من إصلاح المصارف إلى الفجوة.. من سيدفع خسائر الأزمة؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
تبدأ بعثة صندوق النقد الدولي اليوم اجتماعاتها في بيروت، في زيارة تأتي بعد تطورات مالية وتشريعية غيّرت بعض عناصر المشهد اللبناني. فتعديلات قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها أصبحت نافذة بعد إقرارها ونشرها، والحكومة تقول إنها تريد استكمال المسار الإصلاحي، فيما تحاول السلطات المالية والنقدية تضييق الخلاف حول قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، المعروف بقانون الفجوة.

Advertisement

 
على الورق، تحركت ملفات أمضى لبنان سنوات يدور حولها من دون أن يصل إلى مرحلة التنفيذ. غير أن التقدم خطوة في هذا المسار لا يعني الاقتراب خطوة مماثلة من نهايته. فكلما انتقل النقاش من المبادئ العامة إلى الأرقام، عادت الأسئلة التي رافقت الانهيار منذ 2019 أكثر صعوبة: ما الحجم النهائي للخسائر؟ كيف ستوزع؟ أي جزء تتحمله الدولة ومصرف لبنان والمصارف ومساهموها؟ وكيف يمكن إعادة أموال المودعين من دون تحميل المالية العامة التزامات لا تستطيع الوفاء بها، أو إعادة بناء قطاع مصرفي عاجز عن استعادة دوره؟
 
وتكمن أهمية زيارة صندوق النقد، التي تستمر حتى 18 أيلول، في اختبار المسافة التي لا تزال تفصل الأطراف اللبنانية عن صيغة قابلة للتنفيذ، أكثر من إمكان الإعلان سريعًا عن اتفاق. فالمناقشات تشمل، إلى جانب القطاع المصرفي والفجوة المالية، موازنة 2027 والإطار المالي المتوسط الأجل والدين العام وإعادة الإعمار. وهي ملفات تلتقي جميعها عند السؤال نفسه: كيف يقفل لبنان حساب الأزمة القديمة من دون أن يرهن موارده المستقبلية لتسديد كلفتها؟
 
إصلاح المصارف لا يعمل وحده
 
يشكل تعديل قانون إصلاح المصارف خطوة أساسية قياسًا بسنوات بقيت خلالها إعادة الهيكلة عنوانًا نظريًا. فالقانون يضع إطارًا للتعامل مع المصارف القابلة للاستمرار، وتلك التي تحتاج إلى إعادة رسملة أو معالجة أو خروج من السوق. إلا أن هذا الإطار يصل سريعًا إلى حدوده ما لم يُحسم حجم الخسائر وكيفية توزيعها، لأن تحديد مستقبل كل مصرف يرتبط في النهاية بما يحمله من أصول والتزامات، وبقدرته على الوفاء بما سيترتب عليه تجاه المودعين.
 
هنا يظهر قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع بوصفه الحلقة الأصعب التي لا يمكن تجاوزها. فالمشروع الذي أقره مجلس الوزراء لا يزال موضع نقاش وملاحظات، فيما تحدث حاكم مصرف لبنان كريم سعيد أخيرًا عن حاجة قد تصل إلى ستة أو ثمانية أشهر قبل إقراره نهائيًا. وهذا يعني أن المسافة بين تعديل قانون إصلاح المصارف وبدء إعادة الهيكلة فعليًا ليست قصيرة، لأن القانون الثاني هو الذي يفترض أن يحدد حجم الفجوة، وترتيب تحمّل الخسائر، وآليات استعادة الودائع.
 
المشكلة هنا ليست تقنية أو محاسبية فقط. فكل تعديل في طريقة احتساب الفجوة أو توزيع أعبائها ينقل كلفة فعلية من جهة إلى أخرى. زيادة مساهمة الدولة تعني تحميل المالية العامة التزامات قد تظهر لاحقًا في الضرائب أو الدين أو تراجع الإنفاق. وتحميل مصرف لبنان جزءًا أكبر يطرح السؤال عن قدرته على توليد الموارد والمحافظة على الاستقرار النقدي. أما زيادة حصة المصارف فقد تضرب قدرة بعضها على الاستمرار، فيما تحميل المودعين مزيدًا من الخسائر يعيد فتح نزاع اجتماعي وسياسي مستمر منذ سنوات. لذلك، خلف كل رقم في هذه المعادلة طرف سيُطلب منه أن يدفع.
 
الجميع يحمي المودع.. فمن يدفع؟
 
في العلن، يكاد الخطاب اللبناني يتفق على قاعدة واحدة: الودائع يجب أن تعود إلى أصحابها. لكن هذا الإجماع يبدأ بالتراجع عندما يتحول الشعار إلى جدول زمني ومصدر تمويل. وصندوق النقد شدد سابقًا على احترام تراتبية المطالبات، بحيث لا تُحمّل الخسائر للمودعين قبل المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة، كما ربط أي مساهمة من الدولة بقدرتها على المحافظة على استدامة الدين العام. وهنا تكمن العقدة الأساسية: القول بحماية الودائع لا يحدد وحده من أين ستأتي الأموال اللازمة لإعادتها.
 
من هنا تتداخل مناقشة الفجوة مع موازنة 2027 والإطار المالي المتوسط الأجل. فالدولة التي قد يُطلب منها المساهمة في معالجة خسائر القطاع المالي هي نفسها التي تحتاج إلى تمويل الرواتب والخدمات وإعادة الإعمار والبنية التحتية، فيما تبقى قدرتها على الاقتراض محدودة ويحتاج دينها العام بدوره إلى معالجة. وأي التزام يفوق قدراتها قد يحمي جزءًا من الودائع على الورق، لكنه سينقل الخسارة إلى المالية العامة ويحمّلها لاحقًا للمجتمع كله بصورة مختلفة.
 
هذه هي العقدة التي نجح لبنان طوال سنوات في تأجيل حسمها، لا في حلها. فقد سمحت التعاميم والسحوبات المحدودة وتعدد أسعار الصرف بشراء الوقت وتوزيع جزء من الخسائر تدريجيًا، فيما بقيت ودائع كثيرة عالقة وتحول جانب واسع من الاقتصاد إلى التعامل النقدي. أما الوصول إلى معالجة شاملة فيعني الانتقال من إدارة الأزمة إلى الاعتراف بأرقامها: ما الذي تبقى من الأصول؟ ما الذي يمكن تحصيله؟ كم تستطيع المصارف أن تتحمل؟ ما الذي يستطيع مصرف لبنان والدولة الالتزام به؟ وكم يحتاج المودع إلى انتظار استعادة أمواله؟
 
لا تعني زيارة صندوق النقد الحالية أن هذه الأسئلة باتت قريبة من جواب سريع، ولا أن قانون الفجوة أصبح على أبواب الإقرار. لكنها تأتي في مرحلة لم يعد ممكنًا فيها قياس الإصلاح بعدد القوانين التي تُقر وحدها. فبعد سبع سنوات على بداية الأزمة، لم تعد المشكلة في الاعتراف بوجود خسائر، بل في تحديد من يتحملها وكيف توزع من دون محو حقوق المودعين أو استنزاف الدولة أو إعادة إنتاج قطاع مصرفي غير قابل للحياة. وبعد سنوات من ترحيل هذا الاستحقاق، وصل لبنان إلى الجزء الأصعب منه: تحويل الخسائر من رقم مؤجل في الدفاتر إلى مسؤوليات محددة وتحديد الحصة التي سيدفعها كل طرف.
سلام
وكان رئيس الحكومة نوتف سلام قال في جلسة مجلس النواب اليوم: كانت حكومتنا قد أحالت إليكم المشروع الهادف إلى تعديل قانون إصلاح المصارف، بما يتلاءم مع توصيات صندوق النقد الدولي. ونحن نقدّر لمجلسكم الكريم إقراره لهذه التعديلات، ما يقرّب لبنان من دخول مسار التعافي. ومن المعلوم أن حكومتنا قامت قبل ذلك بإحالة مشروع تعديل قانون السرية المصرفية، الذي تم إقراره أيضاً، ما يصب بدوره في السياق نفسه.
ونتطلع في الوقت نفسه إلى بدء مجلسكم الكريم بمناقشة مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، المعروف بمشروع قانون "الفجوة المالية"، الذي سيكمل الإطار القانوني اللازم لمعالجة هذه الأزمة.
وهنا، نعيد التأكيد أن حكومتنا لن تسترد مشروع القانون هذا لتفادي أي إضاعة للوقت، بينما طال — وعن حق — انتظار المودعين له، كما ان العالم يضع صدقيتنا على المحك بهذا الخصوص. لكننا نؤكد استعدادنا الكامل للانخراط اللازم في مناقشة أي تعديلات مطروحة على مشروع القانون، تحت سقف مجلسكم الكريم. وحكومتنا مستعدة لإبداء كل التعاون في هذا المجال.
لكن علينا أن نكون واضحين: لن نستعيد النمو والثقة من دون استكمال الإصلاح المالي والمصرفي. ومن هنا مسؤوليتنا المشتركة، حكومةً ومجلساً نيابياً، في إنجاز قانون الفجوة المالية.
وفي هذا المجال، نعيد التأكيد على أهمية التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد، كخيار أساسي التزمت به حكومتنا في بيانها الوزاري الذي نالت على أساسه ثقتكم الغالية. فهكذا اتفاق ليس مهماً بحد ذاته فقط، بل هو رافعة لا غنى عنها لاستعادة الثقة الدولية بلبنان، وبوابة للحصول على التمويل المطلوب من سائر الشركاء الإقليميين والدوليين في مساري التعافي المالي وإعادة الإعمار.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق