السينما العراقية… سؤال الرؤية قبل سؤال الإنتاج

منذ 37 دقيقة

من السهل أن نعدّ الأفلام، وأن نحصي الموازنات، وأن نستعرض أسماء المهرجانات، وأن نعلن في نهاية كل عام عن عدد المشاريع التي أُنجزت. لكن أيًّا من ذلك لا يستطيع أن يجيب عن السؤال الوحيد الذي يسبق جميع الأسئلة: لماذا نريد السينما؟ هذه ليست مسألة نظرية، ولا ترفًا فكريًا يضاف إلى النقاشات الثقافية، بل هي النقطة التي تبدأ منها جميع الصناعات السينمائية الحقيقية. فالسينما لا تولد من الكاميرا، ولا من الأستوديو، ولا من التمويل، وإنما تولد من الفكرة التي تحدد موقعها داخل المجتمع. وحين تغيب هذه الفكرة، يصبح كل إنتاج مجرد نشاط إداري أكثر منه مشروعًا ثقافيًا. إذا أردنا أن نفهم لماذا تعثرت معظم محاولات النهوض بالسينما العراقية، قبل عام 2003 وبعده، فعلينا أن نؤجل الحديث عن قلة الإمكانات أو كثرة الأموال أو ضعف التقنيات، وأن نتقدم خطوة إلى الوراء، حيث يكمن السؤال الذي جرى تجاهله طويلًا: كيف ننظر إلى السينما أصلًا؟
لقد شهد العراق خلال العقود الماضية مبادرات متعددة لإحياء الإنتاج السينمائي. وقفت خلفها مؤسسات رسمية، وفي مقدمتها دائرة السينما التابعة لوزارة الثقافة، كما شاركت في دعمها مؤسسات ونقابات واتحادات ثقافية وفنية. ولا يوجد ما يدعو إلى التشكيك في صدق النيات التي رافقت تلك المحاولات، ولا في رغبة كثير من العاملين فيها بإعادة الحياة إلى الشاشة العراقية. غير أن النيات الحسنة لا تنتج بالضرورة مشروعًا ناجحًا، لأن الثقافة لا تُقاس بالإرادة وحدها، وإنما بطريقة التفكير التي تقود هذه الإرادة. لقد جرى التعامل مع السينما، في كثير من الأحيان، بوصفها مشروعًا إنتاجيًا يمكن قياس نجاحه بعدد الأفلام المنجزة أو بحجم الإنفاق عليها، بينما بقي السؤال المتعلق بوظيفتها الاجتماعية والثقافية معلقًا بلا إجابة واضحة. وهذا ما جعل معظم المبادرات تبدأ بحماس كبير ثم تنتهي إلى أثر محدود لا يكاد يترك علامة في الذاكرة الجمعية.

ليست المشكلة في عدد الأفلام

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن ازدهار السينما يقاس بعدد الأفلام المنتجة سنويًا. هذه لغة تصلح للمصانع، لكنها لا تصلح للفنون. قد تنتج دولة عشرات الأفلام في العام، لكنها لا تضيف فيلمًا واحدًا إلى ذاكرة العالم. وقد تنتج دولة أخرى فيلمًا كل عدة أعوام، لكنه يصبح جزءًا من الضمير الإنساني لعقود طويلة. الفيلم ليس رقمًا في تقرير سنوي، بل تجربة فكرية وجمالية. إنه اقتراح لفهم الإنسان، وليس مجرد قصة تُروى على الشاشة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كم فيلمًا أنتجنا؟ وإنما: ماذا قال هذا الفيلم؟ وما الذي أضافه إلى وعي المجتمع؟ وهل استطاع أن يفتح نافذة جديدة للنظر إلى الواقع، أم اكتفى بتكرار ما يعرفه الجميع؟
هذا المعيار حين يغيب، يتحول الإنتاج إلى غاية في ذاته، وتصبح عملية التصوير أهم من الفيلم نفسه، ويصبح الإعلان عن المشروع أكثر أهمية من قيمته الفنية.

السينما ليست جهازًا للعلاقات العامة

كلما اقترب الفيلم من أداء وظيفة دعائية، ابتعد عن الفن. هذه ليست قاعدة أخلاقية، بل حقيقة أثبتها تاريخ السينما كله. فالفيلم الذي يُطلب منه أن يجمّل الواقع يفقد قدرته على اكتشافه. والذي يُكلف بالدفاع عن خطاب سياسي أو اجتماعي مسبق، يتوقف عن طرح الأسئلة، ويتحول إلى إجابات جاهزة. الفن يبدأ حين يشكك في اليقين، لا حين يعيد إنتاجه. ولهذا فإن السينما التي تُسخَّر لتقديم صورة رسمية عن المجتمع، أو لتبرير السياسات، أو لإعادة كتابة الماضي من زاوية واحدة، لن تتمكن من بناء علاقة حقيقية مع الجمهور، لأن الجمهور لا يبحث عن نشرات إخبارية مصورة، وإنما يبحث عن نفسه. الناس يذهبون إلى السينما لكي يروا حياتهم وهي تُفهم بصورة أعمق، لا لكي يشاهدوا نسخة أخرى من الخطاب الذي يسمعونه كل يوم.

المجتمع هو البطل الحقيقي

ليست السينما مرآة تنقل الواقع كما هو، بل أداة تكشف ما لا يُرى فيه. إنها تنصت إلى الأصوات التي لا تجد مكانًا في الخطابات الرسمية، وتقترب من التفاصيل الصغيرة التي تصنع حياة الناس، وتعيد ترتيبها بطريقة تجعل الإنسان يرى نفسه من جديد. ولهذا فإن الفيلم الناجح لا يبدأ من المؤسسة، بل يبدأ من الشارع. من العامل الذي يخشى فقدان عمله. ومن المرأة التي تحاول حماية عائلتها. ومن الشاب الذي يبحث عن معنى لحياته. ومن الطفل الذي يكبر وسط تناقضات لا يفهمها. هذه الشخصيات ليست موضوعات جانبية، بل هي المادة الخام التي تصنع منها السينما ذاكرتها. وحين تنشغل الأفلام بما يشغل الناس فعلًا، تصبح جزءًا من حياتهم اليومية، لا حدثًا احتفاليًا ينتهي بانتهاء العرض.

الاستقلال شرط للإبداع

المفارقة التي تستحق التأمل أن السينما العراقية، وسط هذا الاضطراب في فهم وظيفة الفيلم، استطاعت خلال العقدين الأخيرين أن تقدم عددًا من الأعمال التي لفتت الأنظار في المهرجانات والمحافل الدولية. لكن هذه الحقيقة تقود إلى ملاحظة أخرى لا تقل أهمية؛ فمعظم تلك الأفلام لم تولد داخل منظومة الإنتاج العراقية، ولم تعتمد في تمويلها على مؤسساتها، بل خرجت إلى النور بفضل دعم صناديق إنتاج وشركات وهيئات ثقافية أجنبية. ولم يكن ذلك نتيجة مصادفة، بل ثمرة سنوات طويلة قضاها مخرجوها في البحث عن شركاء خارج الحدود، وإقناع مؤسسات أجنبية بالإيمان بمشروعاتهم. مثل أفلام «ابن بابل» و«أحلام» و«مملكة القصب» و«شارع حيفا». وهذه المفارقة تكشف أن الأزمة ليست في ندرة المخرجين القادرين على صناعة فيلم جيد، وإنما في البيئة التي تدفعهم إلى البحث عن شروط إنتاجه في مكان آخر. فعندما يضطر المبدع إلى مغادرة مؤسساته، ولو من أجل تمويل فيلم واحد، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بموهبته، بل بالمنظومة التي عجزت عن احتضان تلك الموهبة.
لا يمكن للسينما أن تؤدي دورها إذا كانت تخشى الجهة التي تمولها. وهذه ليست دعوة إلى القطيعة مع الدولة، بل إلى إعادة تعريف العلاقة بينها وبين الفن. من حق الدولة أن تدعم السينما، بل إن ذلك من واجباتها الثقافية، لكن ليس من حقها أن تحدد للفنان ما ينبغي أن يقوله. الدعم لا ينبغي أن يتحول إلى وصاية. والتمويل لا ينبغي أن يصبح وسيلة لإنتاج خطاب واحد. إن التجارب السينمائية الكبرى في العالم تثبت أن الدعم الحكومي يمكن أن يتعايش مع أعلى درجات الحرية، لأن الدولة هناك تدعم الفن بوصفه قيمة عامة، لا بوصفه جهازًا تابعًا لها. أما حين يصبح التمويل مشروطًا بالانسجام مع الرواية الرسمية، فإن الفيلم يفقد استقلاله قبل أن يبدأ تصويره. وعندئذ لا يعود الفنان يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن الحدود التي لا ينبغي تجاوزها. وهنا تموت السينما ببطء. ولذلك فإن الحديث عن استقلال السينما لا يعني استقلال المخرج عن الدولة، بل استقلال الرؤية الفنية عن أي وصاية تحدد للفيلم ما ينبغي أن يقوله، وما ينبغي أن يصمت عنه.

السينما فعل نقد قبل أن تكون فعل تسلية

من الخطأ اختزال السينما في وظيفتها الترفيهية، كما أنه من الخطأ اختزالها في رسالتها الفكرية وحدها. الفيلم العظيم يجمع بين المتعة والمعرفة، بين الجمال والتساؤل، بين السرد والنقد. إنه لا يقدم حلولًا جاهزة، بل يدفع المشاهد إلى التفكير. ولا يمنحه يقينًا جديدًا، بل يجعله يشك في يقينه القديم. هذه هي القيمة الحقيقية للفن. فالسينما لا تكتفي بعرض العالم، وإنما تعيد تفكيكه، ثم تعيد تركيبه بطريقة تكشف طبقاته الخفية. إنها تمارس نقد السلطة حين تخطئ، ونقد المجتمع حين يتواطأ مع أخطائه، ونقد الفرد حين يهرب من مسؤوليته. ولذلك فإن الفيلم ليس خصمًا للدولة، كما أنه ليس خصمًا للمجتمع. إنه خصم الجمود فقط.

لماذا لم تتكون ذاكرة سينمائية عراقية؟

رغم كثرة المشاريع التي أُعلنت خلال السنوات الماضية، ما يزال من الصعب الحديث عن تيار سينمائي عراقي يمتلك ملامحه الخاصة. هناك أفلام متفرقة، وتجارب فردية لافتة، ومخرجون يمتلكون حساسية بصرية واضحة، لكن هذه الجهود لم تتحول بعد إلى حركة سينمائية قادرة على إنتاج تقاليدها الفنية واستمرارها. والسبب لا يعود إلى نقص المواهب، فالعراق لم يكن يومًا فقيرًا بالمبدعين. كما لا يعود إلى نقص الموضوعات، فالمجتمع العراقي يختزن من القصص الإنسانية ما يكفي لعشرات السينمات الوطنية. إن المشكلة تكمن في غياب البيئة الفكرية التي تمنح هذه المواهب فرصة النمو. فالسينما ليست كاميرا فقط، بل هي منظومة كاملة تبدأ بالتعليم، وتمر بالنقد، وتنتهي بجمهور يمتلك ثقافة المشاهدة. وحين يختل أحد هذه العناصر، تتعثر المنظومة كلها.

مراجعة العلاقة مع السينما

إن الدعوة إلى مراجعة تجربة السينما العراقية ليست دعوة إلى جلد الذات، ولا إلى إنكار ما تحقق، وإنما هي محاولة لإعادة طرح الأسئلة التي جرى تأجيلها طويلًا. علينا أن نسأل أنفسنا: هل نريد سينما تخبر الناس بما ينبغي أن يفكروا فيه، أم سينما تساعدهم على التفكير؟ هل نريد أفلامًا تزين الواقع، أم أفلامًا تمتلك شجاعة النظر إليه كما هو؟ هل نريد مخرجًا ينفذ تعليمات، أم فنانًا يمتلك رؤية مستقلة؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا ثقافيًا، بل هي الأساس الذي يتحدد على ضوئه مستقبل السينما العراقية. فإذا بقي الفيلم مجرد أداة ضمن أجندة دعائية أو إعلامية، فلن يختلف كثيرًا عن أي وسيلة اتصال أخرى، وسيفقد الميزة الوحيدة التي جعلت السينما واحدة من أعظم الفنون الحديثة، وهي قدرتها على مساءلة العالم، لا تكراره. أما إذا أُعيد النظر في طبيعة العلاقة بين المؤسسة والسينمائي، وبين التمويل والحرية، وبين الفن والمجتمع، فقد يصبح بالإمكان الحديث عن ولادة سينما عراقية لا تُقاس بعدد الأفلام التي تنتجها، بل بالأفكار التي تزرعها في الوعي، وبالأسئلة التي تتركها مفتوحة بعد انطفاء شاشة العرض. فالسينما لا تبدأ عندما تدور الكاميرا، وإنما تبدأ عندما يقرر المجتمع أن الحقيقة أهم من الدعاية، وأن الإنسان أهم من الشعار، وأن الفيلم ليس بيانًا رسميًا طويلًا، بل تجربة جمالية تمنح الواقع فرصة لأن يرى نفسه بعيون أكثر حرية، وأكثر شجاعة، وأكثر قدرة على اكتشاف ما ظل مختبئًا خلف الصورة المألوفة.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق