«سمعوا نباح الكلاب ولم يسمعوا الضحايا».. ماذا قال شهود مذبحة شمس الدين في المنيا؟

منذ 47 دقيقة

بعد أن بدأت «فيتو» نشر سلسلة تقارير خاصة عن مذبحة شمس الدين بالمنيا بتقريرها الأول الذي تناول رحلة القضية من البلاغ الأول وحتى حكم النقض، ثم فتحت في الحلقة الثانية ملف الطب الشرعي، وتوقفت أمام طبيعة الإصابات التي تعرض لها الضحايا والمدة الزمنية التي أثارت تساؤلات حول إمكانية تنفيذ الجريمة بواسطة شخص واحد. 

7f80b5afd0.jpg

وتفتح «فيتو» في هذه الحلقة ملفًا جديدًا من أوراق القضية: شهادات الشهود.. ماذا سمع أهالي عزبة شمس الدين في الساعات الأخيرة قبل اكتشاف المذبحة؟ ومن قال إنه رأى شخصًا يتحرك في الظلام؟ وماذا حدث في العزبة بعد أن بدأت أخبار القتل تتكشف؟ شهادات تحمل تفاصيل غامضة، لكنها تضع أمام التحقيق سؤالًا أكثر صعوبة: هل شاهد أحد القاتل فعلًا؟

نباح الكلاب يفتح أول خيط في القضية

497bca60f3.jpg

في الساعات الأولى من صباح 29 ديسمبر 2005، كانت عزبة شمس الدين تعيش ليلتها الأخيرة قبل اكتشاف مقتل 10 أشخاص داخل 3 منازل.

ومن بين أقوال الشهود التي دخلت ملف التحقيق، جاءت شهادة محمود محمد عبد الواحد، أحد أبناء العزبة، الذي قال إنه كان مستيقظًا في منزله قرابة الساعة الثانية صباحًا لحراسة المواشي، عندما سمع نباح الكلاب.

توجه الرجل إلى النافذة المطلة على منزل يحيى أبوبكر، أحد الضحايا، وقال إنه شاهد شخصًا يتحرك بالقرب من المنزل.

6f3615af63.jpg

وبحسب شهادته أمام النيابة، كان الشخص الذي رآه هو محمد علي محمد أحمد عبداللطيف، الذي أصبح بعد أيام المتهم الرئيسي في القضية، لكن الشهادة نفسها حملت تفصيلة شديدة الأهمية.

«عرفته من مشيته».. ماذا رأى الشاهد؟

عندما سألت النيابة محمود عن كيفية تأكده من أن الشخص الذي رآه هو المتهم، جاءت إجابته: «هو أنا عرفته من مشيته».. وسألت النيابة الشاهد عما إذا كان قد رأى مع المتهم سلاحًا، فأجاب بأنه غير متأكد، ثم جاء السؤال الأهم: هل شاهده أثناء تسلق منزل يحيى وأسرته؟.. الإجابة كانت بالنفي.

وهنا يظهر الفارق بين رؤية شخص بالقرب من مسرح الجريمة وبين مشاهدته أثناء دخول المنزل أو ارتكاب القتل، وهي نقطة ظلت حاضرة عند تقييم المحكمة لأدلة القضية.

الشاهد الأول لم يرَ جريمة قتل

4c48493053.jpg

بحسب أقوال محمود، فإنه لم يكن يعلم في تلك اللحظة أن جريمة قتل ستتكشف بعد ساعات، وقال في روايته إنه لم يكن يتوقع شيئًا عندما رأى الشخص بالقرب من منزل يحيى، ولذلك لم يركز فيما إذا كان يحمل شيئًا في يده، كما أنه لم يشاهد واقعة قتل أو اعتداء داخل المنزل.

وفي شهادة أخرى نشرتها الصحف وقت التحقيقات آنذاك، ذكر أنه رأى الشخص خارجًا من منزل يحيى، وأنه لم يكن لديه سبب في تلك اللحظة يدفعه للاشتباه فيه، لأنه تصور أنه ربما جاء لأمر يتعلق بالزراعة، خاصة أن المتهم كان يشارك يحيى في زراعة الأرض.. وهكذا، فإن الشاهد الذي ارتبط اسمه بأهم رؤية ليلية في القضية لم يقل إنه شاهد القتل نفسه.

شاهد ثاني.. «سمعت صراخًا»

115cbd6ff2.jpg

شهادة أخرى جاءت من أحمد عبد العظيم، الذي كان منزله قريبًا من منزل المتهم ومن منزل أسرة يحيى أبو بكر، قال إنه خرج من منزله ليلة الحادث، ولاحظ حالة من القلق أمام منزل أسرة المتهم، ثم دخل المسجد.

وبعد ذلك، قال إنه سمع صراخًا، فخرج من المسجد، ليجد بكري أبو بكر عبد الحميد يتحدث عن مقتل شقيقه ووالدته.. ومع توالي الأخبار، علم بمقتل سيد محمود وزوجته وأطفاله، ثم سأل عن يحيى أبوبكر، قبل أن يصل إليه خبر مقتله هو وزوجته وطفليه.

لكن هذه الشهادة تحمل أيضًا نقطة مهمة: أحمد عبد العظيم قال إنه لم يرَ المتهم ليلة الجريمة.

أي أن شهادته لم تكن شهادة رؤية للقاتل، وإنما شهادة على حالة العزبة وما حدث بعد بدء اكتشاف الجرائم.

من رأى المتهم؟ ومن لم يره؟

07ed9a9728.jpg

عند قراءة الشهادات جنبًا إلى جنب، تظهر صورة مختلفة عن الانطباع الأول الذي قد تتركه كلمة «شهود».

هناك شاهد قال إنه رأى شخصًا بالقرب من منزل أحد الضحايا، لكنه لم يشاهد عملية القتل.

وشاهد آخر تحدث عن حالة القلق والأصوات التي سمعها بعد بدء اكتشاف الجريمة، لكنه أكد أنه لم يرَ المتهم.

وهناك شهود تحدثوا عن تصرفات سابقة نُسبت إلى المتهم، لكن المحكمة لم تعتبر تلك الوقائع دليلًا كافيًا على أنه ارتكب مذبحة الأسر الثلاث.

وهنا بدأت القضية تتحول من سؤال: من كان موجودًا؟ إلى سؤال أصعب: من يمكن إثبات أنه ارتكب الجريمة؟

وقائع سابقة.. هل كانت دليلًا على المذبحة؟

تضمنت التحقيقات شهادات عن تصرفات سابقة نُسبت إلى المتهم، من بينها دخوله منازل في العزبة في أوقات سابقة، وورود أقوال عن حمله سكينًا في إحدى الوقائع.

لكن محكمة جنايات بني مزار ناقشت هذه الوقائع في حيثيات البراءة، وخلصت إلى أنها لا تكفي لإثبات أن المتهم هو من ارتكب مذبحة شمس الدين.

فالتجول ليلًا، أو الدخول إلى منزل في واقعة سابقة، لا يعني وحده ارتكاب جريمة قتل جماعي بعد ذلك، كما أن المحكمة أشارت إلى أن تلك التصرفات لم تكن قد أدت إلى بلاغات من الأهالي فور اكتشاف المذبحة يمكن اعتبارها قرائن مباشرة على ارتكاب الجريمة.

«هل شاهد أحد القاتل فعلًا؟»

السؤال يبدو بسيطًا، لكن أوراق القضية تجعله أكثر تعقيدًا.

فالشاهد الذي قال إنه رأى المتهم قرب منزل يحيى لم يقل إنه شاهده أثناء القتل، ولم يؤكد رؤيته يحمل السلاح، ولم يشاهده وهو يتسلق المنزل.

أما الشاهد الثاني فقال إنه لم يرَ المتهم أصلًا ليلة الواقعة.

وبالتالي، فإن وجود شخص بالقرب من مسرح الجريمة، أو سماع أصوات بعد وقوعها، لا يساوي في حد ذاته مشاهدة مرتكب الجريمة.

وهذا تحديدًا ما جعل شهادات الأهالي تحتاج إلى أدلة أخرى حتى تتحول من مجرد قرائن إلى دليل يقود إلى الإدانة.

من نباح الكلاب إلى 10 جثث

ربما تختصر شهادة محمود مشهد تلك الليلة كله، نباح كلاب في الثانية صباحًا، رجل يفتح نافذته، شخص يتحرك بالقرب من منزل يحيى، ثم ساعات قليلة تمر قبل أن تتحول العزبة إلى مسرح لجريمة راح ضحيتها 10 أشخاص، ولكن الرجل الذي فتح النافذة لم يشاهد عملية قتل، والرجل الذي سمع الصراخ لم يرَ المتهم.. وبين الاثنين، ظلت الحقيقة الكاملة لما جرى داخل المنازل الثلاثة بعيدة عن أعين الشهود.

شهادة الشهود لم تُجب عن السؤال الأكبر

مع انتهاء المحاكمة، لم تؤدِ شهادات الأهالي إلى إدانة المتهم.

وفي سبتمبر 2006، قضت محكمة جنايات المنيا ببراءة محمد علي عبداللطيف، بعدما رأت أن أدلة الاتهام لا تطمئن إليها، ثم أيدت محكمة النقض لاحقًا حكم البراءة.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق