتالي، في بحث الترتيبات والضمانات منذ الآن، وربط التنفيذ بمراحل واضحة، بدل إبقاء كل طرف منتظرًا من الآخر إتمام خطوته أولًا.
 
ولهذا، فإن اختبار جدية الحوار يحتاج إلى ما يتجاوز تبادل الدعوات إليه. تستطيع السلطة أن توضح كيف تربط بسط سيادتها بحماية الجنوب وتوفير مقومات عودة سكانه، ويستطيع الحزب أن يحدد ما يقبل بمناقشته قبل اكتمال الانسحاب، وما يعتبره ضمانات كافية للانتقال إلى ترتيبات جديدة. لا يتطلب بدء النقاش اتفاقًا مسبقًا على كل نتائجه، لكنه يحتاج إلى قبول بأن حماية البلد وتنظيم القوة فيه ملفان مترابطان، وأن الخلاف على الوسيلة لا يلغي الحاجة إلى التفاهم على المرجعية التي تقرر استخدامها.
 
في المحصلة، يترك خطاب الشيخ قاسم مساحة للتفاهم، لكنها مساحة مشروطة: تفاوض غير مباشر بدل المباشر، وحوار حول حصرية السلاح بعد تحرير الجنوب وعودة الأهالي. المشكلة أنّ هذه الشروط تعيد الخلاف إلى ترتيب الخطوات، بحيث يصبح كل مسار معلقًا على تقدم المسار الآخر. لذلك، لن تُقاس أهمية الدعوة إلى الحوار بمجرد بقائها مفتوحة، بل بقدرة الدولة والحزب على تحويلها إلى مسار يحدد ما يمكن بحثه الآن، وما يرتبط بالانسحاب، وما الضمانات التي تسمح بالانتقال بين المراحل. ومن دون ذلك، يبقى الخلاف قابلًا للاستمرار، فيما يظل الجنوب في قلب كلفة انتظار مسار لبناني يجمع بين استعادة الأرض واستعادة الدولة سلطتها.
✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق