4 أزمات تفتك باللبنانيين.. الشتاء يُطبق على الرواتب

منذ 35 دقيقة

مع اقتراب الشتاء وموسم المدارس، تتقاطع أربع أزمات في آنٍ واحد: محروقات ترتفع كل أسبوع تقريباً، مساعدات دولية تتقلّص، نزوح لم ينتهِ بعد، ورسوم جديدة على مدخلات الإنتاج الزراعي والحيواني. النتيجة: فاتورة غذاء تكبر أسرع من قدرة اللبنانيين على تسديدها.

في الأسواق اللبنانية اليوم، رفوف المحال ليست فارغة. الطماطم موجودة، والدجاج معروض، وأكياس الطحين مرصوصة كما كانت. المشكلة لم تعد في توفّر السلعة، بل في القدرة على شرائها. هذا بالضبط ما يقوله أحدث تحديث لبرنامج الأغذية العالمي عن لبنان: أن أزمة الغذاء في البلد تحوّلت من أزمة "ندرة" إلى أزمة "قدرة شرائية"، وأن الفارق بين الاثنتين هو ما يفسّر لماذا يشعر كل من يدخل السوبرماركت بأن راتبه "يذوب" أسرع من الشهر الذي قبله.

الأرقام التي حدّثها البرنامج عن العام 2026 لا تحتمل كثيراً من التأويل، فتضخم أسعار الغذاء ارتفع 18% خلال سنة واحدة، وبات نحو 1.24 مليون شخص في لبنان، أي ما يقارب واحداً من كل أربعة مواطنين ومقيمين، يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي بين نيسان وآب 2026. الرقم نفسه تقريباً أكّدته تقارير محلية ودولية متتالية منذ الربيع، بعد أن كان عدد الذين يعانون هذا المستوى من الجوع أقل بكثير قبل عام واحد فقط.

وحسب الارقام، فإنّ الحد الأدنى لبقاء أسرة من خمسة أفراد على قيد الحياة، أي طعام وسكن وحاجيات أساسية بلا أي كماليات، يبلغ نحو 563 دولاراً شهرياً. أما المساعدة النقدية التي تصل فعلياً إلى كثير من الأسر الأكثر حاجة، فلا تتجاوز 145 دولاراً في أفضل الحالات.

وقود يشتعل والحرب لم تنطفئ

لا يمكن قراءة غلاء الغذاء بمعزل عن جدول أسعار المحروقات الذي يتغيّر في لبنان بمعدل مرتين أسبوعياً. خلال أيلول الحالي وحده، ارتفع سعر صفيحة البنزين من نحو 2,571,000 ليرة في مطلع الشهر إلى 2,810,000، بينما قفز سعر صفيحة المازوت أكثر من 200 ألف ليرة، وهو الوقود الذي تعتمد عليه شاحنات نقل البضائع الغذائية بين المناطق، ومولدات الكهرباء الخاصة التي تشغّل غرف التبريد في محال بيع اللحوم والألبان. وكل ليرة تُضاف على صفيحة المازوت تنتقل مباشرة إلى سعر ربطة الخبز وكيلو اللحم قبل أن يصل أي منهما إلى الرف.

والمفارقة أن هذا الارتفاع لا يبدو أنه سيتوقف عند حدود أيلول. تجّار المحروقات في بيروت يتحدثون عن ترقّب لموجة تصعيد جديدة في الأسعار العالمية، مرتبطة بتوترات إقليمية متسارعة وتقلبات في أسواق النفط، فيما تتقاطع هذه الضغوط مع واقع أمني لبناني لم يستقر فعلياً منذ التصعيد الذي شهده البلد. فحتى بعد هدنة أُعلنت في حزيران، بقيت حالة انعدام الاستقرار قائمة، وبقي أكثر من 350 ألف شخص نازحين داخل لبنان بحسب بيانات الأمم المتحدة، بينما سجّلت المنظمة الدولية للهجرة في تموز الماضي أكثر من 375 ألف نازح داخلي، في مقابل نحو 753 ألف عائد إلى مناطقه. والنزوح في لبنان ليس مجرد فقدان سقف، بل هو غالباً فقدان مصدر الدخل والعمل في وقت واحد، وهو ما يعني أن أسراً كانت بالأمس فوق خط الفقر تسقط تحته بسرعة، فتتحول من "مستهلك عادي" إلى "حالة طارئة" تحتاج مساعدة غذائية لم تعد متوفرة بالقدر الكافي.

حين تُسحب المساعدات في أسوأ توقيت

الطبقة الثالثة من الأزمة هي الأخطر لأنها غير مرئية في السوق، لكنها مرئية جداً في دفاتر المنظمات الإنسانية: تراجع التمويل الدولي. برنامج الأغذية العالمي نفسه أعلن أنه يحتاج إلى نحو 112 مليون دولار فقط لتغطية عملياته في لبنان بين أيار وآب 2026، أي لتأمين استمرار المساعدات المنقذة للحياة لأكثر الأسر حاجة. هذا التمويل ليس مضموناً، وهو يتراجع في وقت تتزايد فيه أعداد من يحتاجون إليه، لا العكس. والمشكلة أن قنوات هذه المساعدات، من مساعدات نقدية موسمية إلى برامج دعم الأسر الأكثر فقراً، هي الحبل الذي كان يمنع كثيراً من الأسر اللبنانية والسورية على الأراضي اللبنانية من الانزلاق الكامل تحت خط الجوع. تقليصه أو تأخيره، كما تكرر في أكثر من مناسبة خلال الأشهر الماضية، يعني عملياً أن الفجوة بين "سلة البقاء" وبين ما تستطيع الأسرة تحصيله فعلاً، تتّسع أكثر لا أقل.

وفي خضم هذا كله، برزت في الأسابيع الأخيرة معركة قرّرت الحكومة ان تواجه بها اللبنانيين، الا وهي الضرائب والرسوم، التي بدأت تفرض لا بل تتساقط على رأس اللبناني من حيث لا يدري. وقد أشار أحد أصحاب مزارع الدجاج لـ"لبنان24" أنّ هناك رسما أقلّ ضجيجًا من الرسوم الاخرى لكنه لا يقلّ خطورة عن أي رسم آخر ألا وهو فرض ما يُعرف بـ"الرسم البيئي" على مواد أساسية في تصنيع الأعلاف والإنتاج الحيواني، وهي كسبة الصويا وكسبة دوار الشمس وكسبة القطن وتفل الشمندر السكري، إضافة إلى الأدوية البيطرية والمضافات العلفية. وقال:" هذه المواد لا تُستهلك مباشرة على مائدة اللبناني، لكنها الوقود الخفي لكل بيضة وكل كيلو دجاج وكل ليتر حليب يصل إلى الأسواق".

شتاء ومدارس على الباب... والفاتورة مضاعفة

كل هذه الطبقات من الأزمة تتقاطع الآن مع توقيت لا يمكن أن يكون أصعب، فنهاية أيلول تعني موسم مدارس يفرض على أي أسرة، مهما كان دخلها، نفقات إضافية من اقساط ورسوم إلى قرطاسية وزي مدرسي ونقل، في وقت لا مجال فيه أصلاً لتوفير فائض من الدخل. وعلى الأثر المباشر لهذه النفقات، يضاف اقتراب فصل الشتاء الذي يعني حُكماً استهلاكاً أعلى للمازوت للتدفئة، وهو الوقود الذي شهد سعره أعلى الزيادات هذا الشهر بين كل أنواع المحروقات. الأسرة اللبنانية، وبخاصة تلك التي فوق خط الفقر بقليل أو تحته مباشرة، تجد نفسها أمام معادلة مستحيلة: تدفئة أو طعام، مدرسة أو دواء، وقود سيارة للوصول إلى العمل أو حليب للأطفال.

 وهذا هو التقاء الأزمات الأربع بمعناه الحقيقي.. ليست أزمة غذاء فقط، وليست أزمة محروقات فقط، وليست أزمة نزوح فقط، وليست أزمة مساعدات فقط. هي أزمة واحدة متعددة الأبواب، تدخل من كل هذه الأبواب في آنٍ معاً إلى المطبخ اللبناني، وتغلقه شيئاً فشيئاً على من لا يملك هامشاً مالياً يستوعب الصدمات.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق