كانبرا ـ «القدس العربي»: شكَّل النصف الثاني من القرن العشرين عصراً ذهبياً للتكنولوجيا النووية، ففي أعقاب الدمار الذري الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، اكتشف العالم استخدامات جديدة أكثر أماناً لظاهرة التحلل الإشعاعي؛ إذ ازدهرت محطات الطاقة، والعلاجات الطبية، والبحوث العلمية، والقطاعات الصناعية في ظل هذا التوهج النووي الواعد.
لكن الثورة النووية جلبت معها مشكلة كبيرة، وهي كيفية التعامل مع آلاف الأطنان من النفايات المشعة التي نتجت عن هذا الحماس العلمي. وبالنسبة لأوروبا، كان الحل بسيطاً نسبياً، حيث كانت هناك قاع بحرٍ مناسب تماماً في المحيط الأطلسي، والذي من وجهة نظر السلطات لم يكن يُستخدم من قِبَل أي جهة ذات أهمية.
وقال تقرير نشره موقع «ساينس أليرت» العلمي، واطلعت عليه «القدس العربي»، إنه خلال الفترة من عام 1949 وحتى العام 1982 أُلقي في البحر أكثر من 200 ألف برميل من النفايات المشعة منخفضة المستوى «LLW» بإجمالي وزن يتجاوز 150 ألف طن، ومعظمها أُلقي على أعماق تتراوح بين 3000 و5000 متر.
ولعقود من الزمن، لم يكن أحد يعلم حقاً ما حل بتلك البراميل، إلا أن العلماء هبطوا مؤخراً بواسطة غواصة مأهولة لاستكشاف الموقع، فوجدوا أن العديد من البراميل قد تآكلت وتهالكت، وبدأت محتوياتها تتسرب وتنتشر في قاع المحيط.
والمثير للدهشة أن هذا الأمر لا يُعد بالضرورة خروجاً عن الخطة الأصلية، حيث إن تصنيف النفايات المشعة على أنها منخفضة المستوى «LLW» لا يعني أنها غير خطرة؛ فهي تنتج عن مصادر مثل الاستخدامات الطبية والصناعية، وعادة ما تحتوي على مستويات أقل من النظائر المشعة طويلة العمر.
وتوصي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتخلص من النفايات منخفضة المستوى عبر وضعها في حاويات متينة وعزلها لفترة لا تقل عن بضع مئات من السنين، لكن التوصيات كانت مختلفة بعض الشيء في منتصف القرن العشرين. فقد نصت المبادئ التوجيهية السائدة آنذاك على ضرورة وصول الحاويات إلى قاع المحيط سليمة، وأن تظل محكمة الإغلاق لفترة تكفي فقط لتحلل النظائر المشعة قصيرة العمر.
خليط مشع متنوع
وبعد ذلك، كان من المتوقع أن تتسرب النفايات المتبقية ببطء وتتشتت في مياه المحيط المحيطة. ومع ذلك، لم تكن كل المواد الموجودة داخل البراميل لتتحلل وتختفي بتلك السهولة، حيث كانت تحتوي على خليط مشع متنوع، يضم السيزيوم-137 ونظائر البلوتونيوم والتريتيوم، وهي مواد يمكن لبعضها أن يبقى موجوداً لآلاف السنين.
وعندما توقفت عمليات الإغراق في ثمانينيات القرن الماضي، اكتفى الجميع تقريباً بنفض أيديهم ومغادرة الموقع؛ وظلت المواقع الدقيقة لتلك البراميل وحالتها مجهولة إلى حد كبير لعقود من الزمن.
ولكن قبل بضع سنوات، بدأ المهندس النووي باتريك شاردون وعالم الجيولوجيا البحرية خافيير إسكارتين، وكلاهما من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، في التساؤل عما آل إليه حال النفايات التي أُلقيت في البحر.
وتحول هذا التساؤل في النهاية إلى مشروع «NODSSUM» الذي يعني «رصد ومسح مواقع الإغراق النووي في المحيطات»، وهو مشروع متعدد التخصصات يجمع بين الفيزياء النووية والجيولوجيا وعلم المحيطات وعلم الأحياء والكيمياء البحرية، بهدف العثور على البراميل ودراسة تأثيرها على البيئة المحيطة.
وانطلقت البعثة الأولى في حزيران/يونيو 2025 على متن سفينة أبحاث متخصصة، وخلال هذه المهمة الاستكشافية الأولى، أرسل الفريق مركبة غاطسة ذاتية القيادة تُدعى «UlyX» لمسح قاع البحر وتصوير البراميل وتحديد مواقعها، بالتزامن مع جمع عينات من المياه والرواسب والأسماك والقشريات من المنطقة المحيطة.
وفي غضون شهر واحد فقط، تمكن الفريق من تحديد مواقع 3355 برميلاً ورسم خرائط لها. وكانت تلك البعثة الأولى بمثابة عملية استطلاع، منحت الباحثين شيئاً لم يمتلكوه من قبل: أهدافاً محددة.
معاينة البراميل مباشرة
ثم عاد العلماء مرة أخرى في أيار/مايو 2026، وهذه المرة، اصطحب الفريق الغواصة «Nautile»، وهي مركبة غاطسة تتسع لثلاثة أشخاص وقادرة على الهبوط لعمق 6000 متر، وعبر 20 عملية غوص، نقلت المركبة العلماء إلى أعماق تجاوزت 4700 متر لمعاينة البراميل مباشرة وجمع عينات من محيطها المباشر.
وللوهلة الأولى، بدت حالة بعض البراميل مثيرة للقلق، فقد كانت متآكلة ومتدهورة بشدة، مع تسرب مواد منها بوضوح لتختلط بالرمال المحيطة، ولكن هنا بدأ الغموض يكتنف البعثة؛ إذ بدا أن البراميل تعمل أيضاً بمثابة واحات صغيرة وسط قاع بحر رملي فقير بالحياة، حيث التصقت شقائق النعمان البحرية بالبراميل، وعاشت حولها كائنات مثل الإسفنج وخيار البحر والأسماك والقشريات، كما أظهرت السرطانات (السلطعونات) ولعاً خاصاً بهذه الملاجئ الاصطناعية.
وقد وضع هذا الأمر الباحثين أمام مشكلة غير متوقعة؛ فالبراميل لم تكن مجرد حاويات تطلق ببطء مواد مشعة في هاوية خالية، بل أصبحت جزءاً من النظام البيئي، وهذا أثار تساؤلاً أكثر تعقيداً: هل كانت أي من تلك المواد المشعة تتسرب إلى أجسام الكائنات الحية نفسها؟
ولم يكن هناك شك في أن المواد المشعة قد تسربت خارج نطاق الاحتواء؛ فقد رصدت الأجهزة الموجودة على متن السفينة إشارات قوية تدل على وجود «الكوبالت-60» و«النيوبيوم-94»، وهي مواد تمكن الباحثون من ربطها تحديداً بالنفايات التي أُلقيت في الموقع.
كما وجد الباحثون أيضاً مادتي «السيزيوم-137» و«الأمريسيوم-241» بمستويات تفوق بكثير المستويات الإشعاعية المعتادة الناتجة عن التجارب النووية في الغلاف الجوي والحوادث النووية.
- محافظ الفيوم يشهد عقد قران وحفل زفاف إحدى الفتيات اليتيمات من الأولى بالرعاية
- الأفخم عمرانيا وزخرفيا.. شاهد منزل الأماصيلي الأثري في رشيد بالبحيرة
- رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني يخطف الأضواء خلال اجتماعات الأمم المتحدة
- عمورة بتمريرتين حاسمتين يقود “الخضر” للفوز أمام زامبيا
- عاجل ـ مدبولي من نيويورك: الأمن المائي لمصر قضية وجودية لا تحتمل المساومة









0 تعليق