خالد دومة يكتب: لم نكن نعرف أمى

منذ 31 دقيقة

منذ شهر وأمي ترقد على سريرها، بعدما فقد نصف جسدها الحركة، وأصبح لسانها لا يخرج إلا أصواتًا لا نفهمها إلا بصعوبة، وبعد جهد كبير منها، حين تصرخ في وجوهنا وتشير إلى ما تريد.

أغلب أوقاتها تحدق عيناها في سقف الحجرة. نضع خلف ظهرها وسادة، فتتأفف أحيانًا ونحن نعطيها الدواء، كأنها تريد أن ترحل، ولولا حبها لنا لربما تركت نفسها للرحيل.
في بعض الليالي، حين أطمئن عليها وأشد عليها الغطاء، أرى الدموع تنحدر من عينيها المغمضتين. أناديها فلا تجيب، ولا تعطيني إشارة تدل على أنها تسمعني.
وحين نلتف حولها في بعض أوقات النهار، تحاول أن تبتسم لنا، لكن الحزن يظل ظاهرًا في عينيها. كان فيهما انكسار غريب لم أره من قبل.
وحين أقدم لها الطعام، تمضغه بصعوبة وتبتلعه كأنها تبتلع غصة. وبعد ملعقة أو اثنتين تمسك يدي بيدها السليمة، فأضغط على يدها وأطلب منها أن تكمل طعامها حتى أستطيع أن أعطيها الدواء.
نحن أربعة أبناء، نقسم الليالي للمبيت معها.
في الليالي التي أرقد فيها إلى جوارها، أظل أنظر إليها وهي قابعة في سريرها لا تتحرك. وحين أوقظها لتتناول الدواء، أشعر بالإجهاد وأنا أساعدها على تعديل جلستها. تتناول الحبة في صمت، وترتشف قليلًا من الماء، فأرفع الوسادة خلف ظهرها، ثم تستغرق في النوم.
أظل أراقب أنفاسها وهي ترتفع وتهبط، ويخرج منها صوت خافت يدل على أنها غرقت في النوم.
رأيت أمي نائمة كثيرًا، لكنني لم أرها من قبل على هذه الهيئة.
كلما نظرت إليها فكرت فيما كانت عليه، وما آلت إليه الآن.
كنت أقارن بين أمي هنا، وأمي هناك، قبل عام واحد فقط.
وسألت نفسي ذات ليلة:
هل كنا لا نبصر؟
هل أكلنا العمى عن رؤيتها؟
كبرنا نحن الأربعة دون أن نعرف أمي حقًا. عمري الآن اثنتين وعشرين سنة، وبيني وبين أختي التي تليني عامان فقط. فأنا أكبر إخوتي، وكان ينبغي أن أعرف أمي أكثر منهم. كان ينبغي أن أشعر بها، وأن أعرف ما يسعدها وما يؤلمها.
لكنني لم أكن أعرف شيئًا.
ربما كانت أختي التي تصغرني أكثرنا رقة بها. كانت تساعدها في بعض أعمال البيت، أو تخرج لتأتي لها بما تحتاج إليه. أما نحن فكنا جميعًا ننفر من طلباتها.
وحين نعصيها، كانت تذهب بنفسها وتأتي بما تريد.
كانت أمي شعلة من النشاط تتدفق في جوانب بيتنا الصغير.
كان أبي يذهب إلى العمل معظم ساعات النهار. يخرج في السابعة صباحًا، وقد يعود في العاشرة مساءً أو يتأخر عن ذلك. يأكل، ويداعبنا قليلًا، ثم يذهب إلى النوم من فرط التعب.
وكانت أمي تهيئ له كل سبل الراحة.
كانت تقول لنا دائمًا:
أبوكم متعب من أجلكم، فاتركوه يرتاح حين يكون في البيت.
لذلك كان حضور أبي يعني الصمت.
لا صوت، ولا مشاجرات، ولا حماقاتنا المعتادة.
كنا نعصي أمي في أشياء كثيرة، إلا هذا الأمر. كانت تثور وتغضب ويحمر وجهها إذا أزعجنا أباها.
أتذكر يومًا في إجازة أبي، تشاجرت فيه مع أختي الصغيرة على ارتداء جلباب، وتعالت أصواتنا حتى استيقظ أبي من نومه مفزوعًا.
غفر لنا أبي وسامحنا.
أما أمي فلم يرضها ما حدث.
ظلت أيامًا غاضبة منا، نحاول استرضاءها، حتى تناست الأمر، وعادت إلى طبيعتها معنا.
كانت تستيقظ في السادسة صباحًا، تتوضأ وتصلي، ثم تخرج لتأتي لنا بالفطور: الطعمية والفول والخبز.
توقظ أبي، وفي أثناء دخوله الحمام ووضوئه وصلاته تكون قد أعدت الفطور وصنعت الشاي الذي يحبه بعد الطعام.
يدخن سيجارته كعادته، ويرتدي ملابسه، وينطلق إلى عمله.
وتظل عينا أمي تتابعانه حتى يختفي.
كان لسانها يتحرك في صمت.
لم أكن أعرف ماذا تقول.
كنت أظن أنها تدعو له بالسلامة في ذهابه وإيابه، وبسعة الرزق من أجل أبنائها.
ثم توقظنا للذهاب إلى مدارسنا.
كانت أفعال أمي تتكرر كل يوم حتى بدت لنا كأنها شيء طبيعي لا يستحق الالتفات.
لم نسأل أنفسنا ماذا تفعل بعد أن نغادر.
هل تنام قليلًا؟
هل تبدأ أعمال البيت؟
هل تتعب؟
لم نكن نفكر في شيء من ذلك.
كانت أمي موجودة.
وهذا وحده كان يكفينا.
حتى جاء الصباح الذي لم يعد فيه أبي موجودًا.

في صباح أحد الأيام، بعدما أحضرت أمي الإفطار ووضعته على الطبلية، دخلت حجرتها لتوقظ أبي كعادتها. نادته فلم يجب. ظنت أنه متعب، فتركته دقائق حتى أعدت الإفطار، ثم دخلت مرة أخرى ونادت عليه.
كان أبي يستيقظ عند سماع صوت أمي من أول نداء، لذلك استغربت حين لم يجبها.
اتجهت نحو سريره، وهزت جسده برفق لتوقظه، لكنه لم يتحرك ولم يستجب. كان نائمًا على جنبه، فأدارته على ظهره.
كان جسده باردًا.
اتسعت عينا أمي، ثم أطلقت صرخة مدوية.
اجتمع الجيران على صرخاتها. أخرجها الرجال من الحجرة، وأغلقوا الباب على أنفسهم، ثم استدعوا الطبيب واتصلوا بجدتي وخالي.
جاء الطبيب، وبعد دقائق خرج منكّس الرأس.
رأت أمي على وجهه ما لم تكن تريد أن تراه.
عرفت.
لكنها كانت تكذب عينيها، لا تريد أن تصدق أن أبي رحل فجأة، في غفلة منا ونحن نحيط به. انفلت من بين أيدينا في لحظة خاطفة.
لم تكن أمي قد أتمت الأربعين، وكان أبي قد رحل في الخامسة والأربعين، تاركًا وراءه قلبًا محترقًا وأربعة أبناء: فتاتين في عمر الزهور وفتيين لم يعرفوا بعد كيف يعيشون من دون أب.
أحطنا بأمي، نواسيها ونواسي أنفسنا، وأحاط بنا أخوالي وجدتي. لم يتركونا لحظة واحدة.
انتقلنا إلى بيت جدي لأمي. لم نعد نحتمل البقاء في بيتنا، وأمي على وجه الخصوص؛ فقد كانت تموت كل يوم. كل شيء في البيت كان يذكرها بأبي.
مرت الأيام، وما بين النسيان والتذكر، بدأنا حياة جديدة. أصبح لنا مكان في بيت جدي، وتولى أخوالي رعايتنا، بينما أخذت جدتي على عاتقها كثيرًا من شؤوننا.
أما أمي فكانت أقلنا حديثًا عن أبي، وربما كانت تتناسى حتى لا تظهر أمامنا ضعيفة. فقد أصبحت أمًا وأبًا لنا، ولم تكن تريد أن نراها ضعيفة.
كانت جدتي تحاول أن تخفف عنها، وترعانا وتهتم بنا، حتى أصبحت أمي تعتمد عليها في كثير من شؤوننا.
وبعد شهور، رأينا أمي تضحك للمرة الأولى.
كأنها كانت قد نسيت شفتيها موضع الضحك.
وكأنني أرى أمي للمرة الأولى في حياتي.
غيّرت الضحكة لون وجهها؛ احمرت وجنتاها، واتسعت عيناها، وإن بدت الضحكة خجولة، كأنها تعتذر عن عودتها إلى الحياة.
شعرت أنها عادت إلى الحياة من جديد.
هل نسيت أبي؟
لا أدري.
لكنني كنت أقول في نفسي إن أبي نفسه، لو رأى حالها بيننا في الشهور الماضية، لتمنى أن تنساه، وأن تعود إلى حياتها، وتستمتع بها، وتعيش لنفسها ولأبنائها.
حتى صوتها تغير، أو هكذا ظننا.
كنا نتحدث أنا وإخوتي وجدتي فيما بيننا، ونقول إن أمي ربما نسيت، أو ألفت غياب أبي، وبدأت تتقبل عدم وجوده بيننا.
كنا سعداء.
فما أجمل السلوى حين تأتي بعد الحزن.
ثم مرضت جدتي.
التففنا حولها جميعًا نخدمها، وكانت أمي لا تفارقها. تحضر لها الطعام، وتدخلها الحمام، وتعد لها ماء الوضوء، وتحميها من البرد، وتفعل لها كل شيء.
استغرقها مرض جدتي، حتى نسينا نحن أنفسنا ونحن بجوارها.
وفي ليلة، زارنا خال أمي ليعود جدتي في مرضها. وحكى لنا عن جده، جد أمي، حين كان يداوي مرضاه.
لم يكن طبيبًا، لكنه كان يعالج الناس بالكي.
قال إن المريض كان يأتي محمولًا على أكتاف رجلين، فيكويه جدي، فيخرج راقصًا على قدميه. وربما لو قيل له: «امشِ على الجدران»، لما تقاعس من شدة ما أوجعه السيخ الذي كان جدي يكوي به مرضاه.
فضحكنا.
وقال أحدهم: لو كان حيًا ومارس علاجه على جدتي، لقامت هي الأخرى تتسلق الجدران وترقص طربًا، حتى لا تعود مرة أخرى إلى علاج جدي.
ضحكنا ملء أفواهنا تلك الليلة.
وضحكت أمي بقوة.
ظلّت أمي بعد ذلك أشهرًا في نشاطها الذي استعادته من جديد.
قلنا إنها عادت.
قلنا إنها نسيت الحزن.
ونسيت أبي.
ونسيت البيت وكل ما يتعلق بماضينا.
ثم بدأنا نلاحظ شيئًا غريبًا.
كانت أمي تتحدث إلينا بأحاديث لم نفهم منها شيئًا.
وفي صباح مقيت، يشبه الصباح الذي مات فيه أبي، ذهبت جدتي لتوقظها كي تصلي معها الفجر كعادتها.
وجدتها على غير ما يرام.
كانت نصف إنسان.
أخذناها إلى الطبيب.
قال إنها جلطة، وإن هناك ثقلًا في اللسان.
حاولت أمي أن تتكلم.
حاولت مرة أخرى.
لكنها أخفقت.
وكأنها رسبت في الاختبار الأخير الذي وضعته لها الحياة.
ومنذ ذلك الصباح، صار لسان أمي يقول أشياء لا نفهمها.
أما نحن، فأصبحنا نحاول أن نفهم ما عجزنا عن فهمه طوال عشرين عامًا.
ربما لم تكن أمي قد نسيت أبي.
ربما كانت قد تعلمت فقط كيف تخفي غيابه عنا.
والآن، بعدما فقدت قدرتها على الكلام، بقيت الكلمات كلها داخلها.
وأصبحنا نحن الذين نبحث عن أمي.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق