مع اقتراب الشتاء وموسم المدارس، تتقاطع أربع أزمات في آنٍ واحد: محروقات ترتفع كل أسبوع تقريباً، مساعدات دولية تتقلّص، نزوح لم ينتهِ بعد، ورسوم جديدة على مدخلات الإنتاج الزراعي والحيواني. النتيجة: فاتورة غذاء تكبر أسرع من قدرة اللبنانيين على تسديدها.
الأرقام التي حدّثها البرنامج عن العام 2026 لا تحتمل كثيراً من التأويل، فتضخم أسعار الغذاء ارتفع 18% خلال سنة واحدة، وبات نحو 1.24 مليون شخص في لبنان، أي ما يقارب واحداً من كل أربعة مواطنين ومقيمين، يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي بين نيسان وآب 2026. الرقم نفسه تقريباً أكّدته تقارير محلية ودولية متتالية منذ الربيع، بعد أن كان عدد الذين يعانون هذا المستوى من الجوع أقل بكثير قبل عام واحد فقط.
وحسب الارقام، فإنّ الحد الأدنى لبقاء أسرة من خمسة أفراد على قيد الحياة، أي طعام وسكن وحاجيات أساسية بلا أي كماليات، يبلغ نحو 563 دولاراً شهرياً. أما المساعدة النقدية التي تصل فعلياً إلى كثير من الأسر الأكثر حاجة، فلا تتجاوز 145 دولاراً في أفضل الحالات.
وقود يشتعل والحرب لم تنطفئ
لا يمكن قراءة غلاء الغذاء بمعزل عن جدول أسعار المحروقات الذي يتغيّر في لبنان بمعدل مرتين أسبوعياً. خلال أيلول الحالي وحده، ارتفع سعر صفيحة البنزين من نحو 2,571,000 ليرة في مطلع الشهر إلى 2,810,000، بينما قفز سعر صفيحة المازوت أكثر من 200 ألف ليرة، وهو الوقود الذي تعتمد عليه شاحنات نقل البضائع الغذائية بين المناطق، ومولدات الكهرباء الخاصة التي تشغّل غرف التبريد في محال بيع اللحوم والألبان. وكل ليرة تُضاف على صفيحة المازوت تنتقل مباشرة إلى سعر ربطة الخبز وكيلو اللحم قبل أن يصل أي منهما إلى الرف.
حين تُسحب المساعدات في أسوأ توقيت
الطبقة الثالثة من الأزمة هي الأخطر لأنها غير مرئية في السوق، لكنها مرئية جداً في دفاتر المنظمات الإنسانية: تراجع التمويل الدولي. برنامج الأغذية العالمي نفسه أعلن أنه يحتاج إلى نحو 112 مليون دولار فقط لتغطية عملياته في لبنان بين أيار وآب 2026، أي لتأمين استمرار المساعدات المنقذة للحياة لأكثر الأسر حاجة. هذا التمويل ليس مضموناً، وهو يتراجع في وقت تتزايد فيه أعداد من يحتاجون إليه، لا العكس. والمشكلة أن قنوات هذه المساعدات، من مساعدات نقدية موسمية إلى برامج دعم الأسر الأكثر فقراً، هي الحبل الذي كان يمنع كثيراً من الأسر اللبنانية والسورية على الأراضي اللبنانية من الانزلاق الكامل تحت خط الجوع. تقليصه أو تأخيره، كما تكرر في أكثر من مناسبة خلال الأشهر الماضية، يعني عملياً أن الفجوة بين "سلة البقاء" وبين ما تستطيع الأسرة تحصيله فعلاً، تتّسع أكثر لا أقل.
شتاء ومدارس على الباب... والفاتورة مضاعفة
كل هذه الطبقات من الأزمة تتقاطع الآن مع توقيت لا يمكن أن يكون أصعب، فنهاية أيلول تعني موسم مدارس يفرض على أي أسرة، مهما كان دخلها، نفقات إضافية من اقساط ورسوم إلى قرطاسية وزي مدرسي ونقل، في وقت لا مجال فيه أصلاً لتوفير فائض من الدخل. وعلى الأثر المباشر لهذه النفقات، يضاف اقتراب فصل الشتاء الذي يعني حُكماً استهلاكاً أعلى للمازوت للتدفئة، وهو الوقود الذي شهد سعره أعلى الزيادات هذا الشهر بين كل أنواع المحروقات. الأسرة اللبنانية، وبخاصة تلك التي فوق خط الفقر بقليل أو تحته مباشرة، تجد نفسها أمام معادلة مستحيلة: تدفئة أو طعام، مدرسة أو دواء، وقود سيارة للوصول إلى العمل أو حليب للأطفال.
وهذا هو التقاء الأزمات الأربع بمعناه الحقيقي.. ليست أزمة غذاء فقط، وليست أزمة محروقات فقط، وليست أزمة نزوح فقط، وليست أزمة مساعدات فقط. هي أزمة واحدة متعددة الأبواب، تدخل من كل هذه الأبواب في آنٍ معاً إلى المطبخ اللبناني، وتغلقه شيئاً فشيئاً على من لا يملك هامشاً مالياً يستوعب الصدمات.
- الدرك الوطني يحذر من استعمال لوحة ترقيم أجنبية أو 16-00
- الخضر يستأنفون التحضيرات اليوم.. والرحلة إلى بوجمبورا غدًا
- مدبولي من الأمم المتحدة: مصر تحتفظ بحقها في حماية أمنها المائي.. وتنمية أي طرف لا تكون على حساب الآخرين
- ما دلالة تحركات الوزير بدر عبد العاطي في نيويورك؟
- مصر في الأمم المتحدة.. علاقات راسخة ومباحثات تعكس الحضور القوي













0 تعليق